آخر تحديث:17:34(بيروت)
السبت 11/07/2020
share

عشيرة المقداد ومسيحيّو حارة حريك: التأريخ الغائب والفولكلور السعيد

محمد أبي سمرا | السبت 11/07/2020
شارك المقال :
عشيرة المقداد ومسيحيّو حارة حريك: التأريخ الغائب والفولكلور السعيد جعل الفن الفولكلوري اللبناني الحياة الريفية متحفاً للبراءة والحنين (أنترنت)
تستعيد هذه المرويات والصور مقتطفات من شهادات حيّة وسير شخصية، عائلية واجتماعية، رواها رواتها على مثال عامّيٍّ حكائيٍّ تقليدي، يتصل بالحوادث الاجتماعية اللبنانية العامة وبنظرة اللبنانيين إليها. وتشكل هذه الشهادات والسير مادة حيّة للتأريخ الاجتماعي اللبناني، الأهلي "التحتي"، بتناقضاته ونزاعات جماعاته التي غالبًا ما سكتَ عنها أو غيّبها التأريخ الاجتماعي الأيديولوجي أو العقائدي للبنان الحديث أو المعاصر. فالتأريخ هذا أهمل تلك المادة الحيّة الغنيّة، وغالبًا ما أرسى عمارته على أفكار نظرية، كتبيّة ومجردة ودوغمائية، خاوية من مادة تجارب اللبنانيين الاجتماعية المعيشة.

وهناك مادة أخرى بلدية سعيدة لتاريخ لبنان الاجتماعي، أشاعتها في وعي اللبنانيين العاميّ الفنونُ الفولكلورية الغنائية والمشهدية اللبنانية، التي صوّرت الاجتماع الريفي الأهلي اللبناني كما يحضر في "أحلام يقظة سعيدة هاربة"، أو على مثال حكايات تُروى للأطفال. ونماذج هذه الصور والحكايات الأبرز أنتجها الأخوان رحباني في صوت فيروز، وهما رواد صناعة الفنون الفلولكلورية اللبنانية في الربع الثالث من القرن العشرين (1950-1975).

وعلى خلاف التأريخ الاجتماعي الأيديواوجي الجامد، ونماذخ صور الفنون الفولكلورية، يروي الرواة العاميّون سيرهم وحوادثها رواية حيّة، في سياق أو في مرآة الحوادث الاجتماعية والسياسية اللبنانية العامة. ومن هؤلاء الرواة خليل خالد الفغالي وميشال الأبيض ورستم المقداد (نشرت "المدن" رواياتهم في 16 و23 و27 أيار 2020). 

تعايش الجماعات وتنافرها
فرستم المقداد مثلًا، تكشف روايته سيرته وسيرة حيّ أهله في حارة حريك الأربعينات والخمسينات والستينات من القرن العشرين، عن المسكوت عنه أو المغيّب في علاقة أهالي حي المقداد بسواهم من أهالي الأحياء المجاورة، أولئك الذين يمكن تسميتهم السكان "الأصليون". وهم سبقوا آل المقداد زمنًا في الهجرة والتوطين في ما كان يسمّى "ساحل النصارى"، وصار ساحل المتن الجنوبي بعد رسوخ دولة لبنان الكبير، وضاحية بيروت الجنوبية في خضم موجات الهجرات الريفية الشيعية الكثيفة إلى قرى ذاك الساحل في الستينات والسبعينات.

والعلاقة بين آل المقداد والسكان "الأصليين"، وخصوصًا المسيحيين منهم، تنطوي على عنفٍ اجتماعي، مادي أو جسماني، معنوي ورمزي. وهو عنف نجم عن تفاوت، بل عن اختلاف بين نمط العيش والعلاقات الداخلية في حي المقداد العشائري، ونمط عيش السكان "الأصليين" وعلاقاتهم في أحيائهم. وما كان للتفاوت والعنف أن يظهرا لولا التجاور السكني في مجتمع حارة حريك البلدي، بين سكان "أصليين" أدت هجراتهم السابقة وإنشائهم شكلًا من اجتماع محلي مستقر، وبين جماعة جديدة طارئة أو وافدة حديثًا إلى الحارة، هي آل المقداد العشائريين.

والاحتكاك والتثاقف بين هذين "المجتمعين" المختلفين، هما الباعث على العنف في مجتمع الجماعات اللبنانية المتجاورة، والمترجِّحة بين التعايش والتنافر، والإقامة على هويات أهلية طائفية متباينة في تنظيمها الاجتماعي ونمط عيشها وعلاقاتها.

وفي حالة آل المقداد، نَفَرَ مجتمع حارة حريك البلدي من نمط حياتهم وعلاقاتهم العشائرية، واعتبرهم دخلاء عليه، ومثيري خوف وشغب وفوضى وعنف في نظامه المتعارف والمستقر. وحين تداعى ممثلو الهيئة البلدية في الحارة للنظر في ما يثيره آل المقداد في مجتمع "السكان الأصليين" المحلي، سرعان ما انقسمت هيئة المجلس البلدي في النظر والرأي، انقسامًا يشوبه العامل الطائفي الذي كان كامنًا وخافتًا بين المسيحيين والمسلمين الشيعة. فبينما استراب ونفرَ المسيحيون من آل المقداد، وخافوا منهم على مجتمعهم المحلي، وجد المسلمون الشيعة في هذين الخوف والريبة عاملًا يمكن استثماره في استقوائهم على أقرانهم وأبناء قريتهم المسيحيين، بالتواطئ مع آل المقداد الشيعة.

راجح حارة حريك
يحضر في هذا السياق الشَّبَهُ بين آل المقداد وشخصيتي "راجح" و "هولو" في المسرح الفلولكلوري الرحباني، واللذين يمثلان الغريب أو الدخيل، وباعث الشِّقاق بين أهالي الضيعة الرحبانية الهانئة والسعيدة. فراجح الضيعة الرحبانية سرعان ما يتكشَّف عن بائع لعب أطفال جوال، بريء ومسالم، استعمله مختار الضيعة أكذوبة بريئة لتثبيت حاجة أهالي الضيعة إليه، ولبقائه في منصبه وسيطًا بينهم. وكعادة المسرح الرحباني في حكاياته القروية البريئة، سرعان ما تعيد الحكاية أهالي الضيعة إلى وئامهم الأصلي وهناء عيشهم، فيتجمعون في ساحتها راقصين مغنين لـ"راجح الكذبة" البريئة، في ما يسمونه "عيد العزَّابة"، وهن/هم صبايا وشبان الضيعة العازبات والعازبين، منتظرات عرسانهن الشبان في الضيعة الوادعة.

أما راجح أو هولو حارة حريك - أي حي المقداد العشائري - فكان على خلاف "راجح الكذبة البيضاء" تمامًا: سمّم حضوره مجتمع الحارة المحلي، وكان ثقيل الوطأة عليه، وبعث فيه شقاقًا مستمرًا، تحول لاحقًا، بعد حضور راجح أو هولو الفلسطيني (الفدائي)، حربًا أهلية قوّض تناسلها المجتمع اللبناني ودمره على نحوٍ لا شفاء منه.

تداخل العنف والجمال
لكن قبل حضور راجح أو الفدائي الفلسطيني، كانت ريبة مسيحيي حارة حريك ونفورهم من نشأة حيّ المقداد ونظرتهم إليه نظرة خائفة مزورّة، تنطوي على فوقيّة متعالية عليهم وعلى نمط حياتهم وعلاقاتهم، بوصفهم من مرتبة أو منزلة دونية. وتنمُّ رواية رستم المقداد عن أن هذا المركب كان من عوامل نشأته ومسيرته مع أمثاله، فتوّاتٍ وقبضايات أشداءَ، يعتزّون ويفاخرون بإقبالهم على الشجار والتحدي والعنف. وهم في هذا - أي بقوتهم البدنية والعضلية - يؤكدون حضورهم في مواجهة قوة السكان "الأصليين" الاجتماعية المعنوية. وهي القوة التي تصدر عنها نظرتهم الفوقية المتعالية على آل المقداد، الذين حوّلوا دونيتهم إلى عنفٍ يعادل تلك النظرة المتعالية.

غير أن الحصار أو الحصر الاجتماعي - النفسي اللذين يتكبّدهما أهالي حي المقداد، جراء نظرة المسيحيين المتعالية عليهم، والتي تنزلهم منزلةً دونيَّة، لم يمنع رستم المقداد من الإفصاح عن افتتانه وسواه من أمثاله وأهله، بنمط العيش "الجميل" في حارة حريك: "كانت الحارة - روى رستم - ضيعة نموذجية بنظام حياتها ورقة العيش ورغده ونعومته فيها. كأنها كانت منتزهًا لمن يرغب في الترويح عن نفسه. ومن يريد أن يتمشى إلى جانب صبيّة في الهواء الطلق، كان يقصد شوارع الحارة ودروبها المشجّرة بين البساتين والبيوت المتباعدة. وكان سكان تلك البيوت يحبون رخاء العيش وطيبه، على خلافنا نحن أبناء حيّ المقداد. فهم كانوا يعملون في أيام الأسبوع، من الإثنين إلى الجمعة، ويتركون السبت والأحد للعطلة والراحة والتزاور والمشاوير. وفي ظهيرات العطل الأسبوعية يمدّون موائد في البيوت أو أمامها في الحدائق البيتية. ولم تكن الموائد تخلو من كؤوس العرق، فيما الرجال والنساء الجالسون حولها يلبسون ثيابًا أنيقة زاهية، كأنهم في يوم عيد".

أحزمة البؤس والسعادة
والحق أن مثل هذه الصور والمشاهد مصدرها نمطُ حياة المسيحيين الأهلي البلدي في قرى الساحل، وخصوصًا حارة حريك. وهي حاضرة في منتجات الفن الفولكلوري الرحباني، الذي شاع شيوعًا كاسحًا في أوساط فئات اجتماعية وعمرية جديدة في الربع الثالث من القرن العشرين.

وأنا أكاد لا أميّز اليوم بين مشهد طيفيّ أبصرتُه مرة في حارة حريك أيام مراهقتي القصيّة - وهو يشبه ما يصوره رستم المقداد في روايته هذه - وبين صور متخيلة مصدرها أغاني فيروز التي كانت من مصادر نشأتي الرومنطيقية العسراء، والمنتشية بأحزانها المراهقة.

وصور الحياة القروية، لغتها وحقلها التعبيري ومشاهدها، في الفن الفولكلوري اللبناني تشبه صور أحلام يقظة يرسم الحنين لوحاتها بالأطياف والألوان المائية الشفافة. ومن وُلِدتْ أنواتهم الذاتية يتيمة منقطعة عن دائرتها الاجتماعية الأهلية وثقافتها، تملأُ تلك الصور أنواتَهم العسراء الخاوية بحزنٍ شجي، معزٍّ ومؤاسٍ، يبعثه صوت فيروز الطالع من ما يسميه الرحبانيان "الزمن الهارب" أو "هروب الزمن". وشطرٌ واسع من أصحاب تلك الأنوات، ولدوا ونشأوا وشبّوا في الربع الثالث من القرن العشرين في ما سُمِّي "أحزمة البؤس" حول مدينة بيروت، فيما كان نمط العيش القروي فيها يشهد احتضاره وينشأ على اندثاره نوعٌ جديد من العمران والاجتماع ونمط العيش: العمران الأهلي الجماهيري، باجتماعه الفوضوي، ونمط عيشه العشوائي البائس. أما الأدبيات الثقافية والصحافية اللبنانية، فسمّت ربع القرن ذاك "الزمنَ اللبناني الجميل" أو "السعيد"، الذي منه استمد حسن داوود مادة روايته الأخيرة "نساء وفواكه وآراء"، الصادرة مطلع العام 2020، وصور فيها مسارات ذلك الزمن ونهاياته المأسوية الكالحة. وكان الاحتفاء بالفن الفولكلوري الرحباني خصوصًا، من مصادر جمال ذاك الزمن وسعادته وبواعثهما.

متحف البراءة
والفن الفولكلوري اللبناني جعل الحياة القروية الآفلة في جبل لبنان وساحل المتن الشمالي والجنوبي، ما بين إنطلياس ووادي شحرور، متحفًا للبراءة السعيدة بالحزن البريء. وكان متحف البراءة الريفية ذاك غريبًا عن حياة من ولدت أنواتهم الذاتية يتيمة عسراء خاوية في الضواحي، أو في "أحزمة البؤس" وعمرانها الأهلي الجماهيري الكاسح. لكن غربتهم تلك، هي التي جذبتهم إلى متحف البراة ذاك. فملأوا به يُتمهم الاجتماعي، وخواء ذواتهم المنقطعة عن أهلهم وثقافتهم، ومزجوهما (اليتم والخواء) بما ورثوه من عسر حياة أهلهم المادية وبؤسها في قرى الجنوب اللبناني التي هجروها.

والحق أن فئات واسعة من أجيال لبنانية وعربية في دوائر اجتماعية متنوعة، تلقَّفتْ من صوت فيروز البريئ وبشغف هوامي، متحفَ البراءة الريفية في الفن الرحباني. قد تكون سِمةُ تلك الأجيال أنها أجيال "موقوفة" الاجتماعِ والثقافة المدينيّين في مدن "موقوفة" أصلًا. ومن امتزاج ذلك المتحف الريفي بسِيَرِ المدينيّة الذاتيّة الموقوفة، نشأت "أنا جمعية" أو "جامعة" لتلك الأجيال وتثاقفها، وتعرّف أبناؤها على أنواتهم الذاتية التي تغصُّ بعسر ولادتها المتعثرة في مدينة ولدت بدورها موقوفة.
(يتبع)


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها