آخر تحديث:00:05(بيروت)
الثلاثاء 07/04/2020
share

الجميع يعود إلى الزراعة: "حواكير" الجنوب تستعيد خصوبتها..

حسين سعد | الثلاثاء 07/04/2020
شارك المقال :
الجميع يعود إلى الزراعة: "حواكير" الجنوب تستعيد خصوبتها.. الجنوبيون العائدون إلى إحياء الحواكير مدرسون ومهندسون وسائقون عموميون.. (المدن)

منذ سنوات طويلة لم يشعر تراب حاكورة أبو علي (قطعة أرض قريبة من بيته) بهذا الدلال: لقد ثلّمها (حفر في ترابها أثلاماً منتظمة) في هذا الموسم، فبدأت تُنبِتُ أنواعاً من الخضر الموسمية.

زراعة بيتية/جنائنية
ولطالما كانت الحواكير تلبي لسكان القرى الجنوبية بعض الحاجات الاكتفائية، من خضر وأعشاب مروية، مثل البقدونس والنعناع والكزبرة والهندباء والسبانخ والفجل والجرجير والبصل والبندورة والخيار والباذنجان وسواها.

وحاكورة أبو علي التي أُهملت لسنوات، فكسى ترابها عشب الهجران البري، هي واحدة من مئات الحواكير في قليل القرى التي لم يغزها الإسمنت، فعادت تنعم بالاهتمام الذي فرضته قسوة الأزمة الاقتصادية والمعيشية من ناحية، والحجر المنزلي اتقاءً من وباء كورونا من ناحية أخرى. فالوباء المستجد فرض على الناس استعادة ما يمكن استعادته من طقوسهم وعاداتهم القديمة المنسية، ومنها إحياء الحاكورة وترابها ونباتاتها.

والجنوبيون العائدون إلى إحياء الحواكير مدرسون ومهندسون وسائقون عموميون، وسواهم من العائدين من المدن وضواحيها إلى قراهم وبلداتهم للحجر المنزلي فيها، لأنها أكثر رحابة، وتمكنهم من استغلال أوقات الفراغ القسرية للترفيه المجدي والمتعة الزراعية والاستفادة من المزروعات البلدية الطازجة.

وتزايد الطلب على الشتول والبذور تزايداً غير مسبوق في الجنوب. ولم تستطع المشاتل الزراعية، على كثرتها في المنطقة، تأمين حاجات "المزارعين" الجدد الذين يتسابقون لشراء هذه الشتول والورود على أنواعها، فيما فُقِدَ البصل الزراعي (القنار) الذي يستورد من سوريا، وسُجل ارتفاع كبير في أسعار البذور المهجنة والتُراب المخصص لزراعة البذور.

زراعة الترفيه والقلّة
ومع بداية انتشار كورونا وأقفال المدارس، انتقل المهندس حسان بيضون مع ولديه التوأمين، من مكان إقامته في بيروت إلى مدينته بنت جبيل، التي يمتلك فيها منزلاً وحاكورة كبيرة.

لا يوفر بيضون - وهو عاد من أميركا إلى لبنان بعد سنوات من الهجرة في زمن الحرب - يوماً واحداً من دون عمل في حاكورته وقطعة أرض أخرى يمتلكها في بلدته/المدينة الريفية. يصطحب ولداه حبيب وزينة ( 10 سنوات)، فيمضون وقتاً في قطاف الزعتر البري و"العلت" (الهندباء البلدي) والخبيزة، وجمع أحجار صوانية مميزة لنقلها إلى حديقة/حاكورة المنزل لاستخدامها في أعمال تجميلية.

ويقول بيضون: "الأرض ملاذي الأول والأخير. وكذلك أعمال الزراعة التي كنت أمارسها بوتيرة أقل من الآن، قبل بدء العطلة القسرية والحجر المنزلي. شرعت بمساعدة والدي في أعادة تأهيل الحاكورة وزرعها بصلاً وبقدونس وفجل وجرجير. فنتسلى ونستمتع ونستفيد من هذه المزروعات في غذائنا اليومي. وهذا إلى جانب شرائنا اللبن البلدي والخبز المرقوق". وهو اعتبر أن زراعة الأرض باتت أكثر من ضرورة في زمن القلة التي تعاني منها فئات واسعة من الناس في المنطقة ولبنان عموماً.

في بلدته يحمر الشقيف على مقربة من قلعتها - وهو مدرس رياضيات في ثانوية كامل الصباح في النبطية - يمضي حسين عليق معظم أوقات فراغه الناجمة عن عطلة المدارس القسرية، في زراعة الأرض الملاصقة لمنزله بكل أنواع الخضر والحشائش التي تفيض عن حاجته.

يخصص عليق قسماً من وقته في تحضير الدروس لطلابه وإرسالها لهم بالواتس آب التي تعتمدها وزارة التربية اليوم.

ويقول إنه تربى في بيت زراعي يعتمد على زراعة التبغ وتربية الأبقار، وبقي مرتبطاً بالزراعة والأرض حتى في شبابه، و"ما زلت حتى الآن متشبث بالزراعة واستصلاح الأرض، عن حاجة وهواية ونمط عيش"، يقول.

وبعد شهور قليلة يبلغ عليق السن التقاعدي من وظيفته في التدريس. وقال إنه سينصرف بشغف إلى الزراعة، بصرف النظر عن أزمة كورونا وحجرها المنزلي الراهن، الذي "وفر لنا وقتاً إضافياً لمزيد من أعمال الزرع والتشحيل واستصلاح الأرض"، أضاف.

ازدهار المشاتل
وهذا أحمد زيات - سائق تاكسي من بلدة طيردبا - يعود مع أسرته، منذ انتشار وباء كورونا والتعطيل المدرسي للإقامة في بلدته، وحول حاكورته المهملة والموروثة عن والده، قطعة أرض متناسقة: نظفها من الأعشاب البرية، نكشها وثلمها، ثم زرعها بالخضر، مستبقاً بأسبوعين شهر رمضان الذي ترتفع فيه أسعار الخضر.

وهو يعمل أيضاً في تنظيف قطعة أرض أخرى من الأعشاب وتشحيل أشجار الزيتون فيها، من دون أن يستعين هذه المرة بعمال سوريين غالباً، في تنفيذ هذه الأشغال.

ويشير جهاد ابراهيم (صاحب مشتل زراعي) إلى إقبال أبناء الساحل الجنوبي غير المسبوق على شراء الشتول الزراعية على أنواعها، والتي تباع كل مئة منها بخمسة عشرة ألف ليرة لبنانية.

ويلفت إلى أن المشاتل فرغت من الشتول، لكثرة الطلب عليها من "زبائن لم نكن نشاهدهم في الأيام والمواسم الزراعية السابقة". ويؤكد أن الشتول التي تُزرع بذوراً بتُراب غالبيته مستورد من المانيا، ارتفعت أسعارها أضعافاً ثلاثة. وهي تحتاج شهراً كاملا لتنمو في الحاضنة وتصبح صالحة للزراعة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها