آخر تحديث:00:01(بيروت)
السبت 02/05/2020
share

بشرّي.. للاقتداء بها عالمياً

سامي خليفة | السبت 02/05/2020
شارك المقال :
بشرّي.. للاقتداء بها عالمياً يعود نجاح بشري في التصدي للجائحة أيضاً للخدمات التطوعية التي بذلها أبناؤها (المدن)

عاشت بشري قبل بضعة أسابيع أصعب أيّامها، بعد تفشّي فيروس كورونا فيها. وبفضل الجهود الاستثنائية التي بُذلت، نجح أبناء بشري بالسيطرة على الوباء بشكل كبير، والحدّ من سرعة انتشاره، ما جعلها نموذجاً، سلطت مجلة "فورين بوليسي" الأميركية الضوء عليه، كمدينة يمكن الاقتداء بها عالمياً لنجاحها الباهر في كبح انتشار الجائحة.

مثال ناجح للعالم
لا تتصدّر مدينة بشري النائية في شمال لبنان عناوين الأخبار الوطنية عادةً، لكن استجابتها الفريدة لوباء الفيروس التاجي دفعتها إلى دائرة الضوء. وكانت نقطة التحوّل في بشري مع إعلان الطبيب يوسف طوق، ابن مدينة بشري منذ أسابيع إصابته، بعدما كان القضاء الأصغر في لبنان خالياً من الإصابات، منذ انتشار الفيروس في لبنان منتصف شباط 2020.

سجل أصغر قضاء في لبنان، ارتفاعاً لافتاً بالإصابات وصل إلى 47 حالة في 8 نيسان المنصرم. ويعدّ هذا الرقم مرتفعاً مقارنة بالإصابات المسجّلة على صعيد لبنان. وسرعان ما قررت بلدية بشري إغلاق المدينة الجبلية الصغيرة، ما خلق شعوراً بالصدمة في جميع أنحاء لبنان. تبع ذلك جنون إعلامي، وطرح أسئلة حول ما إذا كان هناك تفشياً مدمراً وشيكاً في بشري، سيصيب في نهاية المطاف كافة أنحاء البلاد.

بصرف النظر عن حظر التجول ليلاً، وقيود السفر، والحد من حركة المرور، لم تلجأ الحكومة اللبنانية لعزل منطقة في خضم المعركة ضد الفيروس سوى في بشرّي. لذلك ترى "فورين بوليسي"، أنه مع ما يقدر بنحو 5 آلاف من السكان، تشبه بشري بعض المدن النائية الأخرى حول العالم، التي ساعدت نفسها بنفسها للتصدي للجائحة، وهي أصبحت نموذجاً يُحتذى به تماماً كبلدة زاهارا دي لا سييرا في جنوب إسبانيا، التي قهرت كورونا بعد أن أبرز مخالبه فيها، حين اعتمدت في المقام الأول على مجتمعها المحلي لاحتواء الوضع، بينما كانت الحكومة اللبنانية تكافح لتأمين المساعدة المالية والطبية.

تكثيف الاختبارات
يقول مدير مستشفى بشري الحكومي، آدي لظم، في حديثٍ مع المجلة الأميركية، أنه تم تخصيص طابق من المستشفى لمرضى الفيروس التاجي، بينما تم تجهيز طابق في مستشفى غير مكتمل البناء كمرفق للحجر الصحي. وأضاف: "لقد شكلنا فريق استجابة بشكل استباقي، فأصبح من المستحيل إعداد التقارير محلياً بعد إغلاق البلدة. وعلى الرغم من القيود المالية، اتخذنا أشد التدابير الممكنة لمنشآتنا، بما في ذلك التعقيم والأقنعة وكل شيء تقريباً".

بعد ما يُقارب فترة الشهر من ظهور أول حالة إيجابية تم تشخيصها، لدى بشري اليوم ما لا يقل عن 70 حالة مؤكدة مصابة بفيروس كورونا المستجد، أي ما يُعادل أكثر من 10 في المئة من الحالات المؤكدة في جميع أنحاء البلاد. لكن في الوقت نفسه، ربما يرجع هذا العدد الكبير نسبياً، لإجراء بشري اختبارات أكثر للأفراد مقارنةً بالبلديات الأخرى في لبنان.

من جهته، تحدث رئيس بلدية بشري فريدي كيروز، عن تكثيف الاختبارات في القضاء الشمالي، قائلاً "أجرينا 400 اختبار هذا الأسبوع وحسب، حتى نتمكن من رؤية كيف تتقدم الأمور". وتابع "الأعداد الكبيرة لا تعني أن وضعنا سيء، بل هذا مرده أننا نختبر على نطاق واسع. بدأنا الاختبار في الأماكن التي تجري فيها الكثير من التفاعلات البشرية، كمحطات الوقود، والمتاجر، والصيدليات، وما إلى ذلك".

تقصير المستشفيات الخاصة
ضرب الفيروس التاجي لبنان في وقتٍ تمر به البلاد بأسوأ أزمة مالية في تاريخها. حيث فقدت الليرة اللبنانية، المرتبطة رسمياً بالدولار الأميركي، نصف قيمتها في السوق السوداء في ستة أشهر وحسب، ويعني النقص في الدولار الأميركي أن البلد يكافح لاستيراد المواد الغذائية الأساسية والوقود والطبية والمعدات والأدوية المنقذة للحياة.

وعلى الرغم من امتلاك لبنان مستشفيات خاصة مرموقة، تمتلك أحدث أنظمة الاعتماد والجودة وأبرز الكوادر الطبية، إلا أنها اتخذت، حسب المجلة، نهجاً محافظاً للغاية لمكافحة الجائحة؛ مع تخصيصها 20 سريراً فحسب في كل مرفق لمرضى كوفيد-19. وحتى مع تبرع حكومة الولايات المتحدة الأخير بمبلغ 5.3 مليون دولار للمستشفيات الخاصة للمساعدة في "تخفيف" عبء الفيروس، فإنه من غير الواضح ما إذا كان ذلك سيحفزها على استقبال المزيد من المرضى.

مبادرات مجتمعية
يعود نجاح بشري في التصدي للجائحة أيضاً للخدمات التطوعية التي بذلها أبناؤها، وهنا تضيء المجلة الأميركية على دور ابنة بشري، غوى فخري، التي تُعد جزءاً من مبادرة مجتمعية تُسمى "فريق بشري للأزمات". كانت فخري وزملاؤها من بين العديد من الناس في بشري الذين شكلوا بسرعة مبادرات مجتمعية لتنسيق جهود المساعدة الفعالة وتوزيع المال والحصص الغذائية للأسر الضعيفة، التي أصبحت في حال عوزٍ بعد أن أرهقها الوباء.

وقالت فخري لـ "فورين بوليسي": "لقد كنا على اتصال بالحكومة المحلية والكهنة والنواب وغيرهم من أصحاب النفوذ في المجتمع، وكان معظمهم داعمين ومتعاونين. هدفنا هو التأكد من حصول كل المحتاجين، من دون استثناء، على نصيبهم العادل من الدعم والقيام بذلك بطريقة منظمة وشفافة".

دور الأحزاب السياسية
ولكن، كما هو الحال في بقية لبنان، حيث الخدمات الاجتماعية التي تمولها الدولة ضئيلة، يعتمد سكان بشري أيضاً على شبكات المحسوبية الواسعة في البلاد التي تديرها الأحزاب السياسية وأمراء الحرب وكبار رجال الأعمال الذين سدوا فجوة الدولة لعقود. وتُعد بشري معقلاً سياسياً لحزب القوات اللبنانية، ومسقط رأس رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية سمير جعجع وزوجته النائب ستريدا جعجع.

عن دور الأحزاب السياسية في مكافحة كورونا في بشري، قال هاني رحمة، وهو ناشط في حزب القوات اللبنانية، للمجلة الأميركية، إن القوات اللبنانية ساعدت في رفع مستوى المستشفى الحكومي وقدمت فحوصات و 1500 حصة غذائية للفقراء.

ومن بين من تبرعوا باسم القوات اللبنانية كان وزير الصحة السابق، ورجل الأعمال اللبناني-البريطاني غسان حاصباني، الذي تبرع بـ 100 مجموعة اختبار. وبعد أيام فقط من تأكيد الحالة الأولى في بشري، أعلن المستشفى الحكومي عن تلقيه 800 مجموعة اختبار: 300 من الشتات اللبناني في أستراليا و 500 من مكتب وليام طوق، وهو سياسي منافس للقوات اللبنانية.

وتختم المجلة الأميركية بالقول، أن الأحزاب السياسية في لبنان اتخذت مبادرات مماثلة، بما في ذلك أصحاب الثروات الهائلة ورئيسا الوزراء السابقين سعد الحريري ونجيب ميقاتي، والتيار الوطني الحر وغيرهم، لكن هذه الجهود من القمة إلى القاعدة لم تتطابق مع التعبئة الكبيرة التي بذلتها بشري لتصبح مرجعاً في التغلب على فيروس كورونا.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها