آخر تحديث:15:56(بيروت)
الثلاثاء 09/06/2020
share

انقلاب القوميين السوريين في مشاهد هزليّة دامية سنة 1949

محمد أبي سمرا | الثلاثاء 09/06/2020
شارك المقال :
انقلاب القوميين السوريين في مشاهد هزليّة دامية سنة 1949 كان العرق يسيل على وجه الزعيم، فيما هو يخطب في المحتشدين بشراويلهم وطرابيشهم (الأنترنت)
روى خليل خالد الفغالي - الولود سنة 1934 في قرية المريجة بساحل المتن الجنوبي - أن علاقات والده، المفتش العام في وزارة التربية، بكبار موظفي الإدارة العامة ومناصبها، مكّنته من استصدار قرار تعيين ابنه المشاكس، ومُدْمنِ الشِّجار مع أقرانه التلامذة والفرار من المدارس، موظفًا ليليًا في سنترال برج البراجنة للهاتف، قبل تجاوزه الخامسة عشرة من عمره سنة 1949.

مشهد للزعيم وأنصاره
كان مبنى سنترال برج البراجنة مسقوفًا بالقرميد في جانب من ساحة المريجة. غير بعيد من هذا المبنى الذي كان يملكه الدكتور بشارة سعادة. وفيه عيادته الطبية، كان الطبيب سعادة يملك صيدلية يديرها ويعمل فيها ابنه خليل. وإضافةً إلى عمله النهاري في صيدلية والده، كان خليل سعادة موظفًا ليليًا في السنترال إياه، إلى جانب الشاب حبيب يوسف متى مديره المسؤول.

كان ابن الدكتور سعادة، خليل، عضوًا في الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي زار زعيمه أنطون سعادة منزل خليل السباعي في برج البراجنة، قبل مدة قصيرة من عمل الراوي في السنترال. وروى الفغالي مشهديًا زيارة الزعيم تلك: جموع من أهالي البرج والمريجة المزارعين يتراكضون في الحقول بين رباعات الصبير ليصلوا إلى بيت السباعي. فخبر وصوله كان قد سرى بالتواتر بين الأهالي الذين سمع الراوي بعضهم يقول: "جاي الزعيم تبع القوميّة، جاي الزعيم"، فركض هو مع الراكضين لرؤيته. وقف أنطون سعادة على شرفة بيت خليل السباعي، مطلًا على مستقبليه المحتشدين في الأسفل بشراويلهم وطرابيشهم، وبينهم شبان وفتيان وأولاد ونسوة من الأهالي الفلاحين في معظمهم. وسرعان ما علا التصفيق ما أن بدأ سعادة خطبته، فأخذ العرق يسيل على وجهه. شاب التفت إلى آخر قائلًا: هل فهمت ما يقول الزعيم؟ لا، لا والله، جاوبه الشاب الآخر. فسأله الأول: لماذا تصفق، إذًا؟ فقال الثاني: كلهم يصفقون، فلماذا لا أصفق معهم ومثلهم؟! والراوي بدوره قال لشخص يقف إلى جانبه إنه لا يعلم من يكون هذا الزعيم، وسمع أنه طانيوس سعادة.

أحد المصورين الصحافيين، وشاع أنه عميل للأمن العام، التقط صورًا كثيرة لاستقبال الزعيم في منزل خليل السباعي. ففي صبيحة النهار التالي للزيارة رأى الراوي نفسه في صورة نشرتها إحدى الصحف، واقفًا بين جموع المستقبلين مصفقًا مثلهم، كأنه في غفلة منه صفَّق مأخوذًا بكلمات الزعيم المتوترة وبقبضته المشدودة المرفوعة إلى الأعلى.

صحيفة الحزب
وأطلق الحزب السوري القومي جريدته في نهار من العام 1949 (قد تكون "الزوبعة" أو "البناء")، فنظم لذلك احتفالًا في الجميزة حضره زعيمه أنطون سعادة. أدى الاحتفال إلى صدام بين المحتفلين ومحازبي الكتائب اللبنانية، فحصل إطلاق نار، وأصيب القومي جوزف الطويل في رجله. وكان الطويل من قومييّ قرية المريجة المشاركين في الاحتفال، إلى جانب ابن خالته خليل سعادة الذي اعتُقل لمشاركته في الحادثة، فتغيّب عن عمله الليلي في سنترال البرج، وعن عمله النهاري في صيدلية والده الطبيب الذي كانت عيادته قبالة الصيدلية.

مسرح ليلي
بعد هذه الحادثة أخذ محازب قومي من الشويفات يدعى نبيل صعب، يداوم في الصيدلية بديلًا عن رفيقه المعتقل خليل سعادة. وأخذ يتردد إلى الصيدلية قبالة السنترال شبانٌ قوميون غرباء عن المريجة. وتكرّرت لقاءات الشبان في الصيدلية. وفي أمسية أخرجوا منها كيسًا كبيرًا من الخيش، فلم يستطع موظف السنترال الليلي، الراوي خليل خالد الفغالي، تقدير ماذا يحتوي الكيس، الذي رأى الشبان يضعونه في سيارة أحدهم ويغادرون.

في الليلة التالية صحا الفغالي فجأة من غفوته في السنترال على أصواتٍ قوية في الخارج. تقدم من الباب الذي تعوّد تركه بلا إقفاله، فإذا به مقفلٌ. فاعتلى منضدةً صغيرة ونظر إلى الخارج من فتحة فوق الباب. رأى نبيل صعب منهمكًا في قطع الأسلاك الهاتفية التي تصل إلى السنترال، وإلى جانبه الشاب الفلسطيني خليل ميّاسي، حاملًا مسدسًا من نوع بربلو، فيما شخص ثالث غريب يقف حاملًا بندقية حربية إنكليزية من التي يحملها رجال الدرك في المخافر. وعلى مسافة أمتار منهم كان يقف شقيق جوزف الطويل وفؤاد متى، وهما من المريجة. أما عبد الحفيظ علامة، وهو من الغبيري، فكان يحمل أجهزة من التي كانت في داخل السنترال، فأيقن الفغالي أنهم دخلوا إليه، فيما هو نائم، وعطّلوا الأجهزة واستولوا على بعضها. نزل عن المنضدة، وأحضر مسدسه، ثم تقدم من الباب، وفتحه سريعًا، صارخًا شاتمًا الشبان الذين يعرفهم. فقال له نبيل صعب إنه في غنى عن التورط في إطلاق النار، وأن يضع المسدس جانبًا، لأن ما يفعلونه يتجاوزه وأكبر منه، ولا ناقة له فيه ولا جمل. في الأثناء كان الآخرون قد ركبوا سيارة، فتبعهم نبيل صعب راكضًا، وانطلقت بهم جميعًا السيارة وغابت في العتمة.

سيارات وساهرون
ركض الفغالي إلى ساحة المريجة، حيث تعوّد حبيب عوكر أن يوقف سيارته الفورد القديمة ويغفو في داخلها منتظرًا أن يطلب منه شبان ورجال من محبي السهر، أن يوصلهم إلى خمارات في بيروت، فيسهر ويشرب معهم، ثم يدفعون له أجرة السيارة التي تقدم الراوي من نافذتها، فرأى صاحبها نائمًا يشخرعلى مقعدها الأمامي، فناداه: عمي أيوب، عمي أيوب، فاستيقظ، فرجاه أن يوصله إلى مخفر الدرك في الحدث، بعدما أخبره بما حدث في السنترال. "أنا شو خصني؟ حل عني عمي، حل عني، تركني نايم"، قال أيوب، ثم وافق أخيرًا على نقله في سيارته لقاء حصوله على أجرة الرحلة. لكن محرك السيارة لم يشتغل، فراح موظف السنترال يدفعها ويدفعها عبثًا مسافة طويلة. وحين وصلت السيارة إلى مقربة من بيت صاحبها، ركنها جانبًا، وخرج منها، قائلًا للفغالي: شكرًا، يعطيك العافية، تصبح على خير، ثم دخل إلى بيته.

عاد الراوي إلى ساحة المريجة، فوقف في العتمة وحيدًا، خائبًا، حائرًا ماذا يفعل. لمح ضوء سيارة آتية، فأوقفها، فاذا سائقها شخص من برج البراجنة يعرفه، وإلى جانبه إدوار جريس الحسيني الموظف في سلك بوليس بيروت، وشارل حنين الذي كان معلّمًا في مهنة التمديدات الكهربائية في المباني. كان الثلاثة عائدين من سهرة في بيروت، ويتعتعهم السكر متوجهين إلى بيوتهم في البرج والمريجة، فأخبرهم بما حصل في السنترال. وبدل أن يقلّوه إلى الحدث أوصلوه إلى بيت رجل حلاّب في تحويطة الغدير، هو إلياس أسعد مطر الذي يعمل في توزيع الحليب الطازج في سيارة عتيقة، طراز 1921، يُدار محركها يدويًا بواسطة "المنيفيل"، وطول مقدمتها بين 3 و4 أمتار، وقام الحلاب بطلائها بالفرشاة بنوع طلاء يستعمل للبيوت. أعطى صاحب السيارة الراوي مفتاحها، فساعده سكارى الفورد في تشغيل محركها بـ"المنيفيل"، وانطلق بها إلى مخفر الدرك في الحدث.

مخفر الشاويش
كان المخفر في بيت زراعي عتيق وسط كرم زيتون. ولما فتح الدركي الأمباشي بابه، وأخبره موظف السنترال بما حدث، تذمّر الأمباشي قائلًا: شو جايبك بهالليل؟!، ثم أيقظ الباش شاويش فؤاد علم الدين، وهو من صوفر ومن محاسيب المير مجيد أرسلان. راح الباش شاويش يداعب شاربيه بأصابعه وهو نصف نائم تقريبًا، فيما الموظف يخبره بما حصل في السنترال. وسرعان ما قال رئيس المخفر إن أحمد سعيد منصور هو الذي فعلها، معتمداً على سوابق هذا الرجل الذي يعرفه أهالي المريجة سكّيرًا يكثر من إشهار مسدسه في أي شجار يفتلعه مع أمثاله. وفي واحدة من مشاجراته أطلق النار على رجل من سلك التحري، فأصابه في رجله، وسبّب له عرجًا دائمًا.

حين قال موظف السنترال إنه يعرف أحمد منصور، ولم يكن بين المهاجمين الذين يعرفهم ورآهم رأي العين، أخذت الباش شاويش نوبة غضب، وراح يصرخ قائلا: "روح فك عني، شو جايي تعلّمني ع شغلي الساعة تنتين بالليل؟! روح فك عني اتركني بدي نام، وبكرا بنشوف"، ثم استلقى على السرير، و"تلحّف" (تغطى باللحاف) ونام.

لم تمضِ لحظات حتى رن جرس الهاتف في المخفر، ومن السماعة التي وضعها الخفير على أذنه، سمع الراوي صوتا يصرخ متوترًا: هوجم مخفر قرانوح في الغبيري، على كل المخافر اعتماد أقصى درجات الحيطة، ووضع عسكري على سطح المخفر بعد تعتيمه. وممنوع على أي كان الاقتراب من المخفر، وإيقافه على مسافة 200 متر منه، وكل من يتجاوز هذه المسافة، من دون أن يُعرف من يكون، تُطلق النار عليه فورًا.

فجأة هبَّ الباش شاويش من سريره، وأخذ يقول لموظف السنترال أن يروي له ما حدث. وفيما هو يصرخ بالشاويش والأمباشي: إلى السلاح، إلى السلاح، تابع الصوت الطالع من سماعة الهاتف الكلامَ قائلا: لقد قُتِل الدركي نسيم النسر في مخفر الغبيري. فراح الباش شاويش يولول، ضاربا كفًا بكف، قائلًا: لَهْ... له... له، يا ضيعانك يا نسيم، خمس أولاد عندك يا نسيم، تعترتْ مرتك وتعتروا ولادك يا نسيم، ثم صرخ مجددًا: إلى السلاح... إلى السلاح، استنفار... استنفار... توزعوا... توزعوا.

قتيل مخفر الغبيري
في صبيحة النهار التالي لليلة السنترال ومخفر الحدث، علم الراوي الفغالي أن مخفر الغبيري هو الوحيد الذي هاجمه انقلابيو الحزب السوري القومي في ساحل المتن الجنوبي. شاويش مخفر الغبيري نسيب داغر، روى له ما حدث في مخفره تلك الليلة: المجموعة الحزبية السورية القومية التي نفّذت عملية سنترال المريجة وعطّلت أجهزته وقطعت خطوط الهاتف، ليتسنى لها الهرب مستبقةً الاتصالات الهاتفية بين مخافر الساحل، هي التي كانت قد هاجمت مخفر الغبيري. وما أن فتح الدركي نسيم النسر بابه بعدما طرقه المهاجمون، حتى عاجله أحدهم بطلقات نارية من بندقيته الرشاشة، فأرداه مع صرخته الوحيدة: إلى السلاح... إلى السلاح. وهو السلاح الذي حاول المهاجمون الاستيلاء عليه وقتل الشاويش نسيب داغر ثأرا منه لتشدّده وقسوته على المحازبين السوريين القوميين في قرى الساحل، وخصوصًا في الغبيري. فداغر كان من محاسيب الشيخ سليم الخوري (الملقب بالسلطان سليم)، شقيق رئيس الجمهورية بشارة الخوري آنذاك.

بعد قتلهم الدركي نسيم النسر الذي كان قد قام من سريره بثيابه الداخلية وفتح الباب، دخل المهاجمون إلى المخفر، فما كان من الدركيين النائمين، إلا إن انقلبوا عن أسرتهم واختبأوا تحتها. وحين دخل المهاجمون إلى مهجع الشاويش رئيس المخفر، أمطروا سريره بوابل من بنادقهم الرشاشة، موقنين أنه قتل لا محالة. لكن الشاويش لم يكن نائما في المخفر في تلك الليلة. فرغم أن نظام المناوبة كان يحتم عليه المكوث في المخفر، غادره ونام في بيته القريب، فأنقذته مخالفته من القتل المحتم.

خرج المهاجمون من مخفر الغبيري حاملين ما استطاعوا من أسلحة، وتوجهوا إلى سنترال المريجة، فعطّلوأ أجهزته، وفرّوا إلى سرحمول قرب عيتات. هناك طاردتهم في الغابات قوة من الدرك يقودها النقيب توفيق شمعون الذي أصيب برصاصة قاتلة في رأسه، فيما كان يقف مستطلعًا المسلحين السوريين القوميين بالمنظار. قوة من الدرك وأخرى من الجيش اللبناني استطاعتا تطويق المسلحين الذين كان يقودهم جورج عبد المسيح، فاعتقلته.
(يتبع)


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها