آخر تحديث:19:24(بيروت)
الثلاثاء 30/06/2020
share

موقوفو البقاع يدفعون ثمن تسييس القضاء!

نادر فوز | الثلاثاء 30/06/2020
شارك المقال :
موقوفو البقاع يدفعون ثمن تسييس القضاء! لكل منهم قصّته ومأساته، يجتمعون كلّهم حول واقع واحد يؤكد أنّ "البلطجي مدعوم، والآدمي معدوم" (علي علوش)
وصلت الرسالة التي أرادت السلطة توجيهها إلى اللبنانيين، إلى أولئك المستمرّين بالتحرّك والاحتجاج. ومفادها: ستدفعون ثمن تحرّكاتكم وغضبكم. وتجسّد مضمون الرسالة بقرار النيابة العامة استئناف قرار قاضي التحقيق، شربل أبو سمرا، الذي قرّر إطلاق سراح الموقوفين العشرين من مكسة وقب إلياس بكفالة مالية قدرها 200 ألف ليرة لبنانية عن كل منهم.

استأنفت النيابة العامة القرار، وبقي الشبان العشرون متوزّعين بين غرف التوقيف في ثكنة الحلو والمديرية العامة لقوى الأمن الداخلي في الأشرفية. وفي المسار القضائي، أحيل الملف تلقائياً إلى الهيئة الاتّهامية، ومحامو لجنة الدفاع عن المتظاهرين يؤكدون أنّ قرار قاضي التحقيق نقطة إيجابية لصالح الموقوفين، بانتظار ما سيصدر عن الهيئة. كل هذا اختصره المحامي أيمن رعد بعبارة واحدة أمام قصر العدل في بيروت، فقال "من لم يكن لديه شك 1 في المئة بأنّ النيابة العامة غير مسيّسة، فليتأكد اليوم أنها مسيّسة".

التوقيفات السياسية
الهدف من كل ما حصل هو ليّ ذراع هؤلاء المنتفضين، الضغط على أهاليهم وأصدقائهم، ترهيب كل من لا يزالون مستمرّين في التحرّك، وإعادة دفعهم جميعهم للجوء إلى تحت أجنحة السياسيين. تمّ توقيف هؤلاء العشرين نتيجة تحركات ليلتي 11 و12 حزيران الجاري، وما تخلّلها من أعمال غضب في بيروت. على ما يبدو حيّدت القوى الأمنية كل من نزل إلى ساحتي الشهداء ورياض الصلح في هاتين الليلتين، وأوقفت مجموعة قادمة من البقاع، من مكسة وقب الياس حصراً. 20 موقوفاً من أجل 45 كانوا ينشطون في البقاع الأوسط، فقضت على الحركة فيها. نقطة في السياسة لصالح السلطة.

الضغوط الحزبية
ومع استمرار توقيف الناشطين، تحرّكت ماكينات الأحزاب في منطقة البقاع الأوسط، وتحديداً ماكينة تيار المستقبل التي أفهمت أهالي الموقوفين بشكل أو بآخر أنّ إطلاق سراح أبنائهم لا يمكن أن يتمّ إلا من خلال تدخّل أو اتصالات يقوم بها زعيم التيار، سعد الحريري. إلا أنّ الأهالي رفضوا الخضوع لهذه الضغوط، فنسّقت موجة أخرى من الضغوط تحذّر الأهالي من اقتراب موعد العطلة القضائية، وتأجيل ملف الموقوفين لأشهر. ليتبيّن أنها حكايات خبيثة علّ الأهل ينصاعون مجدداً إلى العباءة السياسية. واللافت في الموضوع أنّ توقيف الناشطين تم بين 20 و21 حزيران الجاري، في توقيت لافت لحق زيارة الحريري إلى البقاع ولقائه مفتي زحلة والبقاع الشيخ خليل الميس في مكسة يوم 17 حزيران. فيربط عدد من أهالي الموقوفين التوقيفات، والمسار السياسي للملف القضائي، بضغوط المستقبل من جهة وزيارة الحريري إلى مكسة من جهة أخرى. والأكيد أنهم لم يرضخوا لها. نقطة لصالح الناس.

وحدة قضية الموقوفين
التعادل الحالي، وإن طال يأتي لصالح الناس. ولو أنه حتى الآن على حساب حرية 20 شاباً لا بد أن يطلق سراحهم بغضون ساعات أو أيام. فيؤكد عدد من الناشطين وأقارب الموقوفين الذين احتشدوا أمام قصر العدل في بيروت اليوم لـ"المدن" إنه "من الأفضل أن بقي الجميع قيد التوقيف ولم يطلق سراح البعض وأبقي قسم آخر في الحجز". فهذا الأمر يؤكد على أنّ الملف واحد والقضية واحدة، لا جنايات فيه بل جنح. أما قرار إبقائهم في الزنزانة فسياسي بحت. حتى أنّ السلطة حاولت فض الاعتصام أمام قصر العدل، بتسريب معلومات عن إطلاق سراح جميع الموقوفين. إلا أنّ هذه التسريبات لم تنفع واستمر التجمّع حتى صدور قرار الاستئناف، والموعد يتجدّد للمطالبة بالإفراج عن كل المعتقلين.

من بين هؤلاء الموقوفين، واحد خسر يده بالرصاص المطاطي خلال قمع القوى الأمن للمتظاهرين مطلع العام. آخر تمّ توقيفه لدفع أخيه لتسليم نفسه. وثالث تقول أمه إنّ "لدي ابن مع الثورة وآخر في الدولة، فأوقف الثاني الأول وأنا هنا وحدي". لكل منهم قصّته ومأساته، يجتمعون كلّهم حول واقع واحد يؤكد أنّ "البلطجي مدعوم، والآدمي معدوم" بحسب لافتة رفعها أحد المحتجّين في الاعتصام.

40 مجموعة ولا حضور
أمام قصر العدل في بيروت، وصل صباح الثلاثاء العشرات قادمين من البقاع. أمهات وآباء وناشطون وناشطات، حضروا للتأكيد على مطلب إطلاق سراح الموقوفين. وإليهم انضمّ جمع آخر من مجموعات 17 تشرين. لكنّ الحضور ظلّ هزيلاً، لا بل مخجل. أعلنت 40 مجموعة منضوية تحت ثورة 17 تشرين المشاركة في الاعتصام، ولم يحضر منهم إلا نتف. نتف، قد لا يتجاوز الخمسين شخصاً. حضروا بكل ما لهم من حناجر للتأكيد على الوقوف إلى جانب من يدفعون ثمناً شخصياً في معركة سياسية. ردّدوا شعارات الثورة، جالوا بهتافاتهم على كل الزعماء، اسماً اسماً. شددوا على إسقاط بوليسية الدولة. دبكوا فرحاً مع صدور قرار إخلاء السبيل. غضبوا وشتموا مع صدور قرار الاستئناف. وضربوا لنفسهم موعد آخر لاحتفال الموقوفين بالحرية.

في مشهد قصر العدل، 40 مجموعة دعت، 50 شخصاً حضروا من بيروت. أي شخص وربع الشخص عن كل مجموعة. هذا مشهد يدعو إلى الإحباط أكثر من واقع تسييس ملف الموقوفين حتى. مشهد أكثر إحباطاً من واقع أنّ الناس تتعايش كل يوم مع مصيبة أكبر من اليوم الذي سبق. أكثر إحباطاً من كون هذه السلطة الفاشلة تحقّق النقاط على شعبها.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها