آخر تحديث:00:02(بيروت)
الثلاثاء 14/04/2020
share

العمال الأجانب الخائفون والجياع.. لا أحزاب ولا حكومة تساعدهم

نبيلة غصين | الثلاثاء 14/04/2020
شارك المقال :
العمال الأجانب الخائفون والجياع.. لا أحزاب ولا حكومة تساعدهم عاملات غادرن لبنان عند استفحال أزمته الاقتصادية في خريف 2019 (الأرشيف)
لا يقتصر الخوف الذي يرافق جائحة كورونا على الأمن الصحي للأفراد والجماعات، بل يتعداه إلى الأمن الاقتصادي والمعيشي والغذائي والنفسي.

يعاني اللبنانيون والعمال الأجانب المقيمون في لبنان من أزمةٍ مالية ومعيشية، خيّمت على البلاد منذ ما قبل انتفاضة 17 تشرين الأول 2019. وجاء وباء كورونا ليفاقم الأزمة، على اللبنانيين والعمال الأجانب والعاملات الأجنبيات.

فئة المغيبين
وكان شح الدولار وارتفاع سعره، قد حملا بعض الكفلاء اللبنانيين إلى تسديد مستحقات العاملات المنزليات الأجنبيات لديهم بالليرة اللبنانية، محمّلينهن خسائر تحويلها إلى الدولار، ما أدى إلى انخفاض قيمة دخلهن إلى النصف. وهذا ما حمل بعضهن إلى مغادرة لبنان.

أما في ظل تفشي فيروس كورونا وحال التعبئة العامة، والحجر المنزلي، فقد توقف بعض اللبنانيين عن دفع المستحقات للعمال والعاملات لديهم.

لكن مما لا شك فيه أن العمال والعاملات المياومين الذين يعملون "على الساعة"، هم أشد الفئات تضرراً في هذا الوضع. فهؤلاء - وهم في معظمهم من النساء والعاملات المنزليات المقيمات منفردات في مخيمات العمران العشوائي البائسة مع السوريين والفلسطينيين -  توقفت أعمالهم توقفاً كاملاً، وليس لديهم من مال ما يكفي لطعامهم ودفع بدلات إيجار الغرف البائسة التي يسكنّ فيها سكناً جماعياً أو منفردات. ذلك أن العائلات اللبنانية التي كانت تشغلهن على الساعة، امتنعت عن استقبالهن بسبب الحجر الصحي المفروض. وهذا ما اضطر الساكنات منفردات إلى السكن مجموعات وتقاسم كلفة معيشتهن. الأمر الذي يؤدي إلى اكتظاظهن وإحتمال تناقلهن العدوى.

لكن العاملات الأجنبيات والعمال الأجانب وحدهم. لا أحد يذكرهم في زمن كورونا.

اللاجئون السوريون، حاضرون كذريعة لخراب لبنان وإفقاره في خطب ميشال عون وصهره جبران باسيل. والمنظمات الدولية تصدر في شأنهم بيانات كثيرة.

اللاجئون الفلسطينيون، هناك هيئات ومنظمات دولية ومحلية كثيرة تصدر بيانات وتتحدث عن إجراءات في شأنهم في ما يتعلق بكورونا.

المغتربون اللبنانيون استعمل الزعماء السياسيون - من باسيل إلى نبيه بري إلى حسن نصرالله - إعادتهم إلى بلدهم في زمن كورونا، مطية في مشاحناتهم وتطاحنهم شبه المسرحي.

ووباء كورونا إياه اتخذته الحكومة (وخصوصاً رئيسها ووزير صحتها ووزيرة إعلامها) ميداناً لمديح نفسها وتمنين الناس بأنها اتخذت إجراءات لحمايتهم، ودعت العالم كله إلى اتخاذها مثالاً، بعدما شهد العالم كله بأنها الأنجح والأمثل، من دون أن يسمع أحد بذلك.

جوع وخوف وعنف
العمال والعاملات الغرباء لا ينتسبون إلى أحزابٍ تستتبعهم وتتحنن عليهم بصندوق إعاشة، لتكسب ولاءهم. والمساعدات التي أقرتها الحكومة عبر وزارة الشؤون الاجتماعية والبلديات لا تشملهم. فهم غير موجودين أصلاً بالنسبة للجهات الرسمية اللبنانية. حتى سفارات بلدانهم تخلت عنهم. هم يعتاشون اليوم على مدخراتٍ باتت على وشك النفاد أو نفدت، وهم معرضون اليوم أو غداً للجوع.

وإذا كانت مشكلة هذه الفئة من العاملات والعمال الأجانب، تتجسد في الفقر والجوع، فإن هذه مشكلة تتفاقم حين نعلم أنهم في حال ظهور أعراض كورونا عليهم، يخافون من الإعلان عنها أو الذهاب لإجراء الفحص. ذلك لأنهم يعتبرون فئة خارجة على القانون، أي خارج نظام الكفالة التي تنظم وجود العمال والعاملات الأجانب في لبنان.

أما فئة العاملات اللواتي يعشن وفق نظام الكفالة في بيوت اللبنانيين، فتشير بعض الشهادات إلى تزايد تعرضهن للعنف العنصري والطبقي المنزلي، جراء الحجر الذي فرضته كورونا. وتشير شهادات بعض المنظمات الحقوقية إلى تزايد هذا العنف بنسبة مئة في المئة.

قدر محبوب الكوروني
كان من المفترض أن يكون العم محبوب قد استقل طائرته عائداً إلى بلاده، بعد 33 عاماً أمضاها في لبنان. لكن الجائحة التي أوقفت حركة العالم وقطعت أواصره، منعته من لقاء عائلته قبل يومين من إقفال مطار رفيق الحريري في بيروت.

محبوب من التابعية البنغلادشية تجاوز الستين من عمره، التجأ إلى لبنان سنة 1988. اختاره بلداً لمنفاه هرباً من مشاكله السياسية في بلاده. وبعيداً عن حقول وغابات طفولته وصباه عاش هنا. فغزا الشيب شعره، وحفرت التجاعيد وجهه. وهناك في بلاده البعيدة كبر أطفاله على آمالٍ دائمة بلقائه. والدته توفيت فلم يتمكن من وداعها.

يتذكر محبوب اليوم الذي وطأت قدماه أرض مطار بيروت الدولي عام 1988 في أزمنة الخراب: "كان الطقس ماطراً. وعلينا الخروج من باب المطار والهرولة سريعاً  للاحتماء تحت ألواح التوتيا. وقعت في حفرة ماءٍ عميقة، وعلقت فيها لدقائق".

تنقل محبوب في مناطق عدة وعمل في مهنٍ كثيرة، ففهم التركيبة اللبنانية. عانى من عنصرية بعض اللبنانيين. أعتقل مراتٍ عدة لقضايا تافهة: "لا يريد اللبنانيون سوى عمال تنظيفات وحراسة وكناسة، ليظلوا صامتين ومكتومين ومغيبين في حضيض الحضيض".

ولمحبوب رأيه في إنتفاضة 17 تشرين. فبرأيه كان على الشعب اللبناني أن ينتفض منذ سنوات. فهو عانى كاللبنانيين من أزمة الكهرباء وغلاء المعيشة. ويعتبر أن حال البلاد كانت أثناء الحرب أفضل مما هي اليوم بكثير. دائماً كان الجميع ينظر إليه كغريب لا علاقة له بما يجري.

استطاع محبوب بمعاملته اللطيفة والحكيمة أن يكسب محبة أهالي المنطقة واحترامهم. هو حارس الحي، ويتنقل من بنايةٍ إلى أخرى، يحيي الجميع ويساعدهم. يسهر مع باقي نواطير البنايات على راحة الجميع.

واليوم يحزن محبوب على وضع بلادٍ أحبها، فيما هو ينتظر - في حجره المنزلي المنفرد في غرفة صغيرة في خلدة - رحيله النهائي المأمول إلى بلاده، خائفاً أن تنفد مدخراته القليلة، قبل أن يفتح المطار ويعود العالم إلى سابق عهده.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها