آخر تحديث:16:05(بيروت)
الخميس 13/08/2020
share

مسيحيو الجميزة ومار مخايل من التراث إلى "المقاومة"

محمد أبي سمرا | الخميس 13/08/2020
شارك المقال :
مسيحيو الجميزة ومار مخايل من التراث إلى "المقاومة" بعد حملات الإغاثة الكثيفة في الأحياء المنكوبة بدأت حملة إحصاء المباني المتصدعة والمتضررة (علي علوش)
على اللافتة المعدنية المنصوبة على رصيف مدخل شارع الجميزة قبالة مقهى "بول"، شُطِبت من عبارة "شارع ذو طابع تراثي" الكلمةُ الأخيرة، وكُتِبت فوقها كلمة "مقاوم" بخط مائل. وشُطِبت من العبارة الفرنسية المدونة تحتها، كلمة "تراثي" ودُوِّنت فوقها كلمة "RESILIENT"، أي صامد بالعربية.



من التراث إلى المقاومة
ويشي شطب كلمتي "تراثي" العربية والفرنسية ومحوهما بخطٍ واضح ودقيق، وكذلك ترجمة "مقاوم" على هذا النحو إلى الفرنسية، إضافة إلى أناقة تدوين الكلمتين الجديدتين وتجانسه شكلاً مع القديم أو السابق؛ يشي هذا كله بأن الشاطبين والمدونين أرادوا بفعلتهم هذه التعبير بسخرية مأسوية سوداء، عن انقلاب حال الجميزة وسواها من الأحياء البيروتية من حال إلى حال أخرى مغايرة، بعد الكارثة التي أصابت العاصمة جرَّاء انفجار مرفأ بيروت.

وهم في هذا (أي مدونو الكلمتين الجديدتين) يشيرون أيضاً إلى محاكاة ما تفعله "المقاومة" - التي يعتزّ بها أهلها ممجدين مفاخرين، فيما تحوم حولها شبهات تسببها بانفجار المرفأ - في البشر وعمرانهم: القتل والتدمير والخراب التي أصابت الجميزة، وانقلبت بها من حيٍّ تراثي الطابع إلى حيٍّ "مقاوم".
لكن الكلمة الفرنسية التي حلت محل كلمة "تراثي"، وتعني "صامد" أو "صمود"، تقلب ما افترضته إرادة سخرية سوداء ومريرة لدى المدونين، إلى جديّة إنشائية مبالغة: إرادة المنكوبين في الصمود في ديارهم المدمرة، ومقاومتهم الدمار والتهجير.  

إغاثة وتنافر أهلي
والجميزة وسائر الأحياء البيروتية المسيحية، التي تحولت أحياء "مقاوِمة"، انتقلت اليوم - بعد مضي أيام عشر على الانفجار، وتداعي جمعيات ومنظمات المجتمع المدني غير الحكومية الكثيف من معظم مناطق لبنان لإحياء أعمال و"مهرجانات" إغاثة المنكوبين وإحصاء القتلى والجرحى والمفقودين، وإزالة الردم والركام - إلى بدء بعض السكان الهاربين بصمت من بيوتهم، بالعودة إلى تفقدها ونقل ما تبقى من أثاثها. وتستمر في بعض النواحي عمليات إزالة الزجاج المحطم والردم. وكان لافتاً في هذا المجال تداعي بلديات بلدات مسيحية قريبة من العاصمة، مثل وادي شحرور وكفرشيما، إلى جلب عمالها وتجهيزاتها للمساعدة في عمليات إزالة الردم.

وهذا إلى جانب توافد مجموعات من نساء وفتيات وأولاد من المحتاجين والمعدمين والمشردين واللاجئين السوريين والفلسطينيين إلى الجميزة ومار مخايل، للحصول على مساعدات وإعاشات، بعد سماعم بوفرة ما تقدمه جمعيات ومنظمات الإغاثة العاملة في الأحياء المسيحية المنكوبة. وتحدثت عاملات في بعض هذه الجمعيات والمنظمات عن نفور بعض أهالي هذه الأحياء من هؤلاء الوافدين السورين والفلسطينيين، وعن قيامهم بطرد عاملين في جمعية إغاثية فلسطينية، جاؤوا إلى مارمخايل للمشاركة في أعمال الإغاثة وإزلة الركام.

نساء الضمادات والمستندات
ومن الظواهر البارزة في أحياء الركام والردم عملُ هيئات بلدية واختيارية فيها على تنظيم استمارات إحصائية بالبيوت المتصدعة أو المنكوبة أو المهدمة. تلك التي يتوافد سكانها (معظمهم من نساء مسنات) حاملين سندات ملكية البيوت أو استئجارها، لتسجيل أسمائهم وأماكن العقارات لدى المختارين والهيئات البلدية في هذه الأحياء.

ويشاهد العابر في الجميزة ومار مخايل نساءً بادية على أطرافهن ضمادات جروح، وفي أيديهن أوراقاً ومستندات جلبنها من بيوتهن "التراثية" المنكوبة إلى خيام نصبها المختارون على الأرصفة أمام مكاتبهم أو بيوتهم.

وعلى مدخل مقر حزب "الكتلة الوطنية" التراثي المرمم والمجهز في منتصف شارع الجميزة، بسطة كبيرة مكومة عليها ربطات خبز، وتتكاثر حولها نساء وفتيات محتاجات يبدو من ثيابهن وأغطية رؤوسهن السوداء، أنهن جئن من مخيمات اللجوء والتشرد في بيروت للحصول على ما يتوافر من خبز وأعاشة.

وأمام مقر الحزب اللبناني العتيق والمتجدد، جمع من الرجال والشبان الذين يبدو من ملبسهم شبه الموحد، أنهم من فرق المتطوعين في أعمال الإغاثة وسواها من أعمال تقديم المساعدة وإزالة الردم والركام. هذا فيما عشرات من الفتيات والنساء منهمكات في داخل المقر ومكاتبه، في إدارة ورش الإغاثة وتنظيمها وتسيير أعمالها، وتلقي المكالمات الهاتفية والمراجعات في شؤون مختلفة.

هواجس المنكوبين
ومن الظواهر البارزة منذ يومين أو ثلاثة في أحياء الردم والركام المسيحية، تصاعد موجة لغط ومخاوف وشائعات عن توافد سماسرة وتجار عقارات محترفين وغرباء عن هذه الأحياء، لإغراء بقايا سكانها من المسنين والمسنات ببيع بيوتهم وعقاراتهم المتصدعة والمدمرة. وقيل إن أولئك السماسرة عرضوا على مستأجري ومالكي العقارات شراءها بدولارات جديدة أو طازجة، لإشعال رغبتهم في بيعها والخلاص من نكبتهم وحاجتهم إلى العملة الخضراء السائلة النادرة.

وفي محاولة لتقصي هذه الظاهرة، والوقوف على حقيقتها في جولة ميدانية في الجميزة ومار مخايل، وسؤال ساكنين وساكنات، عاملين وعاملات في منظمات إغاثية، إضافة إلى بعض المختارين، تبين من شهادات هؤلاء جميعاً أن الظاهرة ما تزال لغطاً شائعاً ينقل مخاوف وهواجس مقيمة.

وهي هواجس ومخاوف ليست بلا جذور عميقة الغور في المجتمع الميسحي في لبنان، منذ ما بعد حوادث العام 1958 الدامية. وخصوصاً في ضاحية بيروت الجنوبية الشيعية التي صارت معقلاً لحزب الله (وخصوصاً حارة حريك)، بعدما كانت تسمى "ساحل النصارى" حتى أربعينات القرن العشرين. والهواجس هذه أصابت المجتمع السني البيروتي، وما تزال متفشية فيه منذ أعقاب حملة حزب الله على بيروت في 7 أيار 2008.

لكن جميع من سُئلوا عن هذه الهواجس والشائعات في الجميزة ومار مخايل، قالوا إنهم سمعوا وسمعن أشخاصاً كثيرين يتحدثون عن سماسرة عقارات يجوبون الأحياء المنكوبة، من دون أن يقول أحد أنه شاهد أو سمع شخصياً سمساراً يعرض على ساكن أو مالك بيع بيته أو ملكه.

والأكيد أن أهالي هذه الأحياء والهيئات البلدية والمنظمات الإغاثية العاملة فيها، وتلك التي تعنى بحماية المباني التراثية، قامت وتقوم بحملة مضادة، قد تكون استباقية، لتحذير الأهالي من بيع عقاراتهم، بعد تفشي المخاوف والهواجس والشائعات عقب الكارثة.        


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها