آخر تحديث:00:00(بيروت)
الثلاثاء 23/06/2020
share

"الليسيه" الكبرى.. أو خراب التعليم في "العهد القوي"

وليد حسين | الثلاثاء 23/06/2020
شارك المقال :
"الليسيه" الكبرى.. أو خراب التعليم في "العهد القوي" ..حتى الطبقة الوسطى ما عادت قادرة على تحمل أعباء التعليم (علي علّوش)
تتجاهل إدارة مدرسة البعثة الفرنسية (الليسيه الكبرى) مصير 500 طالب، فأعلنت أنهم تركوا المدرسة، وخفضت عدد شِعب صفوفها وصرفت بعضاً من أساتذتها. وهي تتجاهل أيضاً أن أهالي هؤلاء الطلاب يطالبونها بتمديد مهلة تسجيل أولادهم ليتابعوا تعلمهم فيها.

تهرب من الإعلام
لا تريد الإدارة التحدث إلى الإعلام. فهي محرجة ربما من تجاهلها الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها لبنان، والتي حالت دون تمكن حتى الطبقة الوسطى من تحمل أعباء التعليم، بفعل تراجع القدرة الشرائية وإقفال المؤسسات وطرد العمال والموظفين.

أهالي هؤلاء الطلاب غاضبون والأساتذة أشد غضباً، من طريقة تعامل الإدارة معهم. وأقل ما يقولونه متسائلين: كيف يرضى "العهد القوي" أن تطرد المدرسة أساتذة مضى على خدمتهم في التعليم نحو 40 عاماً؟ وكيف يقبل هذا العهد أن يقوم موظف فرنسي - راتبه أعلى بأضعاف ثلاثة من راتب أستاذ لبناني يدرّس منذ ثلاثين سنة - بطرد لبناني من المدرسة؟

هي مشكلة مزدوجة: أهالي طلاب يريدون تمديد مهلة التسجيل، بعدما أوقفت المدرسة طلبات قبولهم في 12 حزيران. ومشكلة أساتذة مصروفين، ونحو ستة منهم مضى على خدمتهم في المدرسة أكثر من ثلاثين عاماً.

لا تفاوض
إدارة المدرسة حاسمة وصارمة: من لم يدفع القسط الثالث قبل ذاك التاريخ، يُحرم من التسجيل. ورفضت أي تفاوض على تخفيض الأقساط، رغم انخفاض المصاريف التشغيلية بفعل الإقفال الذي فرضته انتفاضة 17 تشرين وانتشار وباء كورونا لاحقاً.

بعض أهالي الطلاب احتجوا على طريقة تعامل الإدارة معهم ومع الأساتذة. فهم عندما قرروا تسجيل أولادهم في مدارس البعثة، قرروا ذلك انطلاقاً من المبادئ الفرنسية الأساسية: "الحرية والمساواة والأخوة"، ومن الرسالة الفرنكوفونية التي تبشر بها البعثة حول العالم. لم يتوقعوا أن تتصرف الإدارة معهم بطريقة أسوأ بكثير من إدارات المدارس اللبنانية. ويتساءلون: هل هذا أسلوب لائق في التعامل مع المواطنين والموظفين؟

أما الأساتذة فيقولون: الإدارة تعاملت بطريقة سيئة للغاية، مستغنية عن أساتذة كانوا من أعمدة المدرسة منذ أكثر من ثلاثين عاماً، واحتفظت بمدرّسين فرنسيين يتلقون رواتب أعلى بثلاث مرات رواتب اللبنانيين.

لم يكن الأهالي والأساتذة يتوقعون هذا التصرف من إرسالية تعرض نفسها كحاملة رسالة لتعليم المجتمعات، كما يقولون. لقد وصل الأمر بها إلى حد استشارة أهم مكاتب المحاماة في لبنان لصياغة عقود إذعان لطرد الأساتذة، ضاربة عرض الحائط الظروف الاقتصادية التي حالت دون تمكن الأهل من دفع القسط الثالث، ومانعة عنهم حق تسجيل أولادهم.

اختلاق الذرائع
لن تعود الإدارة عن قرار صرف الأساتذة، كما قال بعضهم لـ"المدن". لقد أكدت لهم الأمر أكثر من مرة وتذرعت بعدم إقدام 500 طالب على التسجيل في المدرسة للعام المقبل.

ينتظر الأساتذة مشورة النقابة وصندوق التعويضات والمحامين، لرفض العرض الذي قدمته المدرسة أو قبوله. لذا طلبوا من إدارة المدرسة التريث قليلاً، إذ كان يفترض توقيع الاستقالة التي جهزتها المدرسة اليوم الإثنين 22 حزيران.

بعض الأساتذة الذين مر على خدمتهم ثلاثين سنة في التعليم، ويتجاوز عمر كل منهم 55 عاماً، قد يستفيدون من توقيع الاستقالة: راتب تقاعدي من صندوق التعويضات. لكن عددهم لا يتجاوز الستة من أصل 54 أستاذاً صرفتهم المدرسة. جل ما قدمته الإدارة لباقي الأساتذة تعويض مالي يودع في صندوق التعويضات، والبحث عن مدرسة أخرى للاستمرار في مهنة التدريس. لكن في ظل الظروف الحالية ولجوء كل المدارس الخاصة إلى صرف أساتذتها، أين سيجد هؤلاء الأساتذة وظيفة شاغرة؟ يسألون.

صرف مهين
أحد هؤلاء الأساتذة الذين مضى على خدمتهم أكثر من ثلاثين عاماً، يروي بحسرة كيفية تبلغه قرار الصرف: الطريقة غير لائقة. من دون أي علم مسبق، اتصلوا بي وقالوا لي: أنت مصروف، والمدرسة استغنت عن خدماتك. ويسأل: هل بهذه الطريقة يصرفون أساتذة خدموا المدرسة لأكثر من ثلاثين عاماً؟

أوضاع بعض هؤلاء الأساتذة مأساوي فعلاً: منهم من فقد أحد أفراد أسرته عمله بسبب الأزمة. ومنهم من لديه حتى ظروف خاصة وأقساط بيوت، فضلاً عن تسجيل أولاده في المدارس. بعضهم لم تتبق أمامه إلا سنة أو سنتين للوصول إلى الثلاثين سنة خدمة، والتي تمكنه من الحصول على معاش تقاعدي. لكن الإدارة لم تلتفت إلى هذه الأمور، يقول الأساتذة.

أرباح فائضة
أما الأهالي الذين يطالبون بقبول تسجيل أولادهم، فباتوا أيضاً متخوفين على مستقبلهم. فالمدرسة - وفقهم - قررت إقفال الشعب وصرفت الأساتذة، عملاً بحسابات فقدان 500 طالب. بالتالي في حال قبلت الإدارة تسجيل الطلاب ورضخت لمطلبهم، ربما تمتلئ الشعب بعدد طلاب أكثر من المسموح به. لذا تكون المدرسة قد طردت الأساتذة وخفضت نفقاتها، وزادت أرباحها بضم طلاب جدد. لذا يسألون: هل يعقل أن تضع الإدارة الأهالي بهذا المأزق؟ ألن تضع الإدارة الأهالي بمواجهة في ما بينهم؟ فالأهل يدفعون أموالاً طائلة للحصول على تعليم جيد، فكيف سيكون الوضع في صفوف تضم عدد طلاب أكثر من المسموح؟  

ووفقاً لمعلومات "المدن" دعت إدارات الليسيه كلها إلى عقد اجتماع الساعة الرابعة النصف يوم الأربعاء المقبل، مع الأساتذة. والاجتماع مخصص لبحث إلغاء مخصصات الأساتذة الإضافية، وبدلات الأقدمية، وأقساط أولادهم المدرسية، وغيرها من التخفيضات والامتيازات الممنوحة، بسبب الأزمة الاقتصادية والمالية. كما سيتم التطرق لموضوع صرف الأساتذة، الذي من المفترض أن يبدأ يوم الخميس المقبل.  


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها