آخر تحديث:16:03(بيروت)
الأحد 10/05/2020
share

مصارف البؤس تحمي إفلاسها بالحديد

محمد أبي سمرا | الأحد 10/05/2020
شارك المقال :
مصارف البؤس تحمي إفلاسها بالحديد جدرانٌ وبوابات حديد، ضخمة شاهقة وكئيبة، ترتفع أمام المصارف (علي لمع)
ليكتمل مشهد البؤس والسواد في اليوميات اللبنانية الراهنة،  باشرت مصارف كثيرة في بيروت والمناطق بتصفيح أبوابها وواجهاتها الزجاجية المهرجانية الأنيقة في الأيام الخوالي، لتصير شبيهة بالسجون والمعتقلات.

حروب المصارف
جدرانٌ وبوابات حديد رصاصية ضخمة شاهقة ترتفع أمام المصارف، كئيبةً في الطبقات الأرضية من البنايات السكنية والتجارية، تحسباً للآتي من أيام المصارف وأيام اللبنانيين الأشد سواداً من أيام الحروب، تلك التي لم تعمد المصارف فيها إلى تصفيح أبوابها بالحديد، أسوة بسائر المحال التجارية.

فحروب المصارف على موديعيها واللبنانيين جميعاً اليوم، بدأت منذ شهور بالأكاذيب. فبدل أن تعلن إفلاسهما أقدمت، مع السلطات المالية والسياسية اللبنانية، على تطمين اللبنانيين على ودائعهم التي تحولت أرقاماً مجردة، وسُمِّيت ودائع قديمة أو بائتة، غير قابلة للاستعمال.

ومنذ أيام، سبقت التصفيح الحديدي، باشرت المصارف السماح للمودعين بسحب مبالغ صغيرة من ودائعهم القديمة البائتة بالدولار، شرط أن يسحبوها بالليرة اللبنانية بسعر حوالى 3000 ليرة للدولار الواحد الذي كان سعره حوالى 1500 ليرة قبل الإفلاس.
وجاء هذا الإجراء بالاتفاق بين مصرف لبنان وجمعية المصارف، لتزويد الموديعين بنزر ضئيل من ودائعهم بالليرة اللبنانية الهابطة من حضيض إلى حضيض مقابل الدولار، وارتفاع أسعار السلع المدولرة إلى ذرىً غير مسبوقة.

خبز الأفلاس 
وهذا يعني أن الأموال المودعة بالدولار، والمسحوبة من المصارف بالليرة، تفقد ثلثي قيمتها. ذلك لأن السلع في السوق تُسعّر حسب قيمة الدولار التي تتجاوز 4300 ليرة في سوق الصرف. وهكذا تكون المصارف قد استولت على جزءٍ من دولارات مودعيها، بإرغامهم على تسييلها وتحويلها إلى الليرة اللبنانية التي فقدت قيمتها، كي يشتروا بها حاجاتهم اليومية الضرورية والملحة.

واندفع صغار الموديعين بالمئات يومياً إلى فروع المصارف في المناطق اللبنانية، وازدحموا وتزاحموا على أبوابها مكمّمين اتقاء من عدوى كورونا. وبدا مشهد المصطفين أمام أبواب المصارف في بيروت شبيه بصفوفهم أمام أبواب الأفران في أيام الحرب والبؤس. في تلك الأيام السود كان عدد المصارف محدوداً، قياساً إلى عددها الراهن وانتشار فروعها كالفطر في سائر المناطق والأحياء. وهي ظلت آنذاك خارج دورة الخوف البؤس ودبيب العنف في حياة اللبنانيين اليومية.

وفي نهاية الثمانينات، عندما انهارت قيمة العملة اللبنانية تجاوزت قيمة الدولار نحو 3000 ليرة أيام الحروب السلطوية العونية، خسر اللبنانيون مباشرة قيمة ودائعهم التي كانت بالليرة اللبنانية. وبدأت بطيئاً دولرة الحياة الاقتصادية، وانهارت إلى حضيض الحضيض رواتب العاملين في سائر القطاعات.

لكن لا المصارف ولا السلطات المالية الحكومية كانت آنذاك من مسببات الانهيار الاقتصادي والمالي، بل الحروب الأهلية الإقليمية المديدة، وما ألحقته بلبنان من دمار اقتصادي وتهجير وهجرات خارجية، وانقطاع عن العالم. وخصوصاً ما بعد احتياح الجيش الإسرائيلي لبنان صيف 1982، وترحيل مقاتلي المنظمات الفلسطينية وقادتها منه. وطوال الثمانيات استكمل اللبنانيون حروبهم بالوكالة وبالأصالة عن أنفسهم، حتى اختتمها الجنرال ميشال عون بجولتين من حروبه التي دمرت ما تبقى من حياة لبنان واقتصاده المنهك.

أفق أسود
واليوم، في منتصف عهد الجنرال الرئاسي، ينهار الاقتصاد وتفلس الدولة والمصارف انهياراً وإفلاساً كاملين وغير مسبوقين في تاريخ لبنان. لكن الجنرال الرئيس ورهطه السياسي الذي وصل إلى الحكم منذ 15 سنة، وتقاسموه مع سائر الرهوط النافذة، يتبرأون كل نهار من ذلك كله، ويرمونه على كاهل الحريرية التي تصدرت المشهد السياسي اللبناني في العام 1992 واختططت مساراً ومصيراً جديدين للبنان واللبنانيين، أخرجاه من بؤس الحروب، وأعاداه إلى خريطة العالم الاقتصادية والسياسية.

جدران وبوابات الحديد التي تنتصب أمام المصارف، تستعيد بؤس لبنان وكآبته وفقره في أيام الحروب. لكن اليوم لا يبدو أن هناك في الأفق سوى حضيض الحضيض الذي  يعد اللبنانيين به حزب الله وعهده العوني. 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها