آخر تحديث:19:22(بيروت)
السبت 27/06/2020
share

زعماء السياسة ومافيات قبضاياتهم: هنري فرعون وإميل الخوري

محمد أبي سمرا | السبت 27/06/2020
شارك المقال :
زعماء السياسة ومافيات قبضاياتهم: هنري فرعون وإميل الخوري هنري فرعون أمام قصره، وكان نفوذه واسعاً في شبكات القبضايات (Getty)
روى ميشال الأبيض، المولود سنة 1930 في حي الأبيض بقرية حارة حريك، أن عمه كان يعمل ناطوراً لسقي الضيعة (بساتين تُروى بمياه ينابيع تُجرُّ إليها في أقنية) في مطلع أربعينات القرن العشرين، ثم أخذ يعمل أيضاً تاجر سلاح في بطانة رجل يدعى إميل الخوري في حارة حريك.

نشأة القبضايات وأدوارهم
كان الخوري واحداً من قبضايات يشبهون رجال مافيا محلية، يجمعون حولهم فتياناً وشباناً من الأهالي، ويعملون وسطاء بين أهالي المجتمع المحلي والزعماء السياسيين الذين يرتبطون بهم ويحمونهم ويؤمنون لهم النفوذ والخدمات.

نشأ هذا النوع الجديد من الرجال، وظهرت أدوارهم وشبكات علاقاتهم على مسرح الحياة العامة المحلية وفي كواليسه في أحياء مدينة بيروت وقرى ساحل المتن الجنوبي. وكانت شبكاتهم تضم رجالًا - وسطاء متنوّعي الأدوار، أبرزهم من يسمّيهم الكلام اللبناني الدارج: المفاتيح الانتخابية، وقبضايات الأحياء وفتواتهم.

وقد ظهر دور أولئك الوسطاء في سياق تحوّل هجين في بنية العلاقات الاجتماعية - السياسية غداة قيام الدولة اللبنانة الحديثة مطلع عشرينات القرن العشرين، وبلغ دورهم ذروته في عشايا استقلال لبنان سنة 1943 وبداياته، بعدما تركت سلطات الانتداب الفرنسي إدارة الحياة السياسية وتسيير دفة الحكم والإدارة العامة في الدولة الناشئة، لأقطاب الجماعات اللبنانية وزعمائها السياسيين.

ومع تفلُّتِهم من قبضة المندوب السامي الفرنسي وإدارته ونفوذه القوي عليهم، أخذ هؤلاء الأقطاب والزعماء من دهاقنة السياسة الأهلية يتنافسون ويتنازعون ويختصمون في ما بينهم على بناء عصبيات وشبكات أهلية وشعبية في النسيج الاجتماعي للجماعات والمناطق، لتكون ركيزة زعاماتهم ومعاركهم وأحلافهم في الانتخابات النيابية.

ولعب الدور الأبرز في هذه الشبكات والعصبيات، وأقطاب العائلات المحلية، ووجهاؤها وأعيانها المحليون: المخاتير، وأعضاء المجالس البلدية، والموظفون الإداريون كبارًا وصفارًا، والقبضيات وفتوَّاتهم أو "مشايخ الشباب ومشيخاتهم" في أحياء المدن وفي القرى والبلدات، والعاملون في مهن النقل ومواقف السيارات، وفي ميدان سباق الخيل واسطبلات الخيول، وعمال ومخلصو المعاملات في المرفأ، وأصحاب محطات المحروقات.. إلخ. وكانت المقاهي الشعبية في الأحياء ملتقى "مشيخات الشباب".

وفي ظل ضعف المنظمات والهيئات المهنية (النقابات) والحزبية المستقلة عن النسيج الأهلي العصبي والطائفي للجماعات، استعمل دهاقنة السياسة وأقطابها تلك الشبكات المتنوعة جسورًا لتجييش الأهالي، وإثارة هياجهم في الأحياء والشوارع وفي سوق خضر بيروت، وتهدئتهم خدمةً لحاجاتهم ونفوذهم.

شبكات هنري فرعون
كان هنري فرعون وحبيب أبو شهلا ورياض الصلح وسواهم، من أقطاب هذه المنافسات والمعارك الانتخابية، والأقوى نفوذا في شبكات "مشيخات" القبضايات وفتواتهم في بيروت ومناطق لبنانية كثيرة.

وروى ميشال الأبيض أن قرى ساحل المتن الجنوبي كانت منقسمة إلى معسكرين (كتلوي ودستوري) في ولائها الانتخابي، وفي الشبكات الزعماء السياسيين ولفيف قبضاياتهم وفتواتهم، في أربعينات القرن العشرين وخمسيناته.

وكان هنري فرعون السياسي أو "الزعيم" الكاثوليكي الدستوري، أقوى وأوسع أولئك الزعماء نفوذاً بسبب شبكة مصالحه وأعماله الواسعة. وكان دوره راجحاً في تكوين شبكات القبضايات وفتواتهم وتشغيلها، تبعاً لثروته الكبيرة وأعماله الواسعة في مرفأ بيروت وفي ميدان سباق الخيل وبين مُلاَّك الخيول وسيّاسها في اسطبلاتها بقرى ساحل المتن الجنوبي ومزارع تربيتها في البقاع، وصولاً إلى "عاصمة الكاثوليك أو الكثلكة في الشرق"، مدينة زحلة. وكانت قدراته المالية الكبيرة تجعله الممول الأساسي  للكتلة الدستورية في المعارك الانتخابية واستقطاب مفاتيحها.

"مشيخة" إميل الخوري
وفي حارة حريك كان آل الأبيض من محازبي الكتلة الدستورية. وفي وصفه "مشيخة" إميل الخوري في الحارة، روى ميشال الأبيض أن الرجل كان يستيقظ في الحادية عشرة ظهرًا، فيجد في صالون بيته جمعًا من الناس ينتظرون خروجه من غرفة نومه "مطقّمًا" (يرتدي بذلة إفرنجية وربطة عنق، ويعتمر طربوشه المائل) كي يطلبوا منه أنواعا شتى من الخدمات.

كان أولئك المنتظرون يأتون إلى بيت الخوري، تقودهم اعتبارات وعوامل شتى، متنوعة ومتداخلة، تتوافر في شخصه: عضويته أو عضوية أخيه في مجلس بلدية حارة حريك، نفوذه وسطوته وصيته بين أهاليها، وحظوته لدى أقطاب وزعماء سياسيين في الحكم يؤمّنون له شبكة علاقات بكبار الموظفين في الإدارة العامة ومتوسطي مراتبها، وبالجهاز القضائي وبضباط في قوى الأمن والجيش.

ورجال من أمثال الخوري غالبًا ما لا تُعرف لهم مهنة وعمل علنيّان محددان، سوى الظهور المتدرج على مسرح الحياة العامة المحلية الذي تختفي دائمًا في كواليسه شبكة علاقات رمادية ومتشعبة، بدونها لا قيامة لذلك المسرح وأدواره العلنية، ولا قيامة لما يسمّى في لبنان علاقات وحياة سياسية قوامها الحظوة والولاء والاستزلام والمحسوبية والشقاق والأحلاف العائلية والأهلية.

ولا تغيب أخبار الخوري وأمثاله عن مرويات قدامى الحكّائين العاميين في قرى الساحل. فهو كان صاحب دور فاعل على ذلك المسرح الرمادي وفي كواليسه، وصولًا إلى بيروت وبلدات الاصطياف كعاليه وبحمدون، ما بين الاربعينات والخمسينات.

ودور الخوري ذاك كان نسخة جديدة، حديثة ومتطورة، لدور آل الأبيض على تخوم حارة حريك أيام كانت ظلال الزمن العثماني وتقسيماته السلطانية الإدارية (متصرفية جبل لبنان، ولاية بيروت) لا تزال ماثلة في العلاقة ما بين الجماعات اللبنانية، وفي علاقاتها الداخلية. فقد كان آل الأبيض رجال أشدّاء، وحُماة مسيحييي حارة حريك ضد آل المقداد الشيعة وعشيرتهم في الحي المعرف بكنيتهم العشائرية على طرف الحارة. وما انضمام ناطور آل الأبيض في سقي حارة حريك إلى حاشية الخوري وبطانته، إلا مرآة لسطوع نجم الأخير كشخصية شبه مافيوية يشير اليها مشهد حضوره في صالون بيته.

مشهد من لبنان
هذا ما يؤكده راوٍ آخر، هو خليل خالد الفغالي (ولد سنة 1934 في المريجة)، بقوله: إميل الخوري "فرخ قبضاي" ظهر في حارة حريك في بدايات عهد الاستقلال، وكان هنري فرعون وليّه وحاميه، وراعي شبكة علاقاته ونفوذه في الإدارة العامة لقاء تجيير الخوري حظوته وسطوته المحليتين لصالح القطب النيابي الكاثوليكي الأبرز، والذي كان "شيخ الشباب" المافيوي الطابع في الحارة يستقوي به ويتجرأ على إطلاق النار من مسدسه في الهواء ترويعًا، أو مصيبًا خصومَه عندما تدعوه الحاجة والظروف.

وفي المقابل كان وليّ أمر الرجل المافيوي (فرعون)، يتكفل تخليصه من تبعات أفعاله، ويمده بأسباب الحظوة التي تمكّنه من تلبية طالبي خدماته في صالون بيته: تصريف معاملاتهم في الإدارة العامة، وتخليصهم من أحكام قضائية، ومساعدتهم في ارتكاب مخالفات والتملص من القوانين، والسعي في حيازة أبنائهم وظائف حكومية... إلى آخر قائمة هذه الأعمال والأدوار الرمادية التي غالبًا ما تسيّر شؤون الإدارة العامة اللبنانية ومعاملاتها الصغيرة منها والكبيرة.

لم تعد هذه الأدوار كلها رمادية اليوم. بل صارت علنية ومتفشية في نسيج الاجتماع والسياسة. وهناك من يقول إن لا سياسة ولا زعماء سياسيين، ولا انتخابات نيابية ولا نواباً، ولا حكم ولا حكومات، ولا مناصب ولا إدارة عامة، ولا بلديات ولاعملاً بلدياً.. في لبنان، أقله منذ استقلاله، من دون هذه التركيبة من الولاءات والعلاقات الرماية المتشابكة في "البنية التحتية" للسياسة اللبنانية المحلية.
وهي صارت ما بعد اتفاق الطائف وإبان الاحتلال السوري للبنان وتسيير المخابرات السورية شؤونه، بنية تحتية ووسطى وفوقية راسخة. وها نحن نشهد وقاحاتها العادية في كل ساعة من يومياتنا اللبنانية الكئيبة الراهنة.  
(يتبع)


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها