آخر تحديث:14:33(بيروت)
الجمعة 22/05/2020
share

يوميات الاحتجاج والذلّ: نريد فقط 2 "أمبير"!

نادر فوز | الجمعة 22/05/2020
شارك المقال :
يوميات الاحتجاج والذلّ: نريد فقط 2 "أمبير"! ذلّ في الكهرباء، ذلّ في كورونا، ذلّ في المساعدات (علي علوش)
بدءاً من الإثنين الماضي، مع بدء رفع الإجراءات الصحية والوقائية، تحرّك مئات اللبنانيين في مناطقهم للاحتجاج. على ماذا؟ على كل شيء، والتقنين الكهربائي أولاً. فكّ أسر الناس قليلاً، فخرجوا للتنفيس عن غضبهم من إهدار حقوقهم، ومن الذلّ المعاش في كل مكان.

اعتصامات عديدة، توالت مطلع الأسبوع، فعاجلتهم وزارة الصحة بالإفصاح عن رقم مخيف من الإصابات لم يسبق للبنان أن سجلّه في ظروف كورونا. من حيث لا ندري، خرج بيان وزارة الصحة للتأكيد على وجود 63 إصابة جديدة بالفيروس. رقم من المفترض أن يردع الناس ويحدّ من حركتهم، ويكبّل نواياهم الحسنة في الاحتجاج والاعتصام.

مضاربات الأرقام
واللافت أيضاً، أنّ هذا الرقم غير المسبوق، يأتي بعد ساعات على إعلان وزير الصحة حصرية إعلان نتائج الفحوص وإناطته بالوزارة بشكل كامل، ونهي أي مركز طبي عن إعلان نتائجه للمرضى المعنيين حتى. فما كان ملاحظاً طيلة الأسابيع الماضية، أنه عند التفاوض مع وفد صندوق النقد الدولي، ترتفع أرقام الإصابات وتشدّد الإجراءات.

المطلوب، ضبط الوضع في الشارع وتمرير المفاوضات من دون ضوضاء في الخلفية. وعند الحديث الدولي عن أي مساعدات ممكنة لدعم الدول النامية، على شكل قروض أو ديون، يتدنّى العدد اليومي للإصابات إلى عدد أصابع اليد الواحدة. المطلوب الإضاءة على نجاح السلطة وتسجيلها الإنجازات بغية التغرير بالهيئات المانحة، وإقناعها بتأمين الدعم لدولة قادرة على الإنجاز. كأنّ عدّاد الإصابات يخضع لمضاربات يومية، بحسب حاجة السوق السياسية. قد يبدو اتّهام السلطة بالتلاعب بالأرقام ثقيلاً. قد لا تجرؤ على ارتكاب جرم مماثل، قد تؤاخذها ضمائرها، إن وجدت. ربما. لكن الواقع يؤكد لنا منذ عقود أنّ الخداع خبز يومي لمن يحكم، ولا يمكن إلا ملاحظة المضاربات اليومية للإصابات. 

إيقاع الشارع
بين القلق الجدي من كورونا وانتشاره من جهة، وإمكانية تلاعب السلطة بالملف من جهة أخرى، يستعيد شارع الاحتجاجات إيقاعه تدريجياً. مع رفع الإجراءات يوم الإثنين، توالت الاعتصامات في كل المناطق، والعنوان انقطاع الكهرباء. اعتصام أمام شركة الكهرباء في حلبا، اقتحام معمل الجيّة من قبل ناشطين من برجا وإقليم الخروب. الثلاثاء، اقتحام شركة قاديشا في طرابلس احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي، واعتصام أمام معمل الذوق للسبب نفسه. الأربعاء، اعتصام أمام شركة كهرباء لبنان في بيروت، وإشكال بين المحتجّين وعناصر قوى الأمن، واقتحام محتجّين لمحطة ديرنبوح في الضنية، وقطع الطريق عند تحويطة الغدير في ضاحية بيروت الجنوبية للسبب نفسه. الخميس، عشرات الناشطين يعتصمون داخل وزارة الطاقة والقوى الأمنية تفرّقهم بالبطش. ليل الخميس-الجمعة، مجموعة من الثوار يدخلون محطة الكهرباء في النبطية، وتعمل فرق من الجيش على قمعهم، وقطع طريق الشويفات احتجاجاً للسبب نفسه. الجمعة، اعتصام داخل مركز الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ووقفات متزامنة في طرابلس للمطالبة بالإفراج عن معتقلين ووقف تقنين الكهرباء واعتراضاً على التمديد لمفتي طرابلس. وكل هذا يوحي كأنّ الشارع سيعود إلى التحرّك، تحديداً في ظل إعلان الإنجازات الوهمية للحكومة.

قمع مستمر
لم يكن قمع القوى الأمنية الرسمية وسحلها للمحتجّين في أكثر من اعتصام جديداً. مشهد اعتاد عليه كل المعترضين. ضرب، إهانات، هراوات، أكعاب بنادق، ودماء تسيل على أمل الترهيب. وكذلك الأمر بالنسبة للقمع الحزبي الذي تعرّض له الثوار في النبطية وكفرّمان ليل الخميس-الجمعة، حيث حضرت مجموعات من أنصار حركة أمل للاحتجاج على الاحتجاج. في الشارع، محتجّون على انقطاع الكهرباء يقمعون من قبل عناصر الأمن ومن داعمين لانقطاع الكهرباء، أو على الأقل محتجّين على الاحتجاج على انقطاع الكهرباء.

أين الكهرباء؟ 
إن كانت الاعتصامات قد تنقلّت وتزامنت في أغلب المناطق اللبنانية احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي، فيمكن السؤال بكل راحة ضمير: أين الكهرباء؟ لمن تذهب؟ المطاعم مقفلة ولا سواح (حجة التقنين السابقة)، والسياحة الجبلية متوقفة أيضاً (حجة تقنين سابقة أيضاً)، ولا معامل زادت إنتاجها ولا قطاعات إنتاجية رفعت نشاطها لتحويل الطاقة إليها وحجبها عن اللبنانيين. أين الكهرباء؟ 41 مليار و451 مليون دولار، تم أنفاقها على هذا القطاع منذ عام 1992. ليس الرقم جديداً، ولا التقنين أيضاً.

في لبنان، مواطنة أطلّت خلال النقل المباشر لقناة MTV من اعتصام وزارة الطاقة الخميس، للقول إنها تطالب صاحب مولد الكهرباء بالسماح لها بالحصول على 2 أمبير فقط. ربما تريد إضاءة لمبة شمعة، من دون الاضطرار إلى إطفائها إن دخل أحد أبنائها الحمام. تريد هذا الإنجاز فقط، لتهنأ به وتستمرّ في متابعة إنجازات السلطة. وفي مشهد ذلّ آخر، هيئة ما توزّع على الناس مبلغ 5000 ليرة لبنانية في طرابلس. إنه الذلّ الذي يحاصرنا، تماماً ككورونا الذي يحاصر بعض بلداتنا. فكم يشبه الذلّ من المرض الذلّ الناتج عن سياسات السلطة وقراراتها؟ السلطة والمرض، من نسيج واحد. وللمناسبة، هو نسيج قاتل.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها