آخر تحديث:15:16(بيروت)
الثلاثاء 28/07/2020
share

جرائم طرابلس: من يوزّع السلاح والمخدرات على البؤساء؟

جنى الدهيبي | الثلاثاء 28/07/2020
شارك المقال :
جرائم طرابلس: من يوزّع السلاح والمخدرات على البؤساء؟ "جهات" مختلفة نشطت على نطاق واسع في المدة الأخيرة بعمليات شراء السلاح وتوزيعه (علي علّوش)
لم تمضِ 24 ساعة في طرابلس، بين يومي السبت والأحد 25 و26 تموز الفائتين، إلّا وسقط 3 قتلى بحادثتين منفصلتين في باب التبانة وساحة التل، وإلقاء قنبلة صوتية ليل الأحد على مخفر الدرك في أبي سمراء.

قتل ما قبل الأعياد
اهتزاز الأمن شمالًا صار طقسًا موسميًا من طقوس ما قبل الأعياد. لكن ماذا خلف هذه الحوادث التي تجري "لفلفتها" على قاعدة أنّها فردية؟  

في ساحة التلّ، سقط يوم الأحد 26 تموز، برصاص مجهول شابٌ على متن دراجة نارية. وقيل إنه من تبعات إشكال فردي. وما لبث الضحية أن فارق الحياة قبل وصوله إلى المستشفى.

أمّا الحادثة المروّعة، فجرت يوم السبت 26 تموز، في أحد أزقة باب التبانة، وسقط فيها ضحيتان قتل كل منها الآخر: أحدهما خمسيني يُدعى أبو فادي العرعور، والثاني شاب عشريني يدعى محمد شما.  

حادثة باب التبانة، وإن بدت فردية في شكلها، لكنها في الأصل "عامة"، وتخفي حكاية منطقة لا تزال رهينة أجندات السياسة وأجهزة الأمن.

جيش كثيف بلا أمن
فيوم الاثنين 27 تموز، جالت "المدن" في المنطقة، فبدت كأنها تقضي يومياتها البائسة بالتعايش مع هدر الدماء والسلاح المتفلت والمخدرات المتفشية بين شبابها العاطلين عن العمل و"الحياة" أيضًا.  

ثمّة معادلة شديدة التناقض في باب التبانة: إنّها منطقة تخضع لقبضة الأمن وتخرج عن منطق الدولة في آنٍ معًا. بين كلّ حيّ وآخر، وحتى داخل الحيّ الواحد، تنتشر عشرات من ملالات الجيش في نقاط مختلفة، ويتوزع المئات من العناصر العسكرية، ذهابًا وإيابًا ووقوفًا، وكأنهم أُفرزوا لمهمة ضبط إيقاع المنطقة، من دون أن يقدروا على ضبطه في ظل شيوع السلاح غير المرخص. وفي كلّ ليلة تتكاثر أوكار ترويج المخدرات وتعاطيها، التي يشتريها شبان باب التبانة بأبخس الأثمان.

لذا، أدقّ ما يمكن وصف الحضور الأمني في باب التبانة ومحيطها، بأنه "مسرحية" تخفي في كواليسها كثيرًا من الأجندات المشبوهة التي تلعب بمصير أهلها المنبوذين والمضطهدين، من دولتهم وأحزابهم وأجهزتهم وجميع "كبارهم".  

بسطات "مندوبي الدولة"    
ويكشف رجلان من باب التبانة لـ"المدن"، وهما من شهود العيان، تفاصيل الحادث المروّع الذي أودى بحياة العرعور وشما، اللذين سقطا أرضًا في مسافة ضيقة متقابلة، وهما يتبادلان إطلاق النار.  

مصطلح "مندوب الدولة"، الذي تداوله الشاهدان وغيرهما من أهالي المنطقة، يستخدمه أهالي باب التبانة لكل من يعتقدون بتواطئه في العمل "مخبرًا" لدى أحد فروع الأجهزة الأمنية.  

المشكلة الرئيسة على خلفية حادث السبت، كانت بين العرعور ورجل من آل الأسمر. والعرعور الذي كان يمللك 4 بسطات يعمل عليها ويقوم بتأجيرها، كان يتهمه كثيرون بالعمل "مندوباً للدولة". وقبل أيام نفذت القوى الأمنية قرارًا بإزالة عدد كبيرٍ من البسطات في التبانة ومحيطها من منطقة نهر أبو علي، من دون أن يقترب أحد من بسطات العرعور. وبعد أيام، حاول الأسمر وضع بسطةٍ له في المنطقة، لكن سرعان ما أزالتها الأجهزة الأمنية. اشتاظ الأسمر غضبًا، واتهم العرعور بأنه هو من قام بالتواصل مع الأجهزة الأمنية لإزالة بسطته من دون أن يقترب أحد من بسطاته، ووصفه بـ "مندوب الدولة".  

لم يحتمل ابن العرعور هذا الوصف لوالده، وهو شاب عشريني، فأطلق النار على ساقي الأسمر الذي لا يزال مكبلًا في المستشفى. وأراد أشقاء الأسمرالثأر لأخيهم، فتوجهوا إلى بسطات العرعور وقاموا بتحطيمها وإحراقها، واشتبك شبان من العائلتين ليل الجمعة بالبنادق الحربية، من دون أن يسقط جرحى.  

مشهد القتل المروع
ويوم السبت، قرر العرعور الأبّ أن يثأر لنفسه، فاتهم محمد شما بتحريض آل الأسمر عليه. وبحسب الشاهدين، فإنّ الشاب شما يتيم الأب، وكان يلعب دور "قبضاي المنطقة"، ويعيش في ظروف صعبة جدًا اقتصادياً وعائلياً، لكنه كان يدافع عن كل من يعتبره مظلومًا ويأتي إليه طالباً النجدة. وهو مطلوب للأجهزة الأمنية. ونفى شما علاقته بالنزاع بين العرعور – الأسمر. لكن بعد احتدام التلاسن بينه وبين العرعور، شهر كل منهما السلاح على الآخر، وراحا يتبادلان إطلاق النار، حتى سقطا أرضًا صريعين.  

في اليوم التالي، أثناء تشييع الجثتين في وقتين مختلفين، انتشرت قطع السلاح بالمئات في باب التبانة، وكاد إطلاق الرصاص يثقب السماء، مع استمرار الخشية من أن تستأنف العائلتان تبادل الثأر.  

من يشتري السلاح ويوزعه؟!
هذه "الجريمة" وغيرها من الحوادث الدامية، تطرح سؤالًا جوهريًا عن دور الوجود الأمني في باب التبانة ومحيطها. وحسب معلومات خاصة بـ"المدن"، فإنّ كل بيت في باب التبانة لا يخلو من قطعة سلاحٍ وأكثر، وأنّ معظم حاملي السلاح غير المرخص، ينسقون مع مجموعات في المنطقة، تحوم علامات استفهام حول علاقاتها "الأمنية" التي تضمن مهمة تحركيها وتأمين الغطاء لها. وتفيد المعلومات أن "جهات" مختلفة نشطت على نطاق واسع في المدة الأخيرة بعمليات شراء السلاح وتوزيعه، رغم غلاء سعره. وأن بعض "العاطلين عن العمل"، قد يدفع الواحد منهم ثمن البندقية 4 ملايين ليرة لبنانية.  

ولدى سؤال بعض حاملي السلاح عن دافعهم لشرائه، يكون الجواب واحدًا: "حقنا المشروع في الدفاع عن النفس وحماية عائلاتنا، لأن الدولة لا تحمينا". وفي الواقع قد يكون صعبًا استئناف سيناريو معارك جبل محسن - باب التبانة، لعدم وجود النية لدى أبناء المنطقتين، بعد أن أدركوا أنهم كانوا ضحايا أجندات السياسة والأمن في تلك المرحلة الشنيعة من تاريخهما المشترك.  

لكن انتشار السلاح غير المرخص، في هذا الوقت الدقيق، يطرح سؤالًا جوهريًا حول وضع طرابلس عمومًا ومناطقها المهمشة خاصة: فهل تكون "صندوق بريد" جديداً على حساب فقراء أهلها وحاجاتهم؟ وما هو مضمون "الأجندة" الجديدة؟  


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها