آخر تحديث:00:34(بيروت)
الخميس 16/07/2020
share

فضائح النفايات في الشمال: الأزمة قد تنفجر بطرابلس

جنى الدهيبي | الخميس 16/07/2020
شارك المقال :
فضائح النفايات في الشمال: الأزمة قد تنفجر بطرابلس صارت لا تحتمل روائح الفساد المنبعثة من أزمة النفايات في الشمال (المدن)

بوادر انفجار أزمة النفايات، إلى جانب بيروت وضواحيها، بدأت صباح الأربعاء 15 تموز في أقضية الشمال أيضًا، وتحديدًا في "اتحاد بلديات الفيحاء" الذي يضم طرابلس، الميناء، البداوي والقلمون. ذلك أن شركة "لافاجيت" لجمع النفايات أعلنت الإضراب عن مهماتها في كنس الشوارع ونقل النفايات إلى المطامر.  

حقوق مكسورة
توقفت "لافاجيت" في إضرابها التحذيري عن عملها منذ ليل الثلاثاء 14 تموز. وسرعان ما بدأت بوادر الأزمة يوم الأربعاء، مع تراكم النفايات في الحاويات من دون قدرة لاستيعابها، لا سيما في المناطق الشعبية المكتظة. وبعد ظهر الأربعاء، أصدرت الشركة بيانًا توضيحياً دقّت فيه جرس إنذار الأزمة، وأعلنت التراجع المبدئي عن إضرابها. وفي البيان، أبدت أسفها الشديد لاضطرارها تخفيف وتيرة العمل وقيامها بالإضراب التحذيري يوم الأربعاء، وجاء فيه: "بعد تحذيرات عدّة قامت بها الشركة باللجوء إلى الإضراب لإسماع وجعها الناتج عن عدم قدرتها على تلبية دفع رواتب جهازها البشري، وكافة متطلبات وحاجيات العمل نتيجة عدم تسديد مستحقاتها لفترات طويلة. لذا وجدت الشركة نفسها مضطرة مرّة أخرى وآسفة للجوء إلى تصعيد موقفها آملة أن يُستجاب طلبها بالإفراج عن مستحقاتها بأسرع وقت ممكن".

وأعلن البيان معاودة العمل ابتداء من صباح الخميس، "إفساحاً بالمجال لمعالجة الأمر معتذرة من سكان إتحاد بلديات الفيحاء ورؤساء البلديات ورئيس الإتحاد، ومعوّلة على كافة أعضاء جهازها البشري من إداريين ومراقبين وسائقين وعمال على تعاونهم لمعاودة قيامهم بالمسؤوليات الملقاة على عاتقهم".

تخلف وزارة المالية
يشير مصدر رسمي مسؤول في "لافاجيت" لـ "المدن"، أنّ الشركة عمليا تطالب بمستحقاتها من وزارة المالية. وهناك 3 كشوفات مالية متراكمة منذ 9 أشهر لم تسددها الوزارة، بينما تكتفي بإعطاء الوعود للشركة بتسديد مستحقاتها، من دون أن تلتزم بذلك، وتستسمر بالمماطلة والتسويف.
وقال المصدر: "الأزمة تشدّ علينا الخناق ولم نعد قادرين على الاستمرار بالعمل في المدى الطويل، في وقت لا نستطيع الحصول على سلف مصرفية نتيجة احتجاز أموالنا. وجميع المستلزمات التي نحتاجها نضطر لدفع سعرها بالدولار الأميركي وبحسب سعره في سوق السوداء".

يستفيد من هذه الشركة نحو 700 عائلة، ومعظمهم من أبناء طرابلس والشمال. وأكد المصدر أن الشركة تلتزم دفع رواتبهم كاملة، لكنها تضطر إلى التأخر عن تسديدها أحيانا في مواعيدها، "لأننا في أزمة عجز عن تأمين السيولة".

إذاً، من الواضح أنّ الشركة مقبلة على تصعيد خطواتها الاحتجاجية في القريب العاجل، لا سيما أن وزارة المالية لم تعطِ أيّ بوادر لتسديد مستحقاتها المترتبة، ما يعني أنّ الطرفين مقبلان على مرحلة كباش، سيسقط أبناء طرابلس وضواحيها ضحيتها.

العودة إلى الأزمة
يمكن القول أنّ أزمة النفايات هي "أكبر ملف فساد" عرفته طرابلس ومناطق الاتحاد في تاريخها الحديث، منذ أن تحول مطمرها الأساسي إلى جبلٍ ضخمٍ تتراكم فيه النفايات عشوئيًا. وللتذكير، في حزيران 2018، جرى التوافق على  إقرار الحكومة آنذاك إنشاء مطمر بحري بديل ومؤقت على أرضٍ مجاورة للجبل الأساسي عبر ردم البحر، بعد اجتماع أخذ صيغة "الأمر الواقع" عقده نواب طرابلس ورؤساء وأعضاء بلديات الاتحاد في قصر نوفل.

والمضحك المبكي حينها، كان اعطاء المطمر الجديد صفة "المطمر الصحي المؤقت"، وقد تطلب ردم نحو 60 ألف متر مربع من البحر. أمّا في الواقع، فهو لم يكن مطمرًا صحيا، ولا موقتًا، وبعد مرور نحو عامين، لم يعتمد أي حل بديل ومستدام.  

هذا المطمر، تعهدت به حينها شركة "باتكو" المملوكة من أفراد من آل أزعور، يملكون أيضًا شركة "لافاجيت". وكان عدد من أعضاء بلديات الاتحاد عارضوا بشدة إنشاءه، إلى جانب معارضتهم أداء "لافاجيت" وطريقة عملها. ومخاطر المطمر البحري تجلت في ظلّ وجود نحو 500 طن نفايات يومياً، يتسرب جزء من ملوثاتها إلى البحر. والمطمر ملاصق للمسلخ وللمنطقة الاقتصادية الحرّة ولسوق الخضر الجديد.

شكاوى ميتة
تعليقًا على أزمة المطمر والنفايات شمالًا، يشير عضو بلدية طرابلس الدكتور باسم بخاش لـ "المدن"، أنه قبل استقالة حكومة الرئيس سعد الحريري، تقدّم بشكوى تحمل عددًا كبيرًا من التواقيع، لدى النائب العام المالي القاضي علي ابراهيم، ووزارة البيئة، وفي ديوان المحاسبة، ضد المطمر الجديد ومعمل الفرز، من دون أن يتحرك ساكن حتى الآن. وقال: "لو كان هناك قضاء نزيه وشفاف، لوجدنا جميع هؤلاء المتعهدين في السجن نتيجة جرائم الفساد البيئية التي يرتكبونها".
ويرى بخاش أنّ المستفيد الأكبر من أزمة النفايات في طرابلس وضواحيها، هما شركة "باتكو" (عن مطمر النفايات الجديد) وشركة "إي إم بي" (عن معمل فرز النفايات). وفي تفنيده للأزمة، يشير أنّ مطمر النفايات الحديث لا يستوفي أهم الشروط الصحية والسلامة العامة ولا يلتزم متعهده بدفتر الشروط، بينما معمل فرز النفايات، يستمر بـ "منطق التنفيعات والصفقات وهدر الأموال، إذ يفرز فقط 5 في المئة والمطلوب أكثر من 65 في المئة كما ينص دفتر الشروط، بينما يتقاضى أصحابه نحو 2،5 مليون دولار سنويا".

يعتبر بخاش أنّ مطمر النفايات الحديث قادر على استقبال النفايات لعام ونصف العام كحد أقصى فحسب. أمّا معمل الفرز "الذي يجب العمل على إقفاله قضائيًا ومحاسبة أصحابه، فهو يسعى مع مجلس الإنماء والإعمار إلى التمديد لنفسه، عبر الحصول على هبة كويتية بقيمة 3 مليون دولار، بحجة تطوير المعمل بدل إغلاقه، وعوضًا عن إقرار هذا المبلغ لمشاريع تعود بالنفع على المدينة  وضواحيها".

مطمر بحري
وعن شركة "باتكو" تابع بخاش: "لقد استطاعوا في 2018 إنشاء المطمر البحري بقرار من الحكومة من دون مناقصة، وهم يتقاضون سنويًا من الدولة نحو 33 مليون دولار، من دون أن يلتزموا بدفتر الشروط، ليتحول من مطمر صحي إلى كارثة بيئية حقيقية". وعن شركة "لافاجيت" يشير بخاش أنّها أصبحت تتقاضى سنويًا نحو 13 مليون دولار من الحكومة، و"هو مبلغ يذهب من درب الاتحاد". أمّا إضراب الشركة عن العمل، فيضعه بخاش في خانة معركتها الخاصة مع الحكومة لتحصيل أموالها، "بينما أزمة النفايات في طرابلس وضواحيها تتفاقم يومًا بعد آخر، من دون العمل على وضع إيّ خطة تؤمن حلًا بديلًا مستدامًا".

فهل صارت روائح الفساد المنبعثة من أزمة النفايات في الشمال، غير قابلة للاحتمال، وعلى شفير الانفجار؟


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها