آخر تحديث:00:12(بيروت)
الخميس 13/08/2020
share

لجان وهيئات حكومية ولدت ميتة ودُفنت في كارثة المرفأ

لوسي بارسخيان | الخميس 13/08/2020
شارك المقال :
لجان وهيئات حكومية ولدت ميتة ودُفنت في كارثة المرفأ شكلت اللجنة الوطنية العليا لإدارة الكوارث والأزمات عام 2013 (علي علّوش)
على رغم ضخامة انفجار مرفأ بيروت، الذي هز لبنان في 4 آب الماضي، لم يلمس اللبنانيون أداء دولة في لملمة تداعيات الكارثة التي حلت بعاصمتهم.

غياب "إدارة الكوارث"
فالتخبط، بل غياب الجهود الإنقاذية والإغاثية الرسمية، أدى إلى تسلم المجتمع الأهلي وهيئات وجمعيات المدني والمبادرات الدولية هذه الجهود، وسط غياب تام لدور"اللجنة الوطنية العليا لإدارة الكوارث والأزمات"، الناشئة منذ سنة 2013. لكنها لم تستنفر ولو لعقد اجتماع طارئ واحد، ينسق الجهود المبذولة في مواجهة الكارثة. بل اقتصر عملها على مشاركتها كغيرها من الإدارات والمؤسسات المعنية، في اجتماع تنسيقي عقدته وزيرة الدفاع في الحكومة المستقيلة قبل أيام، لمناقشة خطة استجابة وطنية في ظل حال الطوارئ التي يتولاها الجيش اللبناني. وهذا ما طرح السؤال التالي: إذا لم تكن الكارثة التي حلت ببيروت كافية لتستنفر "لجنة الكوارث" طاقاتها، فمتى تستنفر هذه الطاقات؟ 

شكلت اللجنة الوطنية العليا لإدارة الكوارث والأزمات بقرار من مجلس الوزراء رقمه 41 تاريخ  18 شباط 2013. وحسب المطلعين على أهداف تشكيلها ومهمها، يفترض أن تلتئم فور وقوع كارثة، لتشكيل غرفة عمليات مشتركة في السرايا الحكومية، وتعقد اجتماعات على مدار الساعة، للتنسيق بين مختلف الأجهزة العاملة على الأرض، ومحاولة استدراك الحاجات وسد النقص في حال حصول شغور. وذلك بعد التداول في إمكانات كل وزارة وجهاز ومؤسسة.

طبعا هذا لم يحدث بعد كارثة المرفأ وبيروت. بل بقيت الجهود في الساعات وربما الأيام الأولى التالية للانفجار، مشتتة ومنفصلة بين كل وحدة من مكونات هذه اللجنة برئاسة اللواء محمد خير. وظلت مستقلة عن غرف العمليات لكل من الجيش وقوى الأمن الداخلي والدفاع المدني والصليب الأحمر، حتى بعد الاجتماع مع الوزيرة عكر.

لم تشكل اللجنة أي غرفة عمليات، مع أن مهمة الغرفة المشتركة بين الأطراف المعنية، يمكن يؤدي دوراً أساسياً في جمع المعلومات حول حجم الأضرار البشرية والمادية، وحتى الطبيعية والبيئية التي خلفها الانفجار، وتوثيقها بدقة، لرفعها في تقرير مفصل إلى السلطة التنفيذية، التي عليها اتخاذ القرارات السريعة بناءً عليها. 

مصلحة الأبحاث الزراعية
وكان لافتاً البيان الذي صدر عن مصلحة الأبحاث العلمية الزراعية، والذي كشف تقصير اللجنة الفاضح في استنفار قدرات الوزارات والإدارات الرسمية، وتنسيق جهودها للخروج من النكبة بلا أضرار إضافية.

وأضاءت مصلحة الأبحاث على هذا الغياب، فأعلن رئيسها ميشال أفرام الاستقالة من مهماته باللجنة العليا لإدارة الكوارث. وحسب بيانه "قررت الاستقالة من اللجنة لغيابها التام عن اتخاذ إجراءات قبل انفجار مرفأ بيروت وبعده". وهذا ما خلف قناعة بأن اللجنة "لا لزوم لها"، لأنها لا تقوم بأي مهمة خلال الكارثة.

لم تدع مصلحة الأبحاث إلى اجتماع السرايا الحكومية مع الوزيرة عكر. فيما تعتبر مسؤوليات هذه المؤسسة الحكومية المستقلة أساسية، وخصوصا لو أن لجنة الكوارث تحركت استباقيا تجاه المواد التي كانت مخزنة في المرفأ، لتأكيد خطورتها بالدليل العلمي، وتلافي الكارثة قبل وقوعها.

ومصلحة الأبحاث، كما يؤكد أفرام، تملك إمكانات تحديد حجم هذه الخطورة، وكان يجب عند إنزال الحمولة المشبوهة على أرض المرفأ فحص عينات منها في مختبراتها، للتأكد من كميات الأزوت التي لا يجب أن تتخطى نسبة 3 في المئة، حسب مواصفات الجيش اللبناني.

أضرار بيئية وزراعية
وبدلا من ذلك فوجئت المصلحة بأن هناك من جاء ليتحدث عن حاجتها إلى مختبرات وتمويل في ما يتعلق بالمعابر الحدودية. مع أن مصلحة الأبحاث كانت قد أقرت في سياستها منذ ست سنوات، إنشاء مختبرات بأقل كلفة في مرفأ بيروت والمطار ومعبري المصنع والعبدة الحدوديين. وقد وافقت مجالس الوزراء المتعاقبة على ذلك، ولكن لم يتخذ أي إجراء عملي في الأمر.

ليس هذا ما أخرج المصلحة عن صمتها. فعلى رغم بذلها الجهود الفردية في دراسة مؤشرات تجهيزات "الإنذرا المبكر" التي لديها،  لإطلاق تحذيراتها من تداعيات الكارثة التي حلت على البيئة وعلى الزراعة، يشير أفرام إلى أن هذه المهمة كان يجب أن تنفذ من خلال لجنة الكوارث. وبذلك ربما كانت ستساهم بشكل أكبر في الحد من مخاوف المواطنين التي أعقبت الانفجار.

فالمادة التي انتشرت في أجواء بيروت ولبنان فور وقوع الانفجار، ولدت مخاوف عديدة من إمكان اختلاطها بالأمطار التي هطلت بعد ساعات على الانفجار، وبالتالي من تأثيرات ذلك على صحة التربة والمزروعات والمياه الجوفية. ومع ذلك لم تتمكن المصلحة من الوصول الى تطمينات علمية دقيقة، إلا في ما يتعلق بمدى بقاء كمية الغبار والمواد السامة التي نجمت عن الانفجار في الهواء، والتي يقول أفرام أن سرعة الرياح ساهمت بتفكيكها، إضافة الى ما يتعلق بمعلومات حول خلو المزروعات البعيدة من تأثيراتها. وآثرت مصلحة الأبحاث نشر هذه التطمينات على مسؤوليتها، بعدما لاحظت تقاعس لجنة الكوارث عن دورها.

وقامت المصلحة بتحاليل على عينات من اللحوم التي جمعتها وزارة الزراعة من أحد عنابر المرفأ، للتأكد من مدى صلاحيتها للاستخدام. وقد تبين أنها لم تصب بأي أذى.

ولكن عمل المصلحة لا يكتمل من خارج لجنة الكوارث، التي كان يفترض أن تسهّل مهمتها في أخذ عينات إضافية من تربة موقع الانفجار لتحديد وجود بقايا نيترات الأمونيوم والصوديوم أو النيترات فيها. أو حتى لتحليل الترسبات في كميات القمح التي تناثرت خارج إهراءاتها، إضافة إلى فحص عينات من الغبار المنتشر على السيارات والمنازل والشرفات التي طالها الانفجار، لمعرفة دائرة انتشار هذه المواد السامة في المحيط القريب والبعيد، وبالتالي نشر التوعية حول تدارك مخاطره على الناس.

ولكن هذا لم يحصل، كما أكد أفرام لـ "المدن"، مشيراً إلى أن جهود المصلحة ظلت محصورة ضمن هامش حرية الحركة المسموح به في مسرح كارثة المرفأ. مثلها مثل باقي مكونات لجنة الكوارث.

لجان ولدت ميتة
فهل ما كشفه أفرام مجرد استبعاد لمصلحة الأبحاث، على رغم دورها الأساسي في لجنة الكوارث، أم هو يعكس تخبطاً رسمياً في التصرف مع واحدة من أكبر مآسي العصر التي حلت بلبنان؟

حتى اليوم، لم تتمكن جهة رسمية من تحديد حصيلة نهائية لعدد الجرحى وحالاتهم، وجمع هؤلاء في تقرير واحد مع أعداد الوفيات النهائي، في ظل التضارب في أعداد المفقودين. وإذا كان البعض يتوقع أن حضور غرفة عمليات الجيش المستحدثة خلال أيام لتحديد حصيلة النفقودين النهائية، فإن الحصيلة أعداد القتلى والجرحى تبقى في عهدة وزارة الصحة.

وبعد ذلك يفترض أن تتركز الجهود على عملية التأهيل وإعادة الإعمار. وهنا تحديدا تظهر جدية التعاطي بمسؤولية مع حجم الأضرار المادية التي خلفها الانفجار، سواء في المرفأ أو في دائرة أحياء بيروت التي عصف بها. ويفترض أن تشكل لجنة الطوارئ، بما تضمه من أصحاب اختصاصات في الدولة ومؤسساتها، هيئة التنسيق بينها، فتؤمن تدخلا يرتقي إلى حجم المأساة، لوضع الدراسات والإحصاءات بالمنازل والأبنية والمؤسسات والمواقع والمعالم المتضررة، وتحديد حجم أضرارها، وتحضير جدول زمني لإعادة العاصمة بيروت إلى ما كانت عليه. وإلا تكون هذه اللجنة قد دفنت في الحفرة الكبيرة التي خلفها الانفجار، لتنضم قبل توليها أي مهمة، إلى مقبرة مثيلاتها من اللجان التي ولدت ميتة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها