آخر تحديث:16:51(بيروت)
الخميس 10/09/2020
share

حريق المرفأ جريمة متجددة.. والخوف القاتل تحت سماء السرطان

نادر فوز | الخميس 10/09/2020
شارك المقال :
حريق المرفأ جريمة متجددة.. والخوف القاتل تحت سماء السرطان من إفرازات الحريق ثاني الأوكسيد و262 مادة ملوثّة ومعادن ثقيلة وحزيئيات مسبّبة للسرطان (علي علوش)
لم نعلم إن كان دخان حريق مرفأ بيروت وصل إلى قبرص هذه المرة أيضاً. تبعاً للأرصاد الجوية كانت الرياح، في بيروت، شمالية غربية. يعني أنّ الدخان وصل إلى حيفا، وما بعد حيفا، وما بعد بعد حيفا. فضيحة جديدة، كارثة أخرى، جريمة متجدّدة، قتل مباشر وغير مباشر مجدداً. ليس في القاموس من كلمات تصف المشهد المتكرّر في مرفأ بيروت، بالحريق الضخم الذي اندلع فيه بعد 5 أسابيع على وقوع التفجير. من لم يمت يوم 4 آب، بات عرضة للموت مسموماً. نشرت السلطة اللبنانية، سمومها المسرطنة على اللبنانيين بالمجّان. وزّعت عليهم سرطانات في الهواء على قطر لا يقلّ عن 10 كيلومترات من قلب المدينة. حريق مرفأ بيروت، يوم 10 أيلول 2020، موعد جديد من تاريخ إجرام السلطة اللبنانية.

الخوف القاتل
قرابة الواحدة ظهراً، بدأت غيمة سوداء بتغطية سماء بيروت. حريق آخر، في المرفأ. تفجير 4 آب، بدأ بسيناريو مماثل. دخان، تفجير، هالة فطرية، سحاب ملوّن، أشلاء، زجاج مكسّر، ضحايا، أبواق سيارات وأنين بشر. شريط سريع يمرّ بثوان، أثناء فتح الشبابيك والأبواب خشية من عصف لا بد أن يصل. هزة أرضية، سماء تتكسّر، جثث، مفقودين، جرحى المستشفيات، إبادة شوارع كاملة. انتهت عملية فتح الشبابيك للجلوس في أماكن أكثر أماناً بعيداً عنها. في حين عاش اللبنانيون في بيوتهم ومنازلهم ردّ الفعل التلقائي هذا، كان العشرات من العمال والمياومين في مرفأ بيروت يهرعون من موت مفترض يخيّم حولهم. ركض هؤلاء، بحسب مقاطع الفيديو المتداولة، بكل الاتجاهات. غزت مخيّلاتهم ما سبق وشاهدوه في شرائط التفجير الأول يوم 4 آب. سننفجر الآن، سنطير، سنغطّ في السبات. سنستفيق بحثاً عن يد أو رجل مقطوعة. سنرحل عن هذه الدنيا وكانت آخر لحظاتنا مجبولة هرولة وخوفاً. لم ننج، قتلنا الخوف قبل وقوع السوء.

زيوت وإطارات
أوضحت قيادة الجيش، في تغريدة لها على تويتر، أنّ "الحريق اندلع في مستودع للزيوت والإطارات في السوق الحرة في مرفأ بيروت". كما قال الأمين العام للصليب الأحمر اللبناني، جورج كتانة، إنّه "لا داعي للهلع، ونقلنا حالة واحدة فقط تعاني من ضيق في التنفّس"، مشيراً إلى أنّ "الحريق لن يؤدي إلى أي انفجار وما هو مشتعل خردوات ولا إصابات في المكان والجيش يسيطر على الوضع". من مقاطع فيديو انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، يمكن التيقّن أنّ ألسنة اللهب ارتفعت فوق مكان الحريق في المرفأ لما يقارب مئتي متر. ونثرت رمادها في كل أنحاء بيروت، مهدّدة حياة أكثر من مليون ونصف مليون بشري يعيشون فيها وفي محيطها.

سرطان رسمي
وتقول الخبيرة والناشطة البيئية، فيفي كلّاب، إنّ "الملوّثات التي تخرج من الحريق من أخطر الملوّثات على الإطلاق لأنها تفرز ثاني الأوكسيد وهو من أهم المواد المسرطنة في العالم، كما يفرز 262 مادة ملوثّة خطرة أخرى ومعادن ثقيلة وجزيئيات مسبّبة للسرطان". فدعت كلّاب جميع سكان بيروت إلى مغادرتها أو إحكام إقفال شبابيك وأبواب منازلهم، وإن اضطّروا إلى الخروج "فعليهم وضع الكمامات وخرقات مبلّلة بالمياه لتمنع عنهم السموم". والأخطر من كل ذلك، إشارة كلّاب إلى أنّ "هذا النوع من الحرائق ينتج مواد عضوية ثابتة تبقى في المياه والهواء والتربة وخطرها أكبر من الخطر الناجم عن انفجار". فالسرطان، من الهدايا المجانية التي تقدّمها السلطة للبنانيين، وأدوية علاجه مقطوعة أو مهددّة بالانقطاع أساساً. قدّمت السلطة للبنانيين عروضاً سابقة للموت بالتفجير، من الأزمة المالية واحتجاز الأموال في المصارف، من الجوع والبطالة والسلاح غير الشرعي المنظّم منه وغير المنظّم.

تساؤلات واجبة
مع كل جريمة تتصاعد مطالب اللبنانيين في إجراء تحقيق واضح وحاسم وشفّاف لكشف كامل الملابسات. لم تنته مطالبهم في ما يخص جريمة المرفأ الأولى، لتبدأ مطالبتهم في التحقيق بالجريمة الثانية. حتى أنّ تساؤلات الجريمة الأولى تتشابه إلى حد كبير مع تساؤلات الثانية. أي سلطة، مسؤول أو مدير، يخزّن نيترات الأمونيوم مع مفرقعات نارية؟ من يخزّن زيوتاً وإطارات في مخزن واحد؟ كيف اندلع الحريق؟ عن عملية تلحيم؟ عن رمي عقب سيجارة؟ عن سابق تصوّر وتصميم؟ هل له علاقة ببوالص تأمين خاصة بالبضائع الموجودة في المنطقة الحرّة؟ هل الهدف منه محو أدلّة خاصة بالتفجير؟ في البلد، كل الأسئلة مشروعة، وكل الفرضيات قائمة، وكل السيناريوهات واردة، طالما أنّ في السلطة منظومة متمرّسة في القتل والنهب والفساد.

بات العيش في الخوف، من يوميات اللبنانيين. من كل شيء خائفون، وعلى مستقبل وماضٍ وحاضر. في السماء، سحابة سموم. في الشوارع كورونا منتشر. وفي أخرى، لا شبابيك ولا أبواب للمنازل. في ثالثة، لا خبز ولا زيتون. أمام هذا المشهد المتجدّد في مرفأ بيروت، ثمة من يجلس في حديقة قصره يرتشف الشاي. يليّن فيه كعكاً، يغمّسه في الفنجان فيصبح أسهل على اللثة والبلع والهضم. فتطيب له عصرونيّته تحت سماء السرطان المنظّم، قبل المشاركة في اجتماع أمني رفيع.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها