آخر تحديث:00:03(بيروت)
الخميس 18/06/2020
share

نكبة زحلة الأسوأ منذ 80 عاماً: مطاعم البردوني خالية

لوسي بارسخيان | الخميس 18/06/2020
شارك المقال :
نكبة زحلة الأسوأ منذ 80 عاماً: مطاعم البردوني خالية كي لا تنطفئ المطابخ، تعمل المطاعم للإعانات الإنسانية بدعم من متبرعين (لوسي بارسخيان)

اليوم، في 18 حزيران، تحتفل 36 مدينة في العالم بمطبخها المستدام، من ضمن شبكة عالمية للمدن المتميزة، أسستها منظمة الأونيسكو، وتجمع مدنًا عدة بإختصاصات مختلفة، من بينها التميز بالأكل.

مدينة التذوق
ولطالما تغنت زحلة بكونها مدينة الشعر والخمر وما يدور في فلكهما، من جلسة هنية ولقمة طيبة، جعلتها من المدن القليلة، التي نظم فيها شعر وتغنت بها أغان. جسدت "جارة الوادي" هذا التميز في تمثال برونزي على مدخلها، أضيف إليه منذ سنوات شعار المدينة الجديد: "city of gastronomy" أو مدينة التذوق.

زحلة جزء من هذه السلسلة العالمية. وهي المدينة الوحيدة في الدول العربية التي انضمت إليها منذ سنة 2004، بعدما رسمت خريطة طريقها إلى الشهرة العالمية: سمعتها في تقديم المازة والعرق، جعلت مقاهيها ومطاعمها على ضفتي البردوني "أيقونات"، لم تفقد بريقها رغم كل الظروف الصعبة التي مر بها القطاع، منذ سبعينيات القرن الماضي.

حتى صيف 2019، ظل أصحاب المقاهي يجاهدون. ورغم تراجع مداخيل السياحة في العام الماضي بنسبة 40 بالمئة، بقيت حصة زحلة من هذه السياحة وأموال المغتربين، حوالى 25 بالمئة من مجموعها العام. وهذا ما عوّل عليه أصحاب المقاهي، لتأمين استمرارية دامت أكثر من 80 سنة، لم تتوقف فيها حركة البردوني، حتى في عز الحرب الأهلية.

أزمتا الدولار والاستيراد
لكن صيف 2020 قلب المعادلة. والأمر لا يتعلق فقط بـ"كوفيد 19"، محطم القطاع الفندقي والمطاعم في العالم. بل بأزمة ارتفاع سعر الدولار وتقلبات أسعاره التي تهدد قطاع المطاعم في لبنان، وتهدد زحلة بانتزاع عمود اقتصادها.

بحسب ملحم فريحة - عضو في تجمع زحلة للمطاعم الذي تأسس لمواكبة أزمات القطاع في المدينة - "بدأت الأزمة قبل كورونا، عندما فُقد المال بالبلد. وصرنا الآن نتوقع أوضاعاً أصعب بكثير. فنحن لم نعد نعرف على أي أساس نسعر أطباقنا. وإذا كان تسعير الأطباق العربية ممكناً، فالمشكل الكبير في الأطباق الاجنبية. صحيح أننا مشهورين بمطبخنا، ولكن كل مكوناته مستوردة، إلا الخضر. وأبسط مثال على ذلك صحن الحمص الذي نتباهى بأصله، مكوناته كلها من الخارج، بدءاً من الحمص الذي يستورد من المكسيك".

تبدو الكارثة مجسدة في مشهد مقاهي وادي البردوني، بعد أيام قليلة من تخفيض إجراءات التعبئة العامة التي سمحت بفتح المطاعم بالحد الأدنى. بعض هذه المطاعم اختار ألا يفتح أبداً. وبعضها الآخر تأخر أياماً إضافية ليتخذ القرار حول صيغة إعادة تشغيل طاقم العمل. وهناك مطاعم استأنفت النشاط بطاقمها الشتوي، مستخدمة "ميزان الجوهرجي" كما يقول جان عرابي، أحد ورثة مطعم عرابي، في تقييم جدوى الاستمرار بتشغيل المطاعم لهذا الموسم.

ويشير عرابي إلى إلغاء مطعمه حجز 36 "عزيمة" يضم كل منها نحو 100 شخص، منذ تشرين الأول الماضي. أي بكلفة تشغيلية تصل إلى 120 ألف دولار.. وعلى هذا النحو جرى استقبال الموسم الحالي.

وجوم حزين
بعض المطاعم انشغلت فيها طاولات عدة ظهر الأحد. لكنها لم تكف لتزيل الوجوم على أوجه أصحابها، الذين ما اعتادوا يوماً إلا استقبال الزبون بابتسامة عريضة، وكلمة أهلا وسهلا تسبق المقبلات.

ليست الابتسامات وحدها التي اختفت هنا، بل المقبلات أيضاً. وهي مفخرة مطاعم البردوني التي كانت وتقدم 56 صنفًا منها، لـ "تشبع العيون قبل البطون". يقول عرابي "صارت هذه المقبلات خسارة كبيرة إذا ما بقي عدد الرواد مقتصرا على أعداده الحالية". ويشرح: "المطاعم في الصيف حياتنا. ولكن هذه السنة حساباتها مختلفة". وقال طوني قريطم: "فتحنا المطعم لأننا نعيش هنا، ولا مكان لنا نلجأ إليه صيفاً".

لجأت المطاعم هذه السنة إلى القوائم المعدة سابقاً، تلك التي تسمح للزبون بمعرفة تكلفته قبل اختيار وجهته، مع السماح له أيضا بإحضار مشروبه، إذا لم يكن يريد أن يتفاجأ بكلفة إضافية.

وهذه الصيغة لا تؤمن ربحا للمطعم بحسب قريطم، ولكنها تسمح أقلة بالاستمرار. وهو أساسي، "كي لا نفقد كوادرنا، والطواقم العاملة في المطبخ"، يقول ملحم فريحة.

ويملك فريحة مؤسسة تقدم خدمة المناسبات التي ازدهرت مؤخرا، وسمحت بتوسع انتشار مطبخ زحلة على الأراضي اللبنانية. ولكن لبنان اليوم بات بلا مناسبات. وسقط القطاع في بطالة مقنعة. وهذه بحسب فريحة "خسارة للمهارة البشرية الموجودة لدينا، وتسربها إلى الخارج، إذا استمرت الأزمة طوبلاً".

مطاعم دعم اجتماعي
هذا الهاجس، إلى جانب الحاجة إلى تسديد النفقات الثابتة للمطاعم - الأجارات المرتفعة، فاتورة الكهرباء، والحد الأدنى من أجرة عاملين لا يستغنى عنهم - دفعت أصحاب المطاعم إلى تشغيل قدراتهم لأهداف إنسانية. وتشغيل المطابخ بأطباق يومية ساخنة، توفر لعائلات محتاجة، بدعم من "فاعلي الخير".

يؤكد طوني قريطم الذي يشغل مطبخه للإعانات الإنسانية، أن لا أرباح مالية من هذه الخدمة الإنسانية. ونضمن ألا يخسر المزيد من العاملين في القطاع مصادر رزقهم. ويقول فريحة أنه يؤمن يوميا نحو 350 حصة. تضاف إلى 90 حصة يؤمنها قريطم. و600 حصة أخرى تؤمن عبر بلدية زحلة وأحد أبنائها الذين يملكون مطعما خارج المدينة، إلى جانب ألف حصة يقدمها مطعم يوحنا الرحيم للمحتاجين.

جوع وصبر بلا أمل
من فضائل هذه الحصص، أنها تبقي رائحة الطبيخ في المدينة، وتحافظ على مهارات زحلية في صناعة الأكل وتنويعه. ولكنها في المقابل تعكس جوعاً طرق معظم الأبواب. فكثيرون لا يخجلون من الاتصال بأي جهة واهبة، حتى لا ينام أولادهم جائعين.

لدى سؤال أصحاب المطاعم عن بصيص أمل، يقولون: لا أمل، بل مزيد من الصبر. وهناك محاولات لتمرير المرحلة الحالية، بعد تخفيض إجراءات التعبئة العامة، لتشجيع السياحة الداخلية، طالما ليس من سائح غريب هذه السنة.

وتوجه وفد من تجمع أصحاب المطاعم إلى بلدية زحلة لمطالبتها بحملة ترويجية للمدينة، من ضمن مساعي الحفاظ على شهرة زحلة مدينة للتذوق. على أن تجمع بين التشجيع على ارتياد مطاعم البردوني، والحانات التي كانت قد بدأت تشهد فورة حيوية في الصيف الماضي.

فزحلة وفقا لرئيس بلديتها أسعد زغيب "لا يمكن أن تفقد خصوصياتها. وبلديتها ترجمت ذلك بخلق جمعية للتذوق، كان يفترض أن يكون برنامجها حافلا للصيف الحالي. نؤمن بأن هذه مرحلة ستنتهي، والعبرة في الاستمرار".


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها