آخر تحديث:14:42(بيروت)
الجمعة 14/08/2020
share

قصص ضحايا ومفقودين وناجين: حين عصف الرعب في المرفأ

إيمان العبد | الجمعة 14/08/2020
شارك المقال :
قصص ضحايا ومفقودين وناجين: حين عصف الرعب في المرفأ يخفت الضجيج رويداً، كلما اقتربنا من المرفأ، لنسمع حكايات الرحيل والفقدان (Getty)
تخفتُ بالتدريج أصوات جمع الزجاج والركام والردم، وصراخ المتطوعين والمتطوعات يخفت، كلما اقتربنا من مرفأ بيروت، لنسمع أنين الرحيل والفقدان. تتخلل الأنين فجأة صراخات نساء تائهات الأبصار، تنتظرن خبراً عن فقيد طمره الركام.

قصة عامل المرفأ أمين الزاهد
"أمين ما بيموت"، تصرخ إحداهن. إنها زوجة الفقيد أمين الزاهد الذي كان لا يزال مفقوداً منذ لحظات ذاك الهول. بعينين ذاهلتين شاخصتين نحو المنطقة المحظر الدخول إليها، تراقب شقيقته الداخلين والخارجين أفواجاً من فرق التفتيش والتقصي. تقف الشقيقة أمام كل سيارة. تسأل الرقيب المناوب أن يسمح لها بالدخول، تتمتم كلمات مبهمة، تعود خائبة، وتقول: "قولولن والله الخي ما بيتعوّض".

وتحول أمين الزاهد من عامل في مرفأ بيروت، إلى مفقود فضحية، خلال أيام، مرت ثقيلة على أهله. وكان أفراد عائلته يجلسون فيها مستظلين شجرة قرب مدخل المرفأ. أخوه محمود عثر على رخصة القيادة الخاصة بأمين. قبل الانفجار بدقائق ثلاث تحدّث محمود مع أخيه الذي أرسل له صورة الحريق المندلع قرب العنبر رقم 12، وبعدها فُقد الاتصال به.

يضيف محمود أن عمل أمين ليس قرب العنبر، لكنه ذهب مع صديقه إلى هناك، ونجا صديقه من الاختفاء والموت.

يتذكر محمود اليومين اللذين أمضاهما يتنقل بين المستشفيات، من بيروت إلى الشمال وجنوباً، فيما كانت تتضارب المعلومات عن مكان وجوده. تارة في مستشفى الحريري، تارة أخرى في مستشفى الجامعة الأميركية، وثالثة في... لينتقل إلى الكلام عن عدم ثقته بفرق البحث والتفتيش. كان يحاول جاهداً وعبثاً الدخول إلى المرفأ للبحث بنفسه عن أخيه. ويقول محمود لا أحد من السياسيين يهمه الضحايا. لن يتذكروا أسماءهم.

لأمين ولدين. ابنته عمرها 17 سنة وابنه 12 سنة. ولدى سؤال محمود عن أهل أمين، والده والدته، يقول: "أخبرتهم أنه في إحدى المستشفيات، لكن الفوضى تحول دون الوصول إليه". هذه الكذبة لم تستمر طويلاً. فأمين قتل وعثر على جثته في مرفأ بيروت في منتصف الليل، بعد حديثنا مع محمود.

قصة الجندي جو الحاج
قصص كثيرة تطلع من ركام مرفأ بيروت. على حافة الرصيف إلى جانب عائلة أمين الزاهد، يجلس والد الجندي المفقود جو الحاج. تائه النظرات، كأنه يبحث في عيون الأهالي المنتظرين عمن يواسيه في مصابه. يراقب الجنود. هل يفكر في أن يبصر ابنه بينهم؟ يحدق في بدلاتهم العسكرية ويقول: "إبني واحد منهم. كان حلو بالبدلة".

وعادت بي الذاكرة إلى السيدة التي وصفت ابنها الشهيد، قائلة: "إبني حلو. عيونو عسلية ومهيوب". وجلس والد جو إلى جانب جندي عشريني يقف على باب المرفأ. كأنه أنس إليه من بين الأشخاص الذين يقفون حوله. راح يحدثه عن ابنه جو، عن طفولته وطباعه. 

نقولا الحاج، شقيق المفقود، لم يستطع الكلام. كأنما كلمات والده العاطفية شبه الهاذية، ربطت لسانه. هو الآخر تلقى خبراً يفيد أن جو كان على مسافة أمتار من العنبر رقم 12، عندما وقع الانفجار. لذا راح ينطفئ أمل العائلة ورجاؤها بنجاة ابنها المفقود. وأضاف نقولا: "أريد أن أحدثك مطوّلاً عن جو، لكنني لا أستطيع الآن".  

قصة الناجي أحمد
إلى جانب أهل المفقودين يمشي أحمد، العامل في المرفأ، والناجي من الانفجار. للمرة الأولى يأتي إلى هنا بعد نجاته. يحدق مذهولاً في الردم والركام والخراب. هل نجا حقاً، هل يصدق أنه نجا، هل يتخيل أنه قام من الموت، هل ترعبه صورة قيامته المتخيلة؟! يقول كأنه لا يحدث أحداً: "لا أعلم كيف نجوت".

ويخبرنا أحمد عن أنه انهى دوام عمله في السادسة من مساء العصف، تقريباً. قاد سيارته، وصل إلى مسافة أمتار من مدخل المرفأ، فسمع دوي الانفجار الأول الصغير. استدار بسيارته وعاد إلى الداخل، عازماً على تفقد أصدقائه. ودوّى الانفجار الثاني الكبير والمروع. دمرت سيارة أحمد وجرح في ساقه. لا يذكر الكثير عن تلك اللحظات، ويقول: "ضجيج هائل في ذاكرتي، غبار ودخان واختناق ودماء... واستفقت في المستشفى. لا أعلم من حملني ونقلني". تمر في ذاكرة أحمد حرب تموز 2006، تفجير موكب رفيق الحريري في 14 شباط 2005. ولكن لا شيئ يقارن بما حصل مساء 4 آب 2020. حجم الدمار الهائل. الهلع. الجثث الممزقة. الجرحى السائرون في الشوارع والدماء تسيل من أجسامهم... كلها مشاهد دموية تتشبث بذاكرة أحمد.

قصة عامل ونيران النبي إبراهيم
عامل آخر في المرفأ، جاء في الصباح الذي تلا الانفجار للمشاركة في الانقاذ وإزالة الردم والركام. في مساء يوم الانفجار، غادر مكان عمله في الخامسة والنصف. وصل إلى منزله في خلدة، وسمع الدوي الكبير. عندما علم أنه وقع في المرفأ، عاد ليساعد في انتشال الضحايا.

يقول: "كان المشهد أشبه بأفلام الرعب، بالجحيم. جثث مشوّهة مبقورة مشلعة على الأرض. كلها جثث وأجزاء أجسام بشرية لا تمييز بينها. الدمار هائل. الغبار الأبيض... رغم أنني لم أكن هنا لحظة الرعب والموت، لكن مشهد الضحايا ونقلهم يلاحقني. لقد فقدت 15 شخصاً من زملائي في العمل، ضحايا نقلوا من المكان ومفقودين. كلهم كانوا يعملون على مقربة من العنبر رقم 12".

يحدثنا العامل، الذي نسينا أن نسأله عن اسمه، عن قصص مفقودين وناجيين. وقال أخيراً إن هناك عمالاً دفعهم عصف الإنفجار إلى البحر، ونجوا. كأنما الماء كانت "برداً وسلاماً" عليهم، كما صارت النيران بقوة إلهية في قصة النبي إبراهيم.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها