آخر تحديث:15:19(بيروت)
السبت 08/08/2020
share

نكبة المسيحيين.. وحملة الإغاثة الشبابية في الجميزة ومار مخايل

محمد أبي سمرا | السبت 08/08/2020
شارك المقال :
نكبة المسيحيين.. وحملة الإغاثة الشبابية في الجميزة ومار مخايل زحمة إغاثية شبابية هائلة في الجميزة ومار مخايل (المدن)
ليس من سبيل إلى لمّ شتات المشاهد التي خلّفها انفجار مرفأ بيروت الكارثي في الكرنتينا ومار مخايل والجمّيزة والرميل والمدوّر والتباريس والصيفي، وامتداداً إلى وسط بيروت والأشرفية، لتكثيفها وجمعها في مشهدٍ واحدٍ شامل، سوى بإحياء قصص الخيال القيامي، التوراتي الأسطوري الهاجع في العهد القديم. وقد يكون تخيّل مشهد معاصر لقصة موت اليعازر وقيامته من القبر، أو لقصة صلب المسيح وسيره على طريق الجلجة في أسبوع الآلام، وصولاً إلى الجمعة العظيمة، وقيامته من القبر في سبت النور، وصعوده إلى السماء في أحد الفصح، هما الأنسب والأقوى لما فعله ذاك الانفجار المروع في المرفأ وفي تلك الأحياء المجاورة له.

مشاهد وكلمات قياميّة
وليس الباعث على هذا الإحياء الخيالي المعاصر لتلك القصتين المسيحييتين، أن الأحياء المدينية السكنية المجاورة لمرفأ بيروت، مسيحية التاريخ العمراني والاجتماعي والسكاني، بل المشاهد المادية والحية التي خلّفها الانفجار في تلك الأحياء، بعد ساعات  قليلة من حدوثه، ثم في النهارين التاليين لحدوثه.

في مشاهد الساعات المسائية والليلية، بعد الدوي والارتجاج الزلزالي الهائلين، وما نجم عنهما من عصف غبار ودخان، وتصدعات وانهيارات ودمار، وتطاير قطع أثاث ومعادن وزجاج وأجسام بشرٍ قتلهم الانفجار الصاعق، فيما خرج بشر آخرون جرحى من بين الركام والردم والأنقاض في البيوت، مصعوقين ذاهلين إلى الشوارع التي مشوا فيها نازفين بين الردم والسيارات المدمرة والمتصدعة والمبقورة، المكسوة بالغبار والأتربة وقطع المعادن والحجار وحطام الزجاج، وقد تكون عيونهم المتحجرة أبصرت أجزاء من جثث مبعثرة في الردم والركام... في هذه المشاهد القيامية شيء من الآية القرآنية الشهيرة: "إذا زلزلت الأرض زلزالها، وأخرجت الأرض أثقالها، وقال الإنسان ما لها (...) يومئذ يصدر الناس أشتاتاً لِيُرَوا أعمالهم".

وقد يكون تلا هذا المشهد صمتُ أو سكون ما بعد القيامة في الأنقاض والردم والركام، التي عمّ العتم فيها والظلام، كما في المقابر، بعد ساعات الدفن والعزاء. ولا بد من بعض أصوات متقطعة ومتباعدة في هذا السكون القيامي العظيم: سقوط حجر، نزيز ماء من أنبوب، مواء قطة، يقظة شخص في الظلام وتحريكه أطرافه للخروج من تحت الأنقاض.

وفي لحظات الضوء الصباحية الأولى على المشهد القيامي، يمكن استدعاء آيات مختلطة من سورتي "التكوير" و "الانفطار": "إذا الشمش كُوّرت، وإذا النجوم انكدرت، وإذا البحار سُجرت، وإذا السماء كُشطت وانفطرت، وإذا الكواكب انتثرت، وإذا القبور بُعثرت، وعلمت نفس ما قدّمت وأخرّت، فأين تذهبون".

لا، ليس استدعاء هذه الآيات القرآنية، إلا من باب التصوير التخيلي لوقت وحال ما بعد الانفجار وعصفه في تلك الأحياء السكنية القريبة من مرفأ بيروت. وهذا لأن الإنشاء اللغوي والتعبيري الحديث قاصر عن تصوير تلك اللحظات القيامية التي لا وجود لها أصلا إلا في قصص الأولين الدينية، والتي تبدو حيالها أفلام الكوارث السينمائية أقرب إلى أفلام الكرتون. كأنما اللغة القديمة وإيحاءاتها المشحونة بالعقاب المهول والثواب الدينيين الأسطوريين، أقوى وأشد تعبيراً عما حدث من الصور الفوتوغرافية والسينمائية المحدثة والمعاصرة.

مشاهد الإغاثة الشبابية
أما مشاهد النهارات التي تلت العصف القيامي في شوارع الجميزة ومار مخايل تحديداً، فتكاد تكون رداً أو تعقيباً وضعياً ودنيوياً على تلك المشاهد المتخيلة:

ألوف الشبان والصبايا، الفتيان والفتيات، يسيرون وتسرن في حجيج كشفي، نهاري وربما ليلي متصل، للإغاثة وإزالة الردم والأنقاض في تلك المنطقتين. وفي مشهد الحجيج هذا إصرار من تلك الألوف الشبابية على بعث الحياة من الركام والموت. ويمكن تخيل أن مشهدهم ينطوي على إرادة معاصرة، قد تحاكي، بلا دراية ولا تصور منهم، سبت النور المسيحي وقيامة إليعازر من قبره.  

غابة من أسماء الجمعيات والمنظمات الإغاثية والإنسانية والاجتماعية والطلابية، مدونة على أزياء مخصصة لمثل هذه النشاطات والأعمال. ترتدي هذه الأزياء جموع السائرين والسائرات في الحجيج الإغاثي الشبابي في الشوارع، موزعين عبوات المياه وأربطة الخبز والسندويشات من على بسطات وضعت بين الردم والركام وحطام السيارات.

زحمة إغاثية شبابية هائلة في الجميزة ومار مخايل، ويخيل للمشاهد العابر في تلك الزحمة أن أعداد المغيثين والمغيثات الضخمة، في ما يشبه نشاط كشفي إنساني، تفيض بنسبة فلكية عن ما تبقى من منكوبين ويحتاجون إلى المساعدة والإغاثة في المنطقتين، اللتين رحل من بيوتهما السكان تاركينها مدمرة أو متصدعة، يتبعثر في جنباتها الردم والركام وشظايا الزجاج. وهم رحلوا في صمت تقريباً، إلى أماكن أخرى، بلا ذاك الضجيج والوعيد اللذين درجت واعتادت جموع المهجرين المنكوبون في لبنان على أطلاقهما مزمجرة هادرة، مطالبة بالإغاثة والإعالة. أما من تبقى في البيوت المنكوبة، فأعدادهم قليلة، وهم غالباً من المسنين والمسنات الذين واللواتي هاجر أبناؤهم وبناتهم من لبنان، وتركوهم وحيدين في البيوت العتيقة.

حتى أن مواد الإغاثة من ماء وخبز وسندويشات تبدو كاسدة على البسطات، ليروح المغيثون والمغيثات الكشفيين يوزعونها على العابرين والعابرات في الزحمة الصيفية الخانقة تحت شمس آب الحارقة.

لكن المشهد الأضخم في هذه الزحمة الإغاثية المهولة، هو لفرق ومجموعات شبابية يربو عدد المشاركين والمشاركات فيها على الألوف من الفتيان والفتيات والشبان والشابات. وتمشي جموعهم متنقلة في شارعي الجميزة ومار مخايل ومتفرعاتهما الكثيرة في الاتجاهين، في ما يشبه سيران كشفي لا يتوقف دبيبه المتصل الكثيف أعداداً وحركة في الاتجاهات كلها. والماشون العابرون في هذا السيران يحمل كل منهم رفشاً ومكنسة جديدين وسواهما من أدوات الكنس لم تستعمل بعد. كأنما ألوف الرفوش والمكانس خرجت لتوها من المستودعات ووزعت على الفتيان والفتيات الذين واللواتي يحملونها وتحملنها في السيران الكبير، لإزالة الردم والركام من شوارع المنطقتين وكنسها وتنظيفها.

وفي حوالى الساعتين اللتين سرتهما بين حاملي الرفوش والمكانس بعصيها الطويلة، ظلّت هذه على حالها جديدة، تتقدم مواكب جموع السائرين حامليها. وربما لم يجد حاملوها فرصة لاستعمالها من شدة زحام الحجيج الكشفي الشبابي لإزالة الركام وتوزيع المواد الاغاثية الفائضة عن الحاجة.

لكن أعداداً أخرى كبيرة من مزيلي الردم والحطام وكسر الزجاج وكنس الأتربة والغبار، كانت تعمل بحيوية ونشاط. وهناك أعداد أخرى على شرفات المباني المتصدعة أو المبقورة، ترمي إلى الأسفل ما يمكن حمله ورميه من الردم والركام في البيوت والمكاتب.

وداع الحياة الليلية
أما مشهد المقاهي والحانات والمطاعم في مار مخايل والجميزة ومتفرعات شارعيهما الرئيسيين، وعلى الجهتين، فلم يسلم أي منها من التدمير الكلي أو الجزئي. وفيها وأمامها ينتشر مزيلو الردم والتجهيزات المبقورة المحطمة.

والحق أن مشهد الحجيج الشبابي الهائل والعامل في الإغاثة وإزالة الردم، يستحيل عدم رد شطر من حشوده الشبابية إلى تعلقها بطبيعة حياتها، وبطبيعة الحياة الليلية التي صنعوها وألفوها من سنين شباناً وصبايا، فتياناً وفتيات، في هذين الشارعين ومتفرعاتهما للحياة الليلية. كأنهم في سيرانهم وعملهم ما بعد الانفجار، يقولون إنهم مصرون على إحياء الجميزة ومار مخايل وإعادتهما إلى طبيعتهما، مستبدلين طقوس حياتهم الليلية فيهما بأعمال وطقوس الإغاثة وإزالة الردم والركام النهارية المزدحمة.

أما من يشاهدهم على هذه الحال في تنقلهم والتقاطهم الصور بهواتفهم المحمولة، فلا يغادره الانطباع بأنهم يحييون، على غير دراية منهم، حجيجاً وداعياً أخيراً لشارعي حياتهم الليلية. وقد تستمر مشاهدهم هذه أياماً، قبل اكتمال أعمال إزالة الردم وتوزيع مواد الإغاثة، واكتمال مشهد الحجيج الوداعي الذي لن ينجلي سوى عن فراغ وهجران هائلين يستمر صمتهما لسنين.

أما هم وهن، شبان الحجيج الكشفي والإغاثة وإزالة الردم، فسينقطع مجيئهم ومجيئهن إلى هنا، وينصرفون بعد هذه الوداعات وزحامها...

لكن إلى أين؟! أإلى بدارو التي لم يبق سواها للحياة الليلية في بيروت؟ وربما تلاشى أو سيتلاشى ما تبقى من هذه الحياة ويقضي ويموت، مع هجرة جموع من هؤلاء الشبان والشابات هجرات فردية، وربما عائلية إلى غرب العالم، وليس إلى شرقه الذي يُدعى لبنان إلى التوجه نحوه بعد الانهيار والإفلاس والنكبات.

وأنا مَن رأيت في ما سموه "ثورة 17 تشرين" مشاهد وداعية للبنان ما بعد الحرب و"اتفاق الطائف" وزمن وفرته، رأيت أن زحف الحجيج الإغاثي وإزالة الردم من الجميزة ومار مخايل، هو مشاهد وداعية للحياة الليلية في بيروت التي وضع لها انفجار المرفأ المهول خاتمة قيامية توراتية.

نكبة بيروت المسيحيين
في مقلب آخر من المشهدين، القيامي الجحيمي، والثاني الإغاثي الوداعي، هناك مشهد ثالث ينطوي على دلالات وآثار تاريخية واجتماعية: إنه مشهد نكبة المسيحيين في بيروت، أو نكبة الأحياء المسيحية التاريخية في بيروت، والتي تكوّنت ونشأت وازدهرت في حقبة مديدة استغرقت نحو قرنين من السنين، مع توسع نشاط مرفأ بيروت وازدهاره.

فبيروت الأحياء المسيحية هي الأقرب إلى مرفئها، وتحوط به في نصف دائرة مدينية قديمة العمران على حدود وسطها القديم وتتصل به، وها قد ألمَّ بها التدمير والخراب والموت في نحو الساعة السادسة والنصف من مساء 4 آب، فجعلها "عصفاً مأكولا".

وبيروت المسيحية المذكورة أسماء أحيائها أعلاه، هي التي أصابها الزلزال، وصولاً إلى وسطها الجديد المسمى "سوليدير"، والذي كان قد بدأ يشهد احتضاره مع الانهيار والإفلاس اللبنانيين الكبيرين.

زغردة الرصاص
وفي مشهد ختامي لهذه العجالة عن مقتل بيروت المسيحية والحياة الليلية فيها مع"سوليدير"، وعن مشاهد الفرق الكشفية الشبابية للإغاثة وإزالة الردم في إصرارها على بعت الحياة فيها، وفي حجيجها الوداعي لتلك الحياة القتيلة، كان إطلاق رصاص البنادق الحربية يزغرد في زقاق البلاط وحي اللجا وسواهما من الأحياء القريبة منهما، في مستهل إطلالة السيد حسن نصرالله التلفزيونية، متحدثاً عن ملابسات انفجار مرفأ بيروت، داعياً إلى وقف الحملات الاعلامية المغرضة، في انتظار نتائج التحقيقات التي تجريها السلطات اللبانية، المشهودة نزاهتها في مثل هذه الحوادث الكبيرة منها والصغيرة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها