آخر تحديث:16:14(بيروت)
الأحد 07/06/2020
share

هذا ما يقوله أيضاً أبناء الضاحية عن حزبهم وحلفائهم

سامي خليفة | الأحد 07/06/2020
شارك المقال :
هذا ما يقوله أيضاً أبناء الضاحية عن حزبهم وحلفائهم "كلما سمعنا عن عقوبات أميركية جديدة تظهر فضائح عن تسويات مقززة" (Getty)

قيل قديماً أنه عندما تجوع الشعوب تأكل حكامها، وعندما تبدأ بالانتقاد بعد سكونٍ وصمت، فذلكم إيذان بيقظة ضميرها الجمعي، وانطلاق عودة وعيها.

وجد الكثير من الشيعة، مطلع ثمانينات القرن الماضي، في حزب الله عند تأسيسه، جواباً شافياً عما تعانيه الطائفة من حرمان، بدءاً من التحرر من الاحتلال انتهاءً بإقامة الدولة العادلة. واليوم، بعد نفض الغبار عن حقيقة مأساة لبنان، وإزالة مختلف الحواجز السيكولوجية بين الطوائف، يرى الناس ضرورة وضع نهاية لسياسة قديمة خضعوا لها لعقود طوال خلت.

ليس الهدف من هذا التقرير تسجيل النقاط السياسية، بل الإضاءة على شكاوى الناس في شوارع الضاحية والجنوب والبقاع. شكاوى وليست انقلاباً على حزب الله، بل رسماً لعلامات استفهام يطرحها كثيرون عن أمجادٍ تلطخ صورتها السياسات الحالية المتبعة. فبعد أن ضرب الجوع أبواب آلاف العائلات التي تُركت لمصيرها، وفقد معظم الناس، باستثناء قلة، ثقتهم بالزعماء السياسيين الذين عاثوا فساداً وأكلوا الأخضر واليابس. بات كثير من مؤيدي حزب الله، الحزب الأقوى قدرة على التجييش في لبنان، يشتكون من الواقع الحالي، وينتقدون ما يرونه تجاهلاً لمطالبهم واستخدام شعارات لا تُسمن ولا تغني عن جوع.

مقومات الصمود
إلى جانب الزيادات الحادة في الأسعار وتلاشي الوظائف وتهاوي قيمة الليرة وتداعيات كورونا، يعيش لبنان صراعاً بارداً بين الولايات المتحدة وحزب الله، تحول إلى حصار غير معلن، منع أي مساعدات مالية تخفف من حدة الأزمة. ومع انسداد الأفق، يتسائل كثيرون من سكان الضاحية عن مقومات الصمود التي يمتلكونها في هذه المعركة التي لا سقف زمنياً لها.

يشرح أبو أحمد، وهو مناصرٌ قديم لحزب الله يعمل في مجال المقاولات، ما يجول في خاطر الكثير من أبناء الضاحية، قائلاً "كنا ولا زلنا نؤيد حزب الله في معركته ضد إسرائيل، ونحن مستعدون لدعمه بدمائنا، ولكن علينا أن نعترف بأن الاستراتيجية التي وضعوها في مواجهة أميركا كانت خاطئة. ولم تأخذ بالاعتبار مصالح الناس. كيف يمكننا أن ندخل في مواجهة مفتوحة مع أقوى دولةٍ في العالم، ونحن لا نمتلك صناعة أو زراعة. قولوا لي بالله عليكم لماذا طوال هذه السنوات التي مضت، وكنتم فيها تمتلكون المال، لم تقدموا على خطوات تحصّن جمهوركم في مواجهة أزمة كهذه".

وأضاف " الشعب اليوم أكثر وعياً، وخبرته واطلاعه على الملفات السياسية أصبحت واسعة وشاملة، نحن لا نعيش حصاراً أميركياً وحسب، بل حصاراً من طبقة سياسية دمرت مقومات صمودنا، وجعلتنا عاجزين في مواجهة العواصف بعد أن جردتنا من كل شيء. نحن نسأل ما الفرق بين هؤلاء والإسرائيليين؟ لا شيء، كلاهما سيان، هل يُعقل أن يتحول مجتمع المقاومة إلى مجتمع ينتظر الحصص الغذائية والصدقات بعد كل هذه التضحيات، ألا يعلمون أن الجوع والذل سيجعل الناس تترك وطنها وتتخلى عن كل القضايا مهما كانت أهميتها".

وكما أبو أحمد، يعلق هادي، وهو خبير محاسبة يخطط لترك البلاد، بالقول " نستيقظ كل يوم وأول ما نسأل عنه هو سعر صرف الدولار. شعبنا يتعامل بالعملة الأميركية منذ عشرات السنوات، فكيف نتوقع أن يتخلى فجأة عن حاجته لهذه العملة، التحول من اقتصاد ريعي إلى منتج يحتاج سنوات طوال. هذا إذا توفرت الإرادة عند السياسيين. وحتى ذلك الحين، كيف يجب أن نصمد؟ بصراحة، لقد استفحل اليأس وما نراه لا يبشر بالخير".

حرب الشعارات
كما هي حال الكثير من اللبنانيين، فقد علي، وهو مواطن يعيل عائلة مكونة من خمسة أفراد، ويقطن في الضاحية الجنوبية لبيروت، عمله بسبب الأزمة. ويتحدث هذا الأخير مع "المدن" عن الشعارات الجوفاء التي يسمعها يومياً، والتي يعتبرها زوبعة في فنجان لتضييع المشكلة الحقيقية، إذ يقول "نسمع بشكل مستمر بضرورة التوجه إلى الشرق، عن أي شرقٍ يتحدثون، هل تستطيع روسيا مساعدتنا مالياً؟ وهل الشركات الصينية أصلاً مستعدة لدخول السوق اللبناني إذا شعرت بأنها ستتعرض للعقوبات؟ لا يحتاج المرء ليكون خبيراً اقتصادياً ليجيب بالنفي، إنهم يستخدمون هذه الشعارات لكي لا يصارحونا بحقيقة عجزهم عن فعل أي شيء".

ويستطرد "عندما ننتقد، يخرج البعض ليعطينا دروساً في الوطنية. حسناً، لقد أعطيت صوتي لحزب الله في الانتخابات الأخيرة، وكل عائلتي تدعم الحزب، لكن الخطاب الذي نسمعه منذ عدة أشهر كسر حدود المنطق. هل أقول لأطفالي أنني لا أستطيع شراء ثيابٍ لهم لأننا في وارد تحرير القدس؟ نحن دخلنا في حربٍ أبدية مع الولايات المتحدة ونريد كسر نفوذها في الشرق الأوسط، بينما نحن عاجزون عن كبح الفوضى في أحيائنا، والسيطرة على بعض العصابات التي تفرض الخوّات وتستغل المواطنين، والتي تسيطر على الحدود وتهرب ما يحلو لها".

من جهته، عبّر مازن، وهو مهندس لبناني مغترب، عن إحباطه من الوضع القائم، في حديثٍ مع "المدن"، إذ قال "لا شك أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب مقيتة، وتتبع أساليب الابتزاز البشع مع الدول. لكن هذا لا يعني أن نقبل بفكرة أن يعيش أولادنا في بلدٍ يتحول رويداً رويداً ليصبح مثل فنزويلا. نحن شعب ما زلنا نبتهج عندما لا تنقطع الكهرباء، ونصفق إذا رأينا الشوارع نظيفة بعض الشيء، وتغمرنا السعادة إذا توفر البنزين، فكيف إذاً نهزم أميركا أو غيرها؟".

وتابع "سأكون واضحاً وصريحاً، إذا أعلنت الدول الغربية بعد انحسار فيروس كورونا عن فتح باب الهجرة للبنانيين، فإني أؤكد بأن طوابير من الجنوبيين والبقاعيين ستصطف أمام السفارات، محاولين مغادرة الجحيم الذي يعيشونه. لقد تربينا على فكرة أن الفقر في الوطن غربة. وها نحن نعيش هذه الغربة. وأود أن ألفت في نهاية حديثي إلى ضرورة وضع حدٍ لهؤلاء الشبان الذين ينزلون عند كل تحرك ويهتفون شيعة.. شيعة، هذا فعلاً أمر مسيء ومحرج".

فساد الحلفاء
يُشكِّل التركيز المتعاظم لاهتمام الحزب على الولايات المتحدة دلالة ذات مغزى على تحوله الملحوظ عن الاهتمامات المحلية إلى الاهتمامات الجيوستراتيجية الإقليمية. من هنا، يفضل بعض مناصري الحزب التركيز على الواقع الداخلي مع اشتداد الأزمة، حين يقول سعيد، وهو أحد أصحاب المحلات التجارية في الضاحية: "القضايا الإقليمية التي يدافع عنها الحزب محقة، لا جدال في هذا الأمر، إلا أننا نعتقد أنه آن الأوان للتركيز على الداخل اللبناني. الفساد الذي نريد أن نحاربه ينخر نخراً في حلفائنا، إنهم ينهبون ويتحاصصون ويهددون، في وقتٍ أصبح اللبنانيون يشتهون رغيف الخبز".

انسحاب تيار المستقبل والإشتراكي والقوات اللبنانية، فضح، حسب سعيد، القوى السياسية الحليفة للحزب "ماذا نقول لجمهور الأحزاب التي نختلف معها أو للمستقلين؟ يا جرصتنا، لقد عطل بعض حلفاء الحزب البلاد وشلّوها، فلا تعيينات، ولا حلول مالية، ونسمع خطابات خنفشارية لا نفهم منها شيئاً، ونشهد صفقات مشبوهة وتمييع لفضائح وقضايا تطال أرزاق الناس. لقد دفعنا الغالي والنفيس لأجل قضية المقاومة، لا لكي نرى هذا المشهد المحبط في النهاية. إنهم يفعلون ما عجزت إسرائيل عن فعله، فلننسحب من السياسة إذا كنا عاجزين عن تغيير مجرى الأمور".

وعند سؤاله عن رأيه بطلب لبنان مساعدة صندوق النقد الدولي، أجاب "طبعاً، صندوق النقد ليس الخيار الأفضل، وقرأنا عن تجارب سيئة لدول طلبت مساعدته، لكن من الذي أوصلنا إلى أن نستجدي المساعدة ونتسول بين الأمم؟ جميعهم بما فيهم حلفاؤنا، كانوا يعرفون الأرقام منذ سنوات، ومدركون لارتكابات المصارف ومصرف لبنان والخراب المقبل، ومع ذلك لم يحركوا ساكناً. فليتبرع أصحاب المليارات من الحلفاء بجزء من أموالهم إذا كانوا يحبون البلد. كفى استخفافاً بعقولنا فنحن نعرف الحقائق".

بدوره، يؤكد حسين، وهو طالب طب، على كلام سعيد بقوله "علينا أن نركز حالياً على إقناع الحلفاء بضرورة الكف عن منطق المحاصصة والسرقات. الوضع لم يعد يحتمل هدراً للمال العام تارةً، وطوراً تهديد بالفدرلة والفتنة وكسر وحدة الصف. كلما سمعنا عن عقوبات أميركية جديدة تظهر فضائح عن تسويات مقززة. علينا أن نركز حالياً على الاقتصاد، ولا شيء سواه، حتى يبقى الوطن. فمصلحة المقاومة تقتضي أن لا يكون الوطن مفتتاً والشعب محبطاً. وإذا كان فريقنا غير قادر على العبور بالبلاد إلى بر الأمان، كما هو واضح، فلا بأس أن يأتي خبراء مستقلون أو حكومة عسكرية لفترة انتقالية تضع الأسس لحل الأزمة".


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها