آخر تحديث:00:07(بيروت)
الجمعة 22/05/2020
share

عيد طرابلس البائس.. إنهم يتفرّجون على الحلويات فقط

جنى الدهيبي | الجمعة 22/05/2020
شارك المقال :
عيد طرابلس البائس.. إنهم يتفرّجون على الحلويات فقط في السوق العريض لا نسمع إلا التأفف من الغلاء (المدن)

في حزيران 2019، كانت ليلة عيد الفطر في طرابلس داميةً، بالعمل الإرهابي الذي نفذه عبد الرحمن مبسوط، وذهب ضحيته 4 شهداء من المؤسسة العسكرية وقوى الأمن الداخلي. في تلك الليلة المشؤومة، استطاع المبسوط حامل لقب "الذئب المنفرد" الذي قتل نفسه، أن يحوّل شوارع طرابلس إلى مسرح غارقٍ بالدماء والرعب. فأحيا زمن التفجيرات وجولات العنف والمعارك والمواجهات مع الجيش. وفي الليلة الفاصلة بين انتهاء شهر رمضان وبدء أول أيام العيد، كان توقيت جريمة المبسوط مدروسًا، وربما "ذكيًا" بمنطق الجرائم، أقلّه حتّى يبقى اسمه محفورًا في ذاكرة هذه المدينة البائسة.

من جريمة إلى أخرى 
كانت جريمة المبسوط صفعةً مدويةً لطرابلس في ليلة عيدها التي تنتظرها من عامٍ لعام. وحينها، أطلق أبناؤها مرثية ضرب "الإرهاب" لعجلتهم الاقتصادية والاجتماعية، ناهيك عن تشويه صورة المدينة ووصمها بالتطرف والرجعية، في ظل الاستثمار السياسي الموبوء بالجريمة.

وفي أيار 2020، يمرّ عامٌ كامل على جريمة المبسوط، ويأتي عيد فطرٍ جديد بظروف أشدّ ألمًا وقسوة، لم تكن في حسبان أحد في تلك الليلة. مع اقتراب هذا العيد، انخفض سقف أحلام أهالي طرابلس، من مستوى السعي لتحريك العجلة الاقتصادية، إلى مستوى الاكتفاء بلقمة العيش خوفًا من الجوع فحسب. وفي ظلّ كلّ هذا القهر الجماعي، لا تتوقف الأحداث التي تذكرنا أنّ طرابلس هي خاصرة لبنان الرخوة. إنّها مدينة الهشاشة واللا شيء، بعيني السلطة وأركانها، وكلّ من يرى أهلها بنظرةٍ دونية. ولعلّ مدينة الزعامات والطائفة المسحوقة بمنطق التوازنات والأقوياء، هي أكبر صندوق بريدٍ في تاريخ البلاد، ولكلّ حدثٍ فيها عبرة ورسالة: في الانتخابات، في الصراعات، في المعارك، في الأعياد، في الحرب وفي افتعال الفِتن. وما حصل قبل يومين، جراء اعتداء مجموعة من عناصر الجيش اللبناني ضربًا على الطبيب لؤي شلبي في مستشفى دار الشفاء في طرابلس، كان دليلًا إضافيًا أنّ ما يحصل في هذه المدينة هو استثنائي، لا يشبه أيّ مدينة أخرى، مهما بلغت وصحّت تبريرات وضع حادث غير أخلاقي في خانة "السلوكيات الفردية".

ومن عيد إلى عيد
توالي الأحداث في طرابلس على مدار عقودٍ، يؤكد أنّ السلطات المتعاقبة استطاعت أن تجعل علاقة المدينة مع الجيش والأمن، شديدة التعقيد لدرجة تُظهرها مرّة "ظالمةً"، كما نفذ المبسوط مجزرةً إرهابية بحقّ العساكر، ومرّة "مظلومةً" كما اعتدى العساكر على طبيبٍ أعزلٍ في قلب قسم الطوارئ. وما بين حدثٍ وآخر، يبقى أهالي طرابلس البسطاء رهائن لعملية ابتزاز كبرى على مستوى لبنان، فلا يتوقفون عن تقديم "صك براءتهم" لإثبات محبتهم للجيش وتقديم الورود لجنوده، وأنّهم مدينة العيش الواحد لكلّ المشارب والمذاهب. حتّى لقب "عروس الثورة" الذي أُطلق على طرابلس، كان في إحدى أوجهه يهدف لإثبات أنّ طرابلس ليست "قندهار لبنان"، ولا تهوى عزلتها المعنوية عن الخريطة اللبنانية، وإنما هي مدينة رحبة تفتح ذراعيها للجميع وتنتفض على سلطةٍ ظلمتها، وتطالب بإسقاطها.

وما بين عيد 2019 وعيد 2020، أحداث كبرى هزّت لبنان، ثمّ انفجرت ثورة 17 تشرين الأول، وما تبعها من انهيارٍ مدوٍ في الاقتصاد والليرة والأمن الاجتماعي والغذائي، وتداعيات الحجر لشهورٍ هربًا من فيروس "كوفيد – 19". في ليلة عيد 2019، هرب أبناء طرابلس من الشوارع والأسواق والمقاهي إلى منازلهم، خوفًا من رصاصات المبسوط وانفجارٍ آخرٍ قد يقضي على حياتهم، فنغّص فرحتهم وجعل منها عزاءً. أمّا قبل أيامٍ من عيد 2020، لم يصدق أهالي المدينة تخفيف اجراءات التعبئة العامة، حتّى خرجوا من منازلهم إلى الشوارع والأسواق للترويح عن نفوسهم المتعبة.

الأسى يغلب الفرح
من يمشي هذا العام في طرابلس، قبل أيامٍ من عيدها، يتحسس سعي الناس إلى اصطناع الفرح وإن كان البؤس يطغى على قسمات وجوههم. من ساحة التلّ إلى السوق العريض وساحة النجمة وشارع عزمي، فتح أصحاب المحلات أبوابهم، وهم يدركون دخلوهم لمرحلة لا مهرب فيها من الخسارة. في السوق العريض، الذي غالبا ما يكون قُبلة متوسطي الحال والفقراء، نسمع أصوات السجالات بين الزبائن وأصحاب المحلات حتى آخر الشارع. تقف سيدة تمسك بيد طفلها الصغير أمام واجهة محلٍ لبيع الأحذية. تصرخ لصاحب المحل "وينك؟"، يجيبها "قوليلي حجة". تسأله مشيرةً بيدها إلى الواجهة: "قدي سعرو هيدا الصندل لابني؟". يرد: "من الآخر وإلك 35 ألف ليرة". تغضب، فتجيبه مستنكرةً: "هيدا نفسو السنة الماضي كنت حاطت سعرو 20 ألف. كيف صار بـ 35؟ رجعو شحنولك ياه من جديد؟". يردّ حاسمًا: "هيدا سعرو وخسران فيه كمان، وإذا بعتك ياه بـ 20 ألف ما بقدر جيب غيرو".

الناس يكتظون في الأسواق ذهابًا وإيابًا، بعضهم يشتري ما استطاع إليه سبيلا، والبعض الآخر يتأفف من الغلاء الفاحش للأسعار في مدينة لم تعدّ أمًا للفقير. في أحد محلات السوق، ندخل محلًا للألبسة النسائية، تجلس فيه فتاة من بنغلادش تُدعى Chauva. نسألها عن سبب عملها في المحل، تخبرنا أنها تساعد صاحبته التي تعمل لديها في المنزل. قالت: "أريد فقط أن أعمل وأساعد صاحبة المنزل في محلها، حتى استطيع الحصول على راتبي شهريًا بالدولار، كي أرسله لعائلتي التي تحتاجه، وأشعر أن لبنان لم يعد بلدًا آمنًا لأحد منا".

في ساحة التل، حيث ينتشر الصرافون غير الشرعيين، كاللصوص في الزواريب، لاصطياد حاملي الدولارات، ندخل إلى أحد المحلات لبيع الحقائب. نسأل صاحبه عن أحوال العمل عشية العيد، فيجيب: "حركة الناس في الأسواق لا تعكس حقيقة حركة البيع والشراء، وقد تجاوزت خسائرنا الـ 100 في المئة، ونحتاج لعامٍ كاملٍ حتى نعوض قليلًا، وإلا سيكون مصيرنا الإقفال بعد أن ضربنا الإفلاس".

أمام محلات الحلويات، بعض الناس يتفرجون على صدور معمول العيد، فيما قلّة يشترون الكميات التي تعودوا عليها بعد أن تضاعفت أسعار جميع الحلويات. أمّا فاجعة تداعيات الفقر المدقع وارتفاع معدلات البطالة، فأكثر ما تتجلى في طرابلس عشية العيد في أسواق الخضار واللحوم. وجوه الناس التي تفتش عن الحاجات الأساسية في هذه الأسواق، تعكس أن شراء فاكهة الصيف والخضار واللحم وورق العنب للعيد، صار شأنًا طبقيًا غير متاحٍ لعامة الناس العاجزين عن تأمين كلفتها الباهظة من جيوبهم الفارغة. ومع ارتفاع معدلات المصابين بفيروس "كورونا" في الساعات الأخيرة، لم يكترث بعد أهالي المدينة، إلى حين إعلان التشدد في تدابير التعبئة العامة، وهم يدركون في نفوسهم أنّ لا مكان لأيّ عيدٍ هذا العام.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها