آخر تحديث:00:01(بيروت)
الأحد 12/04/2020
share

خصائص سكان لبنان: حقائق لمواجهة الفقر ورسم السياسات(2)

أديب نعمة | الأحد 12/04/2020
شارك المقال :
خصائص سكان لبنان: حقائق لمواجهة الفقر ورسم السياسات(2) معدلات بطالة مرتفعة، لاسيما بين الشباب والجامعيين منهم (علي علّوش)

بعد المقال الأول الذي تناول خصائص السكان والأُسر، يتناول المقال الثاني هذا، خصائص العمل والبطالة والدخل. ويهدف كلا المقالين إلى تعريف المواطنين بهذه النتائج، ولفت نظر السياسيين إلى ضرورة استخدامها من تحليل الوضع القائم بعد الأزمة ومقارنتها مع معطيات حديثة تعود إلى منتصف السنة الماضية يفترض أن تشكل خط الأساس للتوقع والتخطيط. وكل البيانات التي ترد في هذا المقال هي من دراسة إدارة الإحصاء المركزي المشار إليها، ما لم يرد خلاف ذلك.

حجم القوى العاملة ومعدل البطالة
يبلغ العدد الإجمالي للقوى العاملة في لبنان حوالى 1.8 مليون شخص، من أصلهم 1.6 مليون يعملون، وحوالى 200 ألف عاطلون عن العمل. ويمثل غير اللبنانيين 21% من إجمالي القوى العاملة. ويتم حساب إحصاءات العمل – عموماً – نسبة إلى السكان في سن العمل المحددين في المسح اللبناني بمن يبلغ عمرهم 15 سنة أو أكثر، والبالغ عددهم 3.68 مليون شخص (لبنانيين وغير لبنانيين). ويوضح الشكل التالي التكوين الإجمالي لهؤلاء السكان (15 سنة أو اكثر) لجهة علاقتهم بقوة العمل.



غالبا ما تبدو إحصاءات العمل معقدة وصعبة وغير مقنعة، لاسيما معدلات البطالة. وهذا أمر مفهوم تماماً نظراً لأن التعريف المعتمد لتحديد من هو العاطل عن العمل، يشترط أن لا يكون الشخص المعني قد عمل ولو ساعة واحدة في الفترة المرجعية قبل المسح الميداني (أسبوع)، وأنه يبحث عن عمل فعلاً، وأنه مستعد للعمل. لذلك تكون النسب عادة أقل مما هو متوقع (11.4%) إذ ثمة اختلاف بين التعريف الإحصائي وبين التصور الشعبي عن البطالة. ويتم أحياناً اعتماد تعريف مرن أو موسع للبطالة، لاسيما في الدول النامية. وفي الحالة اللبنانية، أضيف إلى النسبة حسب التعريف الإحصائي المعتمد دولياً، أعداد الذين يعملون ساعات أقل من عدد ساعات العمل القانونية، وهم يرغبون في زيادة ساعات عملهم (31500 شخص)، بالإضافة إلى الذين يئسوا من البحث عن عمل، أو لم يكونوا على استعداد للعمل عندما وجدوه (66900 شخص)، مما يرفع نسبة البطالة حسب المفهوم الموسع (استخدام ناقص لقوة العمل) إلى 16.2%. ونذكر أن هذه النسبة هي في 2018/2019 قبل استفحال الأزمة الحالية.

يوضح الشكل البياني أدناه نسب البطالة حسب الفئات المختلفة، ويظهر ذلك أن بطالة الشباب تبلغ ضعف نسبة البطالة العامة (23% مقابل 11%)، وأن بطالة النساء أعلى من بطالة الرجال (14% مقابل 10%) وتبلغ نسبة البطالة بين الشباب الجامعيين 37%. أما بطالة غير اللبنانيين فهي 9% مقابل 12% للبنانيين.



عن المشاركة الاقتصادية وفرص النمو
على الرغم من الاهتمام بمعدلات البطالة إلا أن هذه الظاهرة ليست هي الأكثر أهمية في الدول النامية بشكل خاص، وفي لبنان، نظراً لغلبة العمل غير النظامي (غير المحمي) والنشاط الاقتصادي غير النظامي (غير المسجل)، ونظراً لعدم وجود أنظمة تعويضات البطالة. ويحجب التركيز المبالغ به على معدلات البطالة ثغرات هيكلية أخرى في بنية العمل وسوق العمل.

وفي هذا الصدد، يحتل معدل المشاركة الاقتصادية أهمية خاصة (وهو 49% في لبنان). فهذا الرقم يعني إن أكثر من نصف القوى البشرية المنتجة والقابلة للانخراط في العمل الفعلي لا تشارك في ذلك، أي هي مبدئياً قوى مهدورة في العملية الإنتاجية، مع تفاوت كبير بين الرجال والنساء. إذ يبلغ معدل المشاركة الاقتصادية للنساء 29% فقط، مقابل 70% للرجال. كما إنها تبلغ 39% للشباب (عمر 15-24) أي هي أدنى بحوالى 10 نقاط مئوية من المتوسط العام. ونشير أيضاً إلى معدل النشاط الاقتصادي للبنانيين هو 46% للبنانيين مقابل 61% لغير اللبنانيين. وهو أمر متوقع حيث أن تواجدهم في لبنان هو للعمل وتكوينهم العمري مختلف عن التكوين العمري للبنانيين حيث نسب الأطفال والمسنين هي أعلى.

وإذا عطفنا هذه المعطيات على ما سبق ذكره من معدلات بطالة مرتفعة، لاسيما بين الشباب والجامعيين منهم، على نحو أكثر حدة، نستخلص أن الاقتصاد اللبناني لا يولد فرص العمل اللائق بالقدر المطلوب، وان قسما كبيرا من القدرات البشرية اللبنانية مهدور في هذا النسق الاقتصادي. والاستنتاج الثاني انه اذا كان هناك خطط فعلية من اجل التحول مما يسمى "اقتصاد ريعي" إلى اقتصاد منتج، فهذا يعني بالدرجة الأولى استثمار هذه القوى العاملة اللبنانية والمقيمة على نحو امثل، حيث لا يزال هناك 50% من هذا الرأسمال البشري غير مستثمر في النشاط الاقتصادي وعملية الإنتاج. وبعض خصائص القوى العالمة التي سترد في ما يلي، تؤكد هذه الاستنتاجات وتعززها بشواهد إضافية.

التكوين القطاعي والمهن الرئيسية
تتوزع القوى العاملة حسب الموقع من بالعمل على النحو التالي 9% أصحاب عمل، 19% عاملون لحسابهم الخاص، 71% موظفون أو مستخدمون أو عمال، و1% مساعدون عائليون. ويعمل 76% في قطاعات الخدمات المختلفة، مقابل 20% في الصناعة والبناء، واقل من 4% في الزراعة والصيد. ويمثل انخفاض حصة الزراعة من القوى العاملة وضعية غير مقبولة في لبنان وكذلك حصتها من المساهمة في الناتج المحلي التي تبلغ 3% فقط. وقد كانت حصة الزراعة من القوى العاملة 7% عام 2004، أي انها تدهورت إلى النصف تقريبا خلال عقد ونصف.

وتبرز أهمية الزراعة اليوم في ظل ازمة كورونا، كما في ظل الازمة الاقتصادية. وإذ تتكاثر المبادرات الشعبية والمدنية في مجال الزراعة بهدف انتاج المواد الغذائية. الا ان ذلك لا يعفي الحكومة واي خطط مستقبلية من إعادة الاعتبار إلى القطاع الزراعي باعتباره قطاعا منتجا أساسيا في لبنان، ورفع مساهمتها إلى ما يتراوح بين 7% و10% من القوى العاملة ومن الناتج المحلي. وهذا امر ممكن ويقع في صلب عملية التحول إلى نمط اقتصادي جديد.

كما يبين الجدول المرفق هنا توزيع القوى العاملة حسب القطاعات مع تفصيل أكبر تلافياً لتكوين صورة مضللة، حيث ان قطاع الصناعات التحويلية لا يمثل سوى 11% مقابل 9% لقطاع البناء والانشاءات. اما قطاع الخدمات (76%) فالفئة الفرعية الأكبر حجما هي فئة الباعة والعاملون في تصليح المركبات (20%)، مقابل 10% في الإدارة والدفاع، و9% في التعليم، و37% في كل أنواع الخدمات الأخرى. القسم الأكبر من هذه الخدمات هي اعمال هامشية غير نظامية، أو اعمال في وظائف حكومية وأخرى قليل الدخل، في حين ان القطاعات التي تساهم بحصة أكبر من الناتج المحلي توظف نسبا قليلة جدا من القوى العاملة. فالأنشطة العقارية تمثل 0.4% من القوى العاملة، والأنشطة المالية والتأمين 2.5%، وانشطة المعلومات والاتصالات 1.6%، هي القطاعات التي تحقق مستويات عالية من الأرباح.

العمل غير النظامي
يقدم مسح 2019 لأول مرة معلومات مفصلة تسمح بقياس توفر مواصفات العمل اللائق وتحديد نسبة العمل غير النظامي من اجمالي القوى العاملة. للتوضيح وباختصار شديد، يجب التمييز بين النشاط الاقتصادي النظامي (او المهيكل) والمعيار الأساسي هنا هو اذا كان المؤسسة مسجلة رسيما واذا كانت تدفع الضرائب وملتزمة بالقوانين السارية المفعول، اما الأنشطة الاقتصادية غير النظامية فهي غير مسجلة رسميا. اما العمل النظامي فهو الذي يتميز بوجود عقد عمل ويكون العامل مصرحا عنه للضمان ويستفيد من التأمين الصحي ويحق له اجازات مرضية واجازات مدفوعة الاجر. اما العمل غير النظامي فلا تتوفر فيه هذه الشروط، أي انه ببساطة عمل غير مشمول بالتأمين الصحي والحماية الاجتماعية، وغالبا غير مصرح عنه للمؤسسات الضامنة، وتكون شروط العمل غالبا قاسية والأجر منخفض. ويمكن للعمل غير النظامي ان يكون موجودا في القطاع الاقتصادي النظامي (بما في ذلك المؤسسات الحكومية) وفي القطاع غير النظامي على حد سواء.

وقد بينت الدراسة ان حوالى 55% من القوى العاملة هي قوى عاملة غير نظامية (أي غير محمية)، وان ثلث هؤلاء تقريباً يعملون في القطاع النظامي، والثلثين في القطاع غير النظامي، على النحو الذي يظهره الجدول التالي:

جدول: توزع القوى العاملة النظامية وغير النظامية، حسب قطاعي العمل النظامي وغير النظامي


وكما يظهر في الجدول، فإن اجمالي عدد العاملين بشكل غير نظامي يبلغ 874 ألف شخصا، مقابل 717 ألف عملهم نظامي. ويبلغ عدد العاملين غير النظاميين في القطاع النظامي 315 ألف، أي أكثر من 30% من العدد الإجمالي. ويعمل هؤلاء اما في مؤسسات القطاع الخاص النظامية انما من دون حماية وحق في الاجازات، كما يمكن ان يعمل هؤلاء أيضا في الوزرات والمؤسسات الحكومية نفسها دون خضوعهم لقانون الموظفين وللتأمينات الاجتماعية والصحية، ومن ضمن هؤلاء المتعاقدون في الوزرات والمؤسسات، وعمال الخدمات وغيرهم من الاجراء المياومين (او بالفاتورة). وتجدر الإشارة إلى ان نسبة كبيرة من العاملين بشكل غير نظامي هم في قطاعات الزراعة والبناء وتجارة التجزئة والاعمال الهامشية والحرفية، كما ان نسبة كبيرة منهم أيضا هم من غير اللبنانيين اذ بين الإحصاء ان نسبة العمل غير النظامي بين اللبنانيين هي 28% بينما هي 91% بين غير اللبنانيين.

ساعات العمل والتأمين الصحي والاجتماعي
خاصية أخرى مرتبطة بمواصفات العمل اللائق تتعلق بعدد ساعات العمل. وتحدد ساعات العمل القانونية بدوام كامل بـ 40 – 49 ساعة عمل أسبوعيا، وبينت نتائج الإحصاء ان 32% فقط من العاملين يقعون ضمن هذه الفئة، في حين ان نسبة العمالة الناقصة أو الجزئية (اقل من 40 ساعة عمل) تبلغ 23% (11% اقل من 30 ساعة عمل)، يلاحظ ان النسبة عن النساء هي ضعفي هذه النسبة عند الرجال (40% مقابل 18%). الا ان ما هو أكثر خطورة هو ان نسبة 15% تعمل بين 50 و59 ساعة أسبوعيا، و29% يعملون أكثر من 60 ساعة أسبوعيا. ولا تشمل هذه الإحصاءات المساعدات المنزليات (102 ألف)، حيث لا حدود أو رقابة على ساعات العمل.

اما بالنسبة إلى التأمين الصحي، فإن 60% من العاملين مشمولين. الا ان ما يلفت النظر أيضا هو التفاوت الكبير في نسبة المشمولين بالتأمين الصحي بين القطاعات العسكرية والأمنية (16%)، وتعاونية موظفي الدولة (5%)، حيث الأولى تساوي ثلاثة اضعاف الثانية، وهو ما يعطي فكرة عن حجم القطاع العام وتوزعيه بين القطاعات العسكرية – الأمنية من جهة أولى، وحجم الموظفين التابعين لنظام الموظفين في الإدارة – أي موظفي الملاك - مقارنة بإجمالي العاملين فيها حيث هناك نسبة كبيرة من المتعاقدين والعاملين غير النظاميين وغير الخاضعين لنظام الموظفين وغير مستفيدين من خدمات تعاونية الموظفين. ويستدعي ذلك بالضرورة تحويل الاهتمام من التركيز المبالغ به على حجم القطاع العام الكبير (14% من القوى العاملة، فهل هذا زائد عن الحد؟) والاهتمام أكثر بتوزيع الموظفين والعاملين على القطاعات المختلفة وشروط عملهم، لاسيما العمل غير النظامي في الوزارات والمؤسسات الحكومية.



نقطة أخرى هامة بالنسبة إلى التغطية بالتأمين وبالحماية الاجتماعية؛ البيانات أعلاه تتعلق بالتأمين الصحي للقوى العاملة. اما بالنسبة إلى عموم السكان فقد بينت نتائج المسح ان نسبة المشمولين بالتأمين تبلغ 56%، وهي اعلى مما كانت عليه في المسوحات السابقة (2004 – 2007) حيث كانت بين 50% و52%. ويبدو ذلك تحسنا مقارنة بالسابق، الا ان الدراسة الحالية شملت جهة ضامنة جديدة هي مفوضية اللاجئين (وغيرها من المنظمات الدولية الأخرى التي تغطي 11.5% من اجمال المؤمنين، وهذه الجهة الضامنة لم تكن مشمولة في المسوحات السابقة. وبناء عليه يقتضي التدقيق في النتائج في ضوء ذلك وفي ضوء النسبة المتزايد لغير اللبنانيين بين التاريخين (كانوا 6.6% عام 2004)، لأن النتيجة الفعلية قد تكون ان نسب التغطية قد تراجعت بالنسبة إلى اللبنانيين عما كان عليه، ولم ترتفع. وفي التغطية لعموم السكان المقيمين، تتراجع حصة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي من 54% إلى 47%، وترتفع حصة الجيش وقوى الامن إلى 20%، وحصة تعاونية الموظفين إلى 6%.

من ناحية أخرى، وقبل الانتقال إلى الجوانب المتعلقة بالدخل، تجدر الإشارة إلى ان نسبة الاسر التي أفادت ان تعويضات التقاعد تشكل أحد مصادر دخليها بلغت 9.5%، وهو ما يعطي فكرة أولية أيضا عن محدودية أنظمة التقاعد التي يفترض ان تشكل مكونا رئيسيا من مكونات نظام الحماية الاجتماعية، لاسيما في الظروف الحالية.

الأجر والدخل
تعامل المسح مع قضايا الدخل في مكانين، الأول بما هو اجر ناتج عن العمل الرئيسي؛ والثاني بما هو الدخل العام للأسرة. والبيانات والنتائج المتعلقة بالأجر اكثر تفصيلا ودقة بحكم كونه أساسا مسحا للقوى العاملة. وقد تم حساب قيمة الاجر بالساعة، ثم تحويله إلى دخل شهري بناء على عدد ساعات العمل.

وبينت الدراسة ان متوسط الاجر الشهري (أي مجموع أجور العاملين مقسومة على مجموع عدد العاملين) من العمل الرئيسي بلغ 1.180 مليون ليرة لبنانية، في حين ان الدخل الوسيط فقد بلغ 950 ألف ليرة لبنانية (أي ان نصف العاملين في لبنان يتقاضون اقل من هذا المبلغ). اما الحد الأدنى الرسمي للأجور فهو 675 ألف ليرة لبنانية حالياً. ويبلغ متوسط الأجر الشهري من العمل الرئيسي للبنانيين 1.3 مليون ليرة، في حين هو 663 آلف لغير اللبنانيين. اما عن الاجر الوسيط، فهو 1.12 مليون ليرة مقابل 600 ألف ليرة لغير اللبنانيين.
وتعتمد منظمة العمل الدولية مقياسا للدخل المنخفض هو ثلثي الدخل الوسيط، أي 633 ألف ليرة لبنانية، وبينت النتائج ان 22% من العاملين يتقاضون اجرا منخفضا وفق هذا التعريف، وان هذه النسب تتفاوت أيضا حسب المحافظات بين حد ادنى هو 17.5% في جبل لبنان، وحد اقصى هو 28% في محافظة لبنان الشمالي. وبشكل عام تتقارب هذه النسبة في كل المحافظات ما عدا جبل لبنان وبيروت، كما يبين الشكل المرفق.

إلا ان تقييم الوضع المعيشي للأسرة لا يتوقف على الاجر من النشاط الرئيسي بل على دخل الاسرة الإجمالي من مختلف المصادر، وهو ما يبنيه الشكل التالي:



ويبين هذا الجدول ان 18% من الأسر يقل دخلها الإجمالي عن الحد الأدنى للأجور (675 ألف ليرة لبنانية)، في حين ان نسبة الاسر التي يقل دخلها عن 1.2 مليون ليرة تبلغ 43% من الاسر، وإذا اعتمدنا عتبة 2.4 مليون ليرة فإن نسبة الاسر تصل إلى 73%. ومن الطرف الاخر لمستوى الدخل، فإن 6% من الاسر فقط يزيد دخلها الشهري عن 5 مليون ليرة لبنانية.

يعطي هذا التوزيع فكرة واقعية عما يعتقد انه طبقة وسطى في لبنان، حيث ان هذه الأرقام، وفي ضوء ما نعرفه من اكلاف المعيشة، تكشف ان ما يمكن اعتباره طبقة وسطى هو اقل بكثير مما يعتقد، وان مفهوم الفقر – بما هو مستوى من الموارد غير الكافية لتأمين الحاجات والحقوق الأساسية للإنسان أوسع بكثير مما يجري تداوله. ومعلوم ان دراسات الفقر منذ أوساط التسعينات قدرت ان نسبة الفقر تقارب ثلث الاسر أو السكان تقريباً، وهي نسبة لم تتغير فعليا منذ عقدين تقريباً. اما لو أردنا ان نقيس الفقر نسبة إلى مستوى الدخل وكفايته، فإن النسبة تصبح اعلى اذ انها تساوي على الأقل (وهذه نسبة محافظة) أولئك الذين يقل دخلهم عن 1.2 مليون ليرة والتي تبلغ حسب الدراسة 43%. اما لو أردنا ان نقيس الفقر من خلال مؤشرات هشاشة العمل (عمل نظامي) أو عدم توفر تأمين صحي أو اجتماعي، فإن هذه النسبة سوف تتراوح بين 50% و55%. وهذه كلها نسب سابقة على الازمة المالية – الاقتصادية وتدهور سعر صرف الليرة وارتفاع الأسعار، وقبل وباء الكورونا وتداعياته الإضافية على العمل والبطالة، لذلك من الطبيعي ان تكون نسب الفقر اليوم اعلى من ذلك بشكل محسوس.

خلاصة: أي سياسة اجتماعية اليوم؟
لا يمكن فهم الطريقة غير العلمية التي تتبعها الحكومة في تعاملها مع الازمة الاجتماعية، وما يشبه التسليم للمنظمات الدولية – لاسيما البنك الدولي – بالتأثير في رسم السياسات في الوجهة التي يعتبرونها صالحة حسب رأيهم. فما يتسرب عن الاجتماعات في الغرف المغلقة التي تغيب عنها الخبرات الوطنية التي سبق لها ان عملت في هذا المجال، يتميز بالارتباك وبالتذرع بغياب الأرقام وقاعدة البيانات التي تسمح برسم السياسات المناسبة وتصميم التدخلات على أساسها. لكن ذلك غير صحيح. فما عرضناه هنا من بيانات إحصائية رسمية هو نموذج عما هو متوفر ومنشور على موقع إدارة الإحصاء المركزي، وهو لا يشمل كل ثروة المعلومات التي يمكن استخلاصها من المعالجة الإحصائية والتحليلية للبيانات التفصيلية عندما تتاح للباحثين وصانعي السياسات. كما ان ثمة بيانات إدارية لدى أكثر من جهة حكومية واقتصادية ولدى منظمات المجتمع المدني لا تقل أهمية عنها، بحيث يمكن مقاطعة هذه البيانات والوصول إلى تقييم على درجة متقدمة من الموضوعية لاسيما في بلد صغير مثل لبنان.

الا ان ما هو مفقود هو وجود رؤية لدى الحكومة في ما يخص السياسات الاجتماعية لكي تكون هي الموجه والمحدد لنوع البيانات التي نحتاج اليها، وتحديد التدخلات الملائمة. وأولها الاستناد إلى منظور الحقوق، والتوجه نحو التغطية الشاملة قدر الإمكان، واستخدام معايير للتغطية بالمساعدة الاجتماعية تستند إلى الخصائص الاجتماعية الواسعة والى الخصائص الجغرافية اكثر من التركيز الأحادي الجانب على الاستهداف الضيق نباء على معادلات رياضية للتعرف على الأكثر فقرا. هذه المقاربة ليست صالحة في الظروف الراهنة، حيث نحتاج إلى ضخ مساعدات نقدية فورية وغير مشروطة إلى فئات اجتماعية واسعة على أساس معايير اجتماعية عامة، بالإضافة إلى اتخاذ إجراءات محددة خاصة ببعض الفئات باستخدام الموارد المتاحة وحسب وضعية كل فئة.

هل هذا ممكن؟ طبعاً. ولذلك كلام لاحق.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها