آخر تحديث:16:36(بيروت)
السبت 16/05/2020
share

عشيرة المقداد وآل الأبيض بحارة حريك مثالاً لمصير لبنان

محمد أبي سمرا | السبت 16/05/2020
شارك المقال :
عشيرة المقداد وآل الأبيض بحارة حريك مثالاً لمصير لبنان من تصوير مسلسل تلفزيوني يستعيد على نحو فلكلوري حقبة مطلع القرن العشرين (Getty)
روى ميشال الأبيض (ولد سنة 1930 على تخوم حارة حريك) سيرة توطن عائلته في الحارة، فذكر أن والده إلياس، المولود مطلع القرن العشرين في فالوغا بأعالي المتن، اصطحبه من موطنه الأول هذا رجلٌ من آل دكاش (كبرى عائلات حارة حريك وأقدمها توطنًا فيها) كان يصطاف مع عائلته في فالوغا. ثم شغّله في كرخانة للحرير في الحارة بُعيد الحرب العالمية الأولى.

قوة الغرباء
بعد مدة قصيرة اشترى إلياس الأبيض، عامل الكرخانة الشاب، "عودة" (قطعة أرض صغيرة، يُكنِّي اسمها عن عودة من مهجر للاستقرار في موطن الأهل)، على طرف سَقْيِ الحارة (أراضٍ زراعية وبساتينُ تُسقى بمياه الينابيع) الشرقي، الخالي من السكان، فأنشأ عليها العاملُ المهاجر كوخًا يأويه، وأخذ يزرع العودة. وسرعان ما استقدم الياس الأبيض زوجته وبكر أولاده من فالوغا لإقامةٍ عائلية زراعية دائمة في السقي. فأنجب في سنوات سبعٍ أبناءً سبعة، منهم الراوي المولود سنة 1930.

في الأثناء كان والد الراوي قد استقدم أيضًا إلى موطنه الجديد إخوته الثلاثة مع أبنائهم الذين راح عددهم يتزايد، فصار عدد أبناء كل من الإخوة الثلاثة ما بين خمسة وسبعة. هكذا نشأت "ديرة زراعية" عائلية، بعدما توسّعت أملاك آل الأبيض في ظاهر أو على تخوم دوائر السكن الأقدم زمناً في حارة حريك: "على باب البوغاز (خلاء تعبره رياح قوية باردة في الشتاء) حيث ساعدتنا كثرتنا العائلية - روى ميشال الأبيض - على التصدي للغرباء، بالرغم من أننا أصغر عائلة في الحارة".

والغرباء الذين تكتّم الأبيض عن تسميتهم، أفصح عنهم رستم المقداد (ولد سنة 1944 في حي آل المقداد العشائري على طرف حارة حريك أيضاً): هم من أبناء عشيرته، ومن آل عواد والخنسا، الشيعة الذين بدأوا ينزلون مطالعَ عشرينات القرن العشرين من جرود جبيل، إلى الطرف الشمالي لكل من برج البراجنة (الشيعيّة) وحارة حريك (المسيحية).

ميشال الأبيض الذي أبى أن يذكر من هم "الغرباء"، اكتفى بالقول إنهم "ليسوا من الحارة، وكانت تحصل بيننا وبينهم مناوشات ومشاجرات عنيفة". وشدّد على موقع إقامة عائلته الموسّعة في "الخلاء على الحدود ما بين الحارة والرويس وبرج البراجنة. وهذا ما نشَّأَنا - قال - على أدوار التصدي والمنازلة التي تتطلب الشدة والسطوة والبأس".

رستم المقداد شدّد على ذلك أيضًا: "كان رجال آل الأبيض بطّاشين لا يرحمون"، من دون أن يتكتّم عن أنه كان من المعدن نفسه: "شيخ شباب، أو قبضاي" في حيّ عشيرته على طرف حارة حريك، غير بعيد من "ديرة" آل الأبيض العائلية، وفي مواجهتهم.

حُماة الثغور
الدور الذي تصدّت له عائلة الأبيض ونشأت عليه - تصديها لحماية أهالي حارة حريك المسيحيين في مواجهة عشيرة أل المقداد الشيعية، وحيازتها الانتساب إلى الحارة، موطنها الجديد، والتأصّل فيه - ألا يشبه أدوار الحاميات العسكرية في الثغور الأسلامية التي يتكرر حضورها في التراث العربي الإسلامي، ومنه التراث العثماني المتأخر زمنًا، والذي كانت ظلاله لا تزال ماثلة في الاجتماع اللبناني؟

حسب ميشال الأبيض، جعل ذلك الدور عائلتّه صاحبة "صولات وجولات" في موطنها الجديد، أو ديرتها الجديدة - الحامية. ودورها هذا إياه هو الذي أدى إلى أن تستمد ديرتهم اسمها من كنيتهم العائلية، فصارت تُسمى حي الأبيض المعروف، والمتداول اسمه في ساحل المتن الجنوبي، أو ضاحية بيروت الجنوبية حتى اليوم.

والدور العائلي نفسه هو الذي أهّل عمّ الراوي، حليم الأبيض، بكر إخوته الوافد من فالوغا، ليعيَّن في ثلاثينات القرن العشرين ناطورًا على بساتين الحارة وأقنية مياه سقيها. وهذا لأنه كان "صاحب أدوار ومراجل وقبضنة"، تعضدها شكيمة رجال العائلة الموسّعة وشبّانها في السقي، على تخوم المجتمع الذي وفدوا اليه، وأقاموا نواة سكنية خارج مركزه السكني الأقدم عهدًا، ودافعوا عنه، وعملوا في مهن تتطلب جهدًا عضليًا أكسبهم قوة وبأسًا أقرب إلى فطرة الطبيعة.

فوالد الراوي ميشال الأبيض، بعد انهيار الأعمال الزراعية والصناعية المتصلة بالحرير، عمل "مورّق بناء": تطيين جدران البيوت والمباني وسقوفها بالإسمنت. هذه مهنة، إلى سواها من أعمال البناء، كالطرش والدهان، راجت وانتشرت بين أبناء الفئات العاميّة في حارة حريك والمريجة، وعمل فيها اثنان من إخوة الياس الأبيض (مؤسس موطن العائلة الجديد في حارة حريك) وأولادهما، فصاروا من ملتزمي أعمال "التوريق" في المباني الجديدة، إلى جانب الزراعة وتربية الأبقار وبيع حليبها.

وبعدما كانت والدة الراوي (ميشال الأبيض) تنقل على رأسها الخضر في مواسمها لبيعها في سوق خضر بيروت - مرورًا بقصقص، حدود المدينة في آخر أيام عهدها مركزًا أو عاصمة لولاية عثمانية، حيث كان الباعة يدفعون "دخولية" ليُسمح لهم باجتياز حدودها - صار والده صاحب مزرعة أبقار (تحوي 40 - 50 رأسًا) من كبريات مزارع الحارة.

نواطير الحنين
الناطور من أشخاص الحنين في الأغاني اللبنانية وفي لوحات المسرح الغنائي الاستعراضي اللبناني في الربع الثالث من القرن العشرين. وهو في صور الحنين الفولكلوري تلك، شخص مرسوم بألوان مائية رقيقة زاهية، وجوّاب دروب وبساتين وحقول ومزارع و"حفافي" (حواف، حافات) وأقنية ري. وفي "المنطرة" (خيمة أو عرزال أو بناء بدائي للناطور) يُمضي ناطور الأغاني واللوحات الفولكلورية أوقاتًا من نهاراته ولياليه وحيدًا أو مع رجل "برّي" مثله من الرعاة أو المكّارين العابرين. ضوء فانوس شحيح أو ظلال من ضوء القمر والنجوم البعيدة، تنير منطرته في عتمات الليل.

لكن ناطور المرويات والسير العامّيّة يختلف عنه في صور حنين الفن الفولكلوري ولوحاته.

فمن هذه المرويات والسير يطلع نواطير قرى الساحل رجالًا أشدّاء، غالبًا ما يبدأون عملهم وافدين أو طارئين على دوائر الاجتماع القروي، فيؤهلهم دورُهم وعملهم "البرِّيان" وإقامتُهم على تخوم تلك الدوائر، للانتقال إلى أعمالٍ وأدوار أخرى في خضمّ تغيّر نمط العيش والعلاقات الاجتماعية.

وفي مرويات ميشال الأبيض وخليل الفغالي (راوٍ آخر من مواليد المريجة سنة 1934) يستمد النواطير حضورهم من الوظيفة الحيوية التي يوكّلهم بها أهالي القرى الزراعية: حماية البساتين، إدارة توزيع مياه الري من الأقنية، مراقبة تدفقها وجريانها فيها، ووصولها في مواقيت معينة إلى أراضي السقي.

كان عمل النواطير يتطلب نوعًا من الرجال الأشدّاء في زمن اجتماعي كانت القوة العضلية أو البدنية من أعمدة أعماله ومهنه وقيمه وعلاقاته العاميّة. ولا يخفى تأثير شخصية الناطور ودوره وحضوره، على الراوي الفغالي وميوله منذ طفولته التي ارتسم فيها الناطور مثالًا له ولسواه من أمثاله. فابن عم والده، المدعو مسعود، والمولود عام 1888 في المريجة، كان من فتّوات مرفأ بيروت منذ عشايا الحرب العالمية الأولى حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، قبل تعيينه ناطورًا على بساتين السقي في المريجة وتحويطة الغدير، وصولًا إلى كروم الزيتون في صحراء الشويفات.

انجذب الراوي الفغالي في فتوته إلى شخصية قريبه ودروه، حكاياته ورحلاته: شاربان مفتولان، على خصره مسدس وخنجر وجناد (زنار جلدي) من الخرطوش، وبندقية صيد معلقة بكتفه. أثناء رحلاتهما معًا في الحقول والبساتين، افتُتِن الفتى بحكايات الناطور القديمة، أيام كان في عتمات الليل يهرّب بقاربه الصغير بعض مهاجري جبل لبنان من المرفأ إلى سفن الهجرة. كما يهرّب من السفن أسلحة المهاجرين العائدين من أميركا إلى لبنان.

تبدو هذه الصور كأنها مستلة من فيلمي الأخوين رحباني "سفر برلك" و"نجمة بنت الحارس"، أو كأن أدوارًا وصورًا من الفيلمين مستلهَمةٌ من شخصية الناطور في رواية الفغالي وأمثالها. لكن ذلك الاستلهام يحوِّل ناطور المرويات شخصية فولكلورية للتندر والحنين. أما اللافت في رواية الفغالي فهو اكتساب قريبه الناطور مسعود قوةً بدنية، ودورَ فتّوة خارج ضيعته المنقطع عنها طوال عمله في المرفأ. فالعمل هذا يتطلب تلك القوة وينمِّيها، وهو الذي أهّل صاحبه ليكون ناطورًا في الضيعة. وهذا يتكرر في مرويات ميشال الأبيض: بنية النواطير البدنية القوية التي مكّنتهم من القيام بعملهم "البرّي"، تصدر عن ميل فطري وعن عامل آخر اجتماعي: نشأة هؤلاء الرجال وإقامتهم خارج دوائر الاجتماع، وعلى تخومه، كأنهم من الطفّار أو الطيّاح التائهين في المرويات الشعبية اللبنانية في عشايا الحرب العالمية الأولى وغداتها.

مشردو الحرب
في وجه من وجوهها، تشير هذه المرويات والصور المتكررة في الفنون الفولكلورية، إلى أن النواطير وأصحاب المقاهي والخمّارات، غالبًا ما كانوا يشرعون في أعمالهم هذه بعد عودتهم من رحلات تشرّد وفرار، للإقامة والاستقرار والتوطن، أو بعد هجرتهم من مواطنهم للإقامة في موطن جديد، لكن على تخوم دوائر السكن في مجتمع محلي أخذ ينحو نحو الاستقرار، وبدأت تنشأ فيه أعمال وأدوار جديدة ومتجددة، بعيد الحرب العالمية الأولى. فالمرويات الشعبية والصور الفولكلورية والسّير العائلية في مناطق لبنانية مختلفة، تتقاطع في اعتبار الحرب الأولى منعطفًا أسّس لانتقال الحياة الاجتماعية من حال إلى حال، بعد كارثة كبرى أصابت البلاد وأهلها، بسبب الحرب إياها التي وضعت خاتمةً للزمن العثماني. لكن تلك الخاتمة خلّفت وراءها نماذج من الشخصيات المتكررة: الهاربون من التجنيد الإجباري، التائهون المشردون، العائدون من هجرات في أميركا ومصر وفلسطين، المشردون هربا من الجوع والقلّة والقحط في ديارهم، بحثًا عن سبب للعيش في ديار أخرى، بعد موت أهلهم جوعًا أو بأوبئة قاتلة.

ومهجروها الجدد
أما مهجرو الحروب الأهلية الملبننة (1975 - 1990) ومشردوها في الديار اللبنانية، وخصوصاً المسيحيون والشيعة، فكانوا المادة البشرية، التي جهّزها العري والبؤس لتتلقفها أجهزة الميليشيات الحربية: القوات اللبنانية المسيحية، وحركة أمل الشيعية، ثم حزب الله الشيعي.

وهذا الحزب الأخير - المولود من رحم خراب العمران والاجتماع الشيعي واللبناني، ومن تبعات الاحتلال الإسرائيلي - أطال أمد الحروب الأهلية الإقليمية في لبنان والمنطقة، فيما تعهدت الحريرية السياسية إعادة إعمار لبنان، برعاية عربية ودولية ينخرها عسيس دولة الحرب الأمنية الأسدية في سوريا.

ولبنان القرن العشرين، مجتمعاً ودولةً، ألم يتأسس على نزاعات وأحقاد ومهادنات أهلية وجماهيرية، تشبه ما حدث بين آل المقداد وآل الأبيض في حارة حريك؟

وما نعيشه اليوم في لبنان من انهيار مشروع  الإعمار، ومن تعملق حزب الله على خراب لبنان وسوريا، أليس من ثمرات تحول المنطقة كلها إلى جماعات ينطوي تناحرها على أصداء من ما حدث في حارة حريك؟ 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها