آخر تحديث:00:01(بيروت)
الأحد 26/07/2020
share

الرحابنة والفلسطينيون.. وستينات الدبكة في حارة حريك

محمد أبي سمرا | الأحد 26/07/2020
شارك المقال :
الرحابنة والفلسطينيون.. وستينات الدبكة في حارة حريك ولد أطفال حارة حريك المسيحيين، نشأوا وشبوا على كراهية الأولاد الفلسطينيين (Getty)
في روايته سيرته مقيماً بين أهله في حيّ آل المقداد العشائري بطرف حارة حريك، روى رستم المقداد (ولد في ذاك الحي سنة 1944)، أنه وأمثاله من أبناء جيله، افتُتِنوا بنمط حياة سكان جيرانهم المسيحيين الريفي، الهادئ والجميل، المختلف عن نمط الحياة الفوضوي في حيّه العشائري.

أنا اليُتْم والأنا العشائرية
لكن شغف رستم، لم يحمله على استدخال مشاهد حياة المسيحيين الهانئة الرخيّة في نفسه ووجدانه، ولا على التماهي بها وجعلها مثالاً شخصياً وفردياً يستلهمه في حياته الخاصة والعامة. وهو لم يستدخل أيضاً "متحف البراءة الريفي" الذي ألّفه الأخوان رحباني وسمع فيروز تغني صوره بصوتها التُّحفة أو المتحفيّ.

فرستم المقداد نشأت أناه الذاتية أهلية وعشائرية وعضويّة في الحي العشائري. وهو على خلاف جيل من شبان "أحزمة البؤس" الأهلي الجماهيري الجنوبيين، الذين رماهم نداء المدينة مع أهلهم في أحياء ضاحية بيروت الجنوبية في الستينات والسبعينات من القرن العشرين، فتكوّنت أنواتهم الذاتية وشخصياتهم يتيمة خاوية، قلقة ومنقطعة عن أهلهم وثقافتهم ونمط عيشهم، بسبب الهجرة المستجدة وإقبال ذلك الجيل الواسع على التعليم، وتلقفه صور الحياة المدينية على نحو ذاتي، غائم وخلّبيّ. 

الواقع والفولكلور
ومن روايات رستم المقداد عن هذه العلاقة المضطربة بين مسيحيي حارة حريك ومسلميها الشيعة، واتخاذ ذلك الاضطراب طابعًا أهليًا فولكلوريًا، أن المدعوة حَسْنة عمّار - زوجة يوسف عمار، الشيعي الشمعوني الهوى والولاء، وأحد أعيان آل عمار في قرى الساحل - وقفتْ على شرفة منزلها في حارة حريك، مزغردة فرحة بفوز كميل شمعون برئاسة الجمهورية اللبنانية سنة 1952. حدث ذلك بُعيدَ إجبار الرئيس بشارة الخوري على الاستقالة من الرئاسة، عقب ما سمي "ثورة بيضاء" على عهده الرئاسي المجدّد له، وانتخاب شمعون، أحد أقطاب تلك "الثورة"، رئيسًا جديدًا للجمهورية. وعندما سمعت الزغردةَ الفرحة شقيقةُ جريس الطيار - الثري المسيحي وصاحب الأملاك في حارة حريك، والمفتاح الانتخابي للشيخ الرئيس بشارة الخوري وكتلته النيابية الدستورية - خرجت إلى شرفة منزلها، على مدخل حي المقداد، وقالت لجارتها الشيعية: حسْنة، حسْنة، لشو (لماذا) عَمْ (شرعت) تزلغطي (تزغردين)، لشو يا حسنة؟! راح بشارة وإجا (جاء) كميل، مش (ليس) محمد أو محمود أو حسن أو حسين.

لكن، بعد أقل من سنوات عشر على تلك المناكفة أو المكايدة الشعبية بين المرأتين، تشابكت أيدي شبان وشابات من الطوائف اللبنانية (كان بينهم/بينهنّ كثرة من حارة حريك وبرج البراجنة والمريجة والشياح وعين الرمانة وفرن الشباك...)، فتعارفوا في حلقات الدبكة الفولكلورية، على إيقاع أغنية شعبية لصباح شاعت على نطاق واسع: "مرحبتين مرحبتين/وينن (أين هم) هالدبيكي وين/وين معروف (الدرزي) وين محمود (السني)/وين الياس (المسيحي) وين حسين؟ (الشيعي). جينا يا دار الأحباب/طاب الملقى فيكِ طاب/اللبناني ما بيغلق باب/ بابه مشرّع عالميلين".

استلهمت هذه الأغنية "المصالحة الطائفية" والاجتماعية التي أطلقها عهد فؤاد شهاب الرئاسي (1958 - 1964)، عقب حوادث 1958 الطائفية الدامية في نهاية عهد كميل شمعون، الذي شاءت "الأقدار السياسية" العروبية واللبنانية والدولية أن ينتهي عهده بما سمي "ثورة" العروبين المسلمين على العداء الشمعوني المسيحي للعروبة الناصرية الوحدوية. أما الأدبيات السياسية اللبنانية الرسمية، المدرسية والشعبية السائدة، فسمّت تلك الحوادث "فتنة" طائفية، داعية إلى "وأدِها" و"نبذ الفرقة"، و"لمِّ الشمل والتآخي" و"الوحدة الوطنية".

صبايا الدبكة وشبانها
أما تشابك أيدي الصبايا والشبان، فكان باعثُه وداعيه توسُّع التعليم بين أبناء جيل شاب من مسلمي ضواحي بيروت، ومخالطتهم مسيحيين في فرق الدبكة التي نشأت بكثافة مع ازدهار صناعة الفنون الفولكلورية، ورواج عروضها على نطاق شعبي في مناطق لبنانية كثيرة في مطلع الستينات.

وفي الستينات اللبنانية و"زهوها" الاجتماعي والثقافي "الجميل"، ازدهرت صناعةُ الفن الفولكلوري. وشكلت وجهًا بارزًا من وجوه ذلك الزهو والجمال، إبان استقرار اجتماعي سياسي نسبي عاشه لبنان حتى نهايات ذلك العقد. هذا فيما استمر اللبنانيون على عاداتهم في تحويل التاريخ وحوادثه ومآسيه حكايات فولكلورية لردم محطاته الدامية، محولين الصراعات الاجتماعية والسياسية نكاياتٍ وعداواتٍ ومصالحات، على غرار تكايد امرأتي حارة حريك من على شرفتي منزليهما، وعلى غرار أغنية صباح الفولكلورية.

صبايا الدبكة كنّ في معظمهن مسيحيات، ومن فئات أعلى مرتبةً اجتماعية من شبان الدبكة المسيحيين والمسلمين الذين كان بينهم شيعة. وربما كانوا في معظمهم من الشيعة والمسيحيين. وكان معظمهم، صبايا وشبانًا، من طلاب دار المعلمين والمعملات للتربية الرياضية في بيروت.

لكن خطوات وتصاميم "رقصات" الدبكة، الخالية من خفة الرقص، والمستغرقة في خبطات الأقدام الرجولية الثقيلة كحركة الأجسام المنتصبة انتصابًا شبه خشبي على المسارح، كانت تنطوي على ذلك العنف المستمد من تقاليد الاعتداد الريفي الجبلي بالرجولة وقوتها البدنية: "خبطة قدمكن (قدمكم) عالأرض هدارة/ أنتو (انتم) الأحبة وإلكن (لكم) الصدارة"، غنت فيروز في المسرحية الغنائية الرحبانية "فخر الدين"، على مسرح مهرجانات بعلبك "الدولية" في الحقبة نفسها. والأغنية هذه تخاطب الأمير فخر الدين المعني الكبير في المسرحية التي تستعرض "بطولاته الوطنية اللبنانية" وتتغنى بها، قبل قرون من وجود لبنان.

كراهية الفلسطينيين
وعندما غنت كلّ من صباح وفيروز أغنيتيهما الشهيرتين، لم يكن عبدو دكاش (ابن أكبر عائلات حارة حريك وأقدمها توطنًا فيها) قد تجاوز السنة الأولى من عمره. وهو روى في منزلٍ بضاحية الحدث هُجّرت إليه عائلته من الحارة في أواسط الثمانينات، أنه في طفولته وفتوته بحارة حريك، مع كثرة من أطفالها وفتيانها (المسيحيين طبعاً)، كانوا قبل سنوات قليلة من بدء الحرب الأهلية في لبنان سنة 1975، في حال عداوة موروثة وعراك مع أمثالهم الفلسطينيين في مخيم برج البراجنة المجاور: "لقد ولدنا ونشأنا على كراهية غريزية للأولاد الفلسطينيين، كأننا رضعناها مع حليب أمهاتنا. وبعدما تصلّب عودنا قليلًا، وصرنا نخرج من بيوتنا لنلعب ونطيّر طياراتٍ ورقية من على تلال رملية مقابلة لمخيمهم، رحنا نقذفهم بحصى النقيفات التي نحملها لنصيد بها العصافير. هم لم يكونوا يطيرّون طيارات ورقية. لكنهم، على الرغم من احتقارنا إياهم، كانوا أشداء في العراك الذي ينشب بيننا وبينهم"، قال عبدو مستعيدًا ذكريات طفولته وفتوته.

وفيما كنت أستمع إليه آنذاك، والآن فيما أكتب هذه السطور - أنا صاحب الوعي اللبناني المعذب والشقي، المستريب من صور الحنين الجميل والبريء في الفنون الفولكلورية - شطح بي الخيال فجأة إلى صور من أغنية فيروز الرحبانية: "طيري يا طيارة طيري/ يا ورق وخيطان/ بدّي (أريد) إرجع بنت زغيري (صغيرة) على سطح الجيران".

لكنني، على الرغم من ريبتي وشقاء وعيي، لا أكذّب تلك الصور، ولا أسخر منها على طريقة زياد الرحباني الفجّة والبدائية في مذهبه المستمد من الواقعية الاشتراكية الستالينية المغرم بها الرحباني الإبن، انتقامًا أوديبيًا من مخيلة أهله "الإيجابية"، تلك التي صنع ضدها وفي معاكستها فولكلورًا كلاميًا سلبيًا - على الرغم من خفّته الساخرة - يظل ثقيلًا طافحًا بسماجة لزجة، تستمد "شرعيتها" من دلعه باعتباره ابنًا لـ"سفيرة لبنان إلى النجوم" وزوجها عاصي الرحباني. وصارت كلمات سخريته الثقيلة السَّمِجة من أهله ومن التراث الفولكلوري الذي صنعوه للبنان، لغةً يرددها ويعلكها جيل يساري لبناني فتّي، غالبًا ما ورث يساريته عن أهله في سني حروب لبنان الأهلية.

أما استعادتي صور طيارات الورق في الأغنية الفيروزية، فأظن أنها تفتح للحنين نافذةً أطل منها، لأتأكد كم هي مضاعفةٌ مرارةُ ومأساويةُ وقائع العيش الحي وحوادث التاريخ التفصيلية الصغيرة والكبيرة، ولأتساءل: أين هم الآن، في أي ديار وبلاد، وكم آلمتهم وقائع العيش والتاريخ، أولئك الصبايا والشبان الذين رأيتهم يدبكون متشابكي الأيدي على إيقاعات تلك الأغاني، على مسارح مدارس ونوادي في حارة حريك وعين الرمانة وفرن الشباك في مطالع سبعينات القرن العشرين؟! أين هم وهنَّ، ماذا حلَّ بهم وبهنّ، وماذا بقي من طموحاتهم وأحلامهم ونشاطاتهم، تلك التي جعلت كثرة منهم "راقصين" في "الفرقة الشعبية اللبنانية" التي طُبع اسمها هذا، إلى جانب فيروز والأخوين رحباني، على بطاقات حضور العروض المسرحية الرحبانية في بعلبك وقصر البيكاديللي في شارع الحمراء؟!

وهي البطاقات إياها التي فقدتُ مرة واحدة منها أثناء مشاركتي في تظاهرة طالبية طيّارة في وسط بيروت مطالع السبعينات. لكنني تجاسرتُ وذهبتُ مساءً إلى البيكاديللي، ووقفت قلقًا حائرًا على مدخلها، فصادفت منصور الرحباني يمرُّ، فاستوقفته وقلت له خائفًا منكسرًا إنني أضعتُ بطاقتي في التظاهرة، فأمسك يدي مبتسمًا، وأدخلني إلى الصالة، فأمضيتُ فيها ساعتين مسحورًا، كما في أحلام يقظة سعيدة، حزنُها آسرٌ مطهرٌ من مرارة الوقائع والتاريخ. 

مسيحي شيوعي ينقذ مسلمًا
وروى عبدو دكاش، الذي شاء قدره الاجتماعي أن يكره الفلسطينيين، أنه انصرف في شبابه إلى هوايته: العزف على الطبلة، فاحترفه وأخذ يداوم عليه مرافقًا المغنية سامية كنعان في حفلاتها الغنائية بمرابع بيروت الليلية، وفي بلدات الاصطياف. وفجأة قالت أمه: "سامية كنعان من عنا، من حارة حريك"، فرحة متباهية بابنها، وبأن المغنية المشهورة آنذاك من الحارة التي تباهت بانتسابها إليها. فأم عبدو جاءت من مسقطها وموطنها الأول، قرية عين إبل المسيحية في أقصى الجنوب اللبناني، لتعقد قرانها على شاب من آل دكاش في الضيعة الساحلية، فتكلّلت عروسًا له سنة 1954 في كنيسة حارة حريك. أعجبها نمط العيش "الجميل" في الضيعة الساحلية، مقارنة بذلك الذي خبرته في قريتها الجنوبية الحدودية.

وفجأة قاطعها ابنها مستدركًا كراهيته وعداوته الطفليتين الغريزيتين للأطفال الفلسطينيين، فاستعاد دفعة جديدة من حوادثهما، ظانًا أنها تعارض الأولى، فقال: "كان شبان ورجال ونساء كثيرون من آباء الأولاد الفلسطينيين وأمهاتهم وإخوتهم الكبار، يشتغلون في أرضنا وحدائقنا وبيوتنا، وتقوم علاقات يومية بينهم وبين أهلنا". لكن نسيب سعادة - ولد في الحارة سنة 1952، ونشأ في عائلة توطنت منذ بدايات القرن العشرين في ناحية من سقيها سُمّيت صفير. وهذه كنية عائلةٍ من قدامى المتوطنين في السقي، شأن آل الأبيض - نسب كراهية الفلسطينيين إلى حساسية أهلية مسيحية عامة لابست إقامة مخيمهم على حدود الضيعة: "كان أهلنا - قال نسيب - يحرّضوننا لنضرب أولادهم بالأحذية (كناية معنوية عن العنف الممزوج بالاحتقار)، كلما صادفنا ولدًا منهم في مكان، ولو في بستان يقطف منه نبات الحميض البري الداشر، ليأكله. وحين كانت سحنة ولد أو خلقته تنبئ بأنه قد لا يكون من الحارة، كنا نوقفه ونستنطقه صارخين في وجهه: شو (ما هو) إسمك ولاه؟ فاذا أوحى إسمه ولهجته بأنه فلسطيني، كنا نبادر فورًا إلى الاعتداء عليه، فنضربه ونسحقه. وحدهم أولاد أبو نادر الفلسطينيون (والدهم صاحب طنبر: عربة يجرها حصان لنقل الخضر) كنا نصاحبهم، لأنهم مسيحيون".

وفجأة تذكر نسيب مشهدًا يعود إلى حوادث 1958 الطائفية، استحضرته ذكرى كراهيته الطفليّة الفلسطينيين: "كان والدي جالسًا على كرسيّ صغيرة من قش أمام بيتنا وسط البستان: جريدة النداء (صحيفة الحزب الشيوعي اللبناني) ومسدسه ظاهران في جيبي بنطلونه الخلفيتين. فظهر في طرف البستان رجل يركض في اتجاه بيتنا صارخًا مستجيرًا: دخيلكم بدن يقتلوني! (يريدون قتلي)، وظهر خلف الرجل (في العقد الخامس من عمره، فمه خال من الأسنان تقريبًا) شبان سبعة أو ثمانية يحملون بنادق صيد. ولمّا قال الرجل المطارَد لاهثًا إن اسمه أبو محمد، ويعمل بائع مكانس جوّال، والشبان الراكضون خلفه يريدون قتله لأنه مسلم، استل والدي مسدسه ودسه في طيّات الجريدة. أوقفه والدي خلفه، وشهر مسدسه في وجه شبان بنادق الصيد الذين قال أحدهم شاتمًا الرجل الغريب: عطينا ياه يا سركيس، عطينا ياه، بدنا نقتلو. وبعدما زجرهم والدي وصرفهم، عرفنا أن الرجل المسكين كان من ركاب بوسطة آتية من صيدا، أوقفها مسلحون مسيحيون في الحدث. ولمّا علموا أن بائع المكانس مسلم، أرادوا إنزاله من البوسطة، فأبى خائفًا، فهددوه ببنادقهم، ثم أطلق أحدهم النار عليه، فأصاب خطأً شخصًا مسيحيًا. ذُعر الركاب وتدافعوا خارجين من البوسطة، ففرّ أبو محمد وظل الشبان المسلحون يطاردونه في البساتين وصولًا إلى بيتنا".


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها