آخر تحديث:14:46(بيروت)
الثلاثاء 07/07/2020
share

عام مظلم ينتظر "الجامعة اللبنانية": بلا مقاعد ولا قرطاسية

وليد حسين | الثلاثاء 07/07/2020
شارك المقال :
عام مظلم ينتظر "الجامعة اللبنانية": بلا مقاعد ولا قرطاسية ميزانية الجامعة تراجعت بأكثر من خمسة أضعاف (الأرشيف، مصطفى جمال الدين)
عام مظلم لطلاب الجامعة اللبنانية بدأ يلوح في الأفق. 
عام مظلم ليس بسبب انقطاع التيار الكهربائي، وفقدان مادة المازوت من بعض فروع الجامعة اللبنانية، ما يحول دون قدرتها على تصريف أعمالها اليومية، وحتى طباعة أسئلة الامتحانات.. بل بفعل ما تنتظره من تدفق ألوف الطلاب عليها من الجامعات الخاصة. وهؤلاء  لن يجدوا في الجامعة اللبنانية لا مقاعد ولا قرطاسية. فهذه مسعرة بالدولار، وميزانية الجامعة سويت بالأرض، بعد ارتفاع سعر الصرف.

إعلان تعميم خاص
يقول رئيس الهيئة التنفيذية لرابطة الأساتذة المتفرغين في ​الجامعة اللبنانية​ الدكتور ​يوسف ضاهر لـ"المدن"، إن ما خرج إلى العلن في ما يتعلق بوضع كلية الهندسة الفرع الثالث، ما كان يجب خروجه. فتعميم مدير الكلية المذكورة يحيى ضو، الذي طلب من الأساتذة تحضير الامتحانات للطلاب على ورقة واحدة، والاقتصاد في الأوراق، وتحمل الأساتذة نفقاتها، هو تدبير داخلي اضطراري فرضته الكارثة الحقيقية التي تعيشها الجامعة. 

وأساتذة الجامعة يلجأون إلى هذه الحيل للاستمرار. فالمصاريف التشغيلية للجامعة خاضعة لسعر صرف الدولار في السوق، سواء لناحية تأمين كراسات الامتحانات أو الطباعة أو مادة المازوت للمولدات، وحتى أعمال الصيانة. هذا في وقت باتت ميزانية الجامعة كلها توازي نحو 40 مليون دولاراً، بعدما كانت على سعر الصرف القديم توازي نحو 280 مليون دولار (400 مليار ليرة ميزانية الجامعة السنوية). 

صروح الهدر
وليس عمداء الجامعة من يسألون عن هذا التعميم أو سواه من تعاميم التقشف، رغم كل المحاصصة والزبائنية والمحسوبيات في التوظيفات، التي تتسم بها إدارات الدولة بشكل عام، بل يجب تُسأل عن ذلك السلطة السياسية التي أفقرت البلد، ورمته على قارعة الفقر والجوع، وحولت تعليمه الرسمي صروحاً للهدر والتنفيعات. 

ولا تُسأل بعض الكليات التي لجأت إلى انتشال أوراق من سلال المهملات، وطبعها أسئلة الامتحانات على الجهة غير المستعملة من تلك الأوراق، أو حتى الطلب من الأساتذة تصوير أسئلة الامتحانات في بيوتهم، لتوفير ما تبقى من حبر في آلات الطباعة في الجامعة. فالجامعة تتعامل مع واقع فرض نفسه عليها بفعل الإهمال المديد. والأساتذة يقومون بمثل هذه الأعمال سراً كي لا تنكشف المأساة التي تعيشها الجامعة. 

وهم حريصون على سمعة جامعتهم الوطنية أكثر من السلطة، التي أفقرتها وأفقرت أساتذتها. ويفضلون القتال باللحم الحي، وعدم إظهار حال الفقر الذي بات يهدد جامعتهم إلى العلانية العامة.  

اهتراء مديد
لكن التعميم المذكور خرج إلى العلن، فكشف عن جزء بسيط من الواقع الذي تعيشه الجامعة وما ينتظرها في العام المقبل، كما يقول ضاهر. فالسلطة أهملت الجامعة طوال العقود الماضية. وحاولت إلقاء مسؤولية تراجعها على الأساتذة والإدارات. ورغم أن الأخيرة تتحمل جزءاً من المسؤولية، إلا أن أهل السلطة يكرهون الجامعة. وقاموا بتهميشها بشكل مستمر، حتى وصلت الأمور إلى زمن لم يعد يجد فيه الأستاذ كراسات لإجراء الامتحانات، وفق ضاهر. 

عدد الطلاب الحالي في الجامعة يصل إلى نحو 82 ألف طالب. وعدد أساتذة الملاك نحو 700 أستاذ من أصل نحو ست آلاف أستاذ. ومن المتوقع قدوم عشرات ألوف الطلاب هذا العام، بعدما بات معظم اللبنانيين مصابين بالفقر. وبمعزل عن هذا المعطى، تعاني الجامعة في الأساس من اهتراء مديد في ميزانيتها أوصلها إلى الوضع الحالي. وكشف ارتفاع سعر صرف الدولار عورتها. أما وزراء التربية المتعاقبين فكانوا يردوا على مطالب رفع الميزانية، أنها كافية ووافية. لكن كان عندهم الجرأة لتخصيص 500 مليار ليرة للمدارس، منها 350 ملياراً للمدارس الخاصة. ولم يلحظوا للجامعة أي قرش، رغم علمهم بأن آلاف الطلاب سيهجرون الجامعات الخاصة إلى اللبنانية، بعدما تآكلت رواتب اللبنانيين وسويت بالأرض. 

وهنا يسأل ضاهر: إلا يحتاج هؤلاء لقاعات إضافية وطاولات للدراسة؟ ألا يحتاجون إلى أعداد إضافية من الأساتذة، وقرطاسية وغيرها من الأمور؟ 

جيش المتعاقدين
ها هي الجامعة تتعثر عند أول استحقاق. وبات الطلاب مهددين حتى بكراسات امتحاناتهم. بينما كان يكفي ربما زيادة عشر مليارات على ميزانية الجامعة لتنقذها من الحرج الحالي الذي تسببت به المصاريف الإجرائية. أما الأساتذة المتعاقدين فباتوا في وضع مزر. فهم فقدوا الأمل من إمكانية تفرغهم، وبات البدل الذي يتقاضونه في السنة يوازي نحو ألف دولار، وربما يصبح أقل في حال ارتفع سعر صرف الدولار أكثر. فساعة التعليم باتت توازي نحو ست دولارات. ولا يحق للأستاذ تعليم أكثر من مئتي ساعة بالسنة، أو ثلاثمئة في حالات معينة. علماً أن وزارة المالية لا تفرج عن هذه المخصصات إلا مرة كل سنتين. 

ميزانية الجامعة تراجعت بأكثر من خمسة أضعاف على سعر صرف السوق، وباتت حالياً نحو 40 مليون دولار. والآتي أعظم. وهو رقم يوازي أصغر تهرب ضريبي أو تهرب جمركي من شركة واحدة، وفق ضاهر. ويضيف، بعض المدراء بدأوا يشتكون من فقدان مادة المازوت، ما يعني عدم وجود كهرباء والانترنت وتصوير وتشغيل الكومبيوترات. والصيانة بات مفقودة في أكثر من فرع، بسبب عدم التجديد للشركات المتعاقدة كما هو الحال في مجمع الشمال. 

لكن السلطة لا تنظر لا إلى البشر ولا إلى الحجر. تريد إعادة اللبنانيين إلى زمن من لديه المال يتعلم في الجامعات الخاصة، ومن ليس لديه المال لا يستطيع تحصيل العلم في الجامعة اللبنانية. تريد للبنانيين العودة إلى زمن أحمد الأسعد الذي كان يرد على طلب أهالي الجنوب بناء مدارس: "شو بدكم بالمدارس ما أنا عم علملكم كامل"، كما يقول ضاهر متحسراً على جامعته. 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها