آخر تحديث:00:02(بيروت)
الأربعاء 01/04/2020
share

"كورونا" يسرّع إطلاق الموقوفين ويحيي الأمل بقانون العفو

المدن - مجتمع | الأربعاء 01/04/2020
شارك المقال :
"كورونا" يسرّع إطلاق الموقوفين ويحيي الأمل بقانون العفو تخفيف الاكتظاظ في السجون بحدود 20 إلى 30 بالمئة (Getty)

بموازاة حالة "التعبئة العامة" التي فرضتها الحكومة اللبنانية، للحدّ من مخاطر انتشار فيروس "كورونا" ومحاولة احتوائه، ثمّة أزمة أمنية وإنسانية تواجه الدولة، وتنذر بانفجار كبير يصعب احتواؤه، تتمثّل بحالة اكتظاظ تعانيها السجون، التي تغصّ بما يزيد عن سبعة آلاف موقوف وسجين، وتضاعف قدرتها على استيعاب هذه الأعداد في أوقات الرخاء طبيعية، فكيف في زمن "كورونا" الذي قد لا يبقي ولا يذر، في حال تسلل هذا الوباء إلى أقبيتها واستوطن بين نزلائها.

احتواء الانفجار
وتخوض الدولة بأجهزتها القضائية والأمنية والإدارية والطبية، سباق قطع الطريق على تسلل الوباء الفتّاك إلى السجون، والوقوع في كارثة صحيّة، ستدفع بلا شكّ لإشعال انتفاضة وحالات تمرّد يصعب على الأجهزة الأمنية ضبطها، وانفجار لدى أهالي هؤلاء وعائلاتهم لن يكون من السهل السيطرة عليه، وانطلاقاً من هذه المحاذير، بدأ العمل على خطين متوازيين. الأول قصير الأمد، يفضي إلى تفعيل الإجراءات القضائية، والبتّ بمئات طلبات إخلاء السبيل للتخفيف من اختناق الزنازين. والثاني، عودة البحث في قانون للعفو، يحقق المطلب التاريخي للسجناء وذويهم ويضع حدّاً لمعاناتهم، ويخفف تبعات المسؤولية الملقاة على عاتق إدارة السجون وفريقها الأمني والإداري.

عفو خاص؟
وعلى أهمية الخطوات القضائية الجريئة، التي بدأت تترجم بقرارات جريئة من قضاة التحقيق ومحاكم البداية والاستئناف والجنايات، للإفراج عن عشرات الموقوفين، ضخّت وزيرة العدل ماري كلود نجم جرعة أمل محدودة، في نفوس السجناء، بإعلانها أن "العمل جار على تكوين ملفات المحكومين الذين قد يشملهم مشروع عفو خاص في حال إقراره". وتحدثت عن تنسيق بينها وبين مديرية السجون في قوى الأمن الداخلي "لتكوين هذه الملفات التي ستتضمن إفادات السلوك وخلاصات الأحكام، ليصار بعدها الى إحالتها على لجنة العفو الخاص، ثم النيابة العامة التمييزية وذلك قبل التوقيع الأخير من قبل رئيس الجمهورية، الذي عرضت عليه مشروع العفو الخاص، في إطار الخطوات التي تهدف الى معالجة الاكتظاظ في السجون لا سيما بعد انتشار فيروس كورونا".
وحسب وزيرة العدل، فإن العفو الخاص في حال أبصر النور، سيكون "محصوراً بحالات محددة، بدءاً من الذين تبقى من محكوميتهم شهر ثم شهران إلى أربعة وخمسة وستة أشهر، ولاحقاً قد نذهب الى أبعد من ذلك، أي إلى أكثر من ستة أشهر بعد التشاور مع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون".

"القضاء الأعلى" يتدخّل
وتحسباً لسريان حالة "التعبئة العامة" لأسابيع طويلة، وإلى حين انحسار هذا الوباء، واكب مجلس القضاء الأعلى عمل المحاكم والدوائر القضائية، وعقد اجتماعاً الكترونياً عن بُعد، مستخدماً الوسائل السمعية الالكترونية، واتخذ خلاله قراراً بـ"استكمال التدابير والإجراءات التي تم اتخاذها في ضوء الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، ووجوب تخفيف الاكتظاظ في السجون وأماكن التوقيف". وشدد مجلس القضاء على "ضرورة تأمين المصلحة العامة وحسن سير العدالة في الوقت عينه، الطلب إلى القضاة عبر الرؤساء الأول الاستئنافيين في المحافظات، العمل على البت سريعا بطلبات تخلية سبيل الموقوفين، مع مراعاة أحكام المادة 108 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، على أن يقوم الرئيس الأول الاستئنافي، عند تعذر حضور القاضي المعني، بتكليف من يلزم من قضاة المحافظة للبت بهذه الطلبات".

التوقيف الاحتياطي
تنصّ المادة 108 من قانون المحاكات الجزائية على ما يلي "ما خلا حالة المحكوم عليه سابقا بعقوبة مدتها سنة على الأقل، لا يجوز أن تتعدى مدة التوقيف (الاحتياطي) في الجنحة شهرين، يمكن تمديدها مدة مماثلة كحد أقصى في حالة الضرورة القصوى. وما خلا جنايات القتل والمخدرات والاعتداء على أمن الدولة والجنايات ذات الخطر الشامل، وحالة الموقوف المحكوم عليه سابقا بعقوبة جنائية، لا يجوز أن تتعدى مدة التوقيف في الجناية ستة أشهر، يمكن تجديدها لمرة واحدة بقرار معلل، ولقاضى التحقيق أن يقرر منع المدعى عليه من السفر مدة لا تتجاوز الشهرين في الجنحة، والسنة في الجناية من تاريخ إخلاء سبيله أو تركه".

السوار الالكتروني
ولم يسبق للسلطة القضائية أن أبدت اهتمامها بالموقوفين والسجناء، وسرّعت في وتيرة إجراءاتها كما هي عليه اليوم. إذ بدت مستعجلة أكثر من الموقوفين بالإفراج عن أكبر عدد ممن تسمح طبيعة الجرائم المسندة اليهم بذلك. فقد أعلن النائب العام التمييزي القاضي غسان عويدات، أن القضاء سيبدأ العمل بموجب تقنية "السوار الالكتروني"، وكشف أن وزيرة العدل الفرنسية نيكول بيلوبي أعطت موافقتها على تزويد القضاء اللبناني بمسلتزمات خدمة السوار الإلكتروني (electronic bracelet)، وهو عبارة حلقة تثبت بيد أو ساق الشخص الملاحق قضائياً في الجنح والجرائم البسيطة بدلاً من وضعه في السجن، فيحدد نطاق تحركه في محيطه وتقوم الأجهزة الأمنية برصده ومراقبته عبر GPS. وأوضح عويدات أنه أجرى اتصالاً مع وزارة العدل الفرنسية، بواسطة السفارة الفرنسية في لبنان، التي قررت تزويد لبنان بهذه المسلتزمات، مشيراً إلى أنه تقدم بهذا الطلب منذ أشهر عدة، قبل أن يتولى منصب النائب العام التمييزي، وقد باتت الحاجة ملحة لاعتماد هذه التقنية، خصوصاً بعد المباشرة بآلية الاستجواب الإلكتروني.

أسباب قاهرة
هذه الخطوات المتسارعة، تقاطعت مع التعاميم التي أصدرها عويدات الأسبوع الماضي، وطلب فيها من المدعين العامين في جميع المحافظات، ومن النائب العام المالي ومفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، عدم اللجوء إلى التوقيف الاحتياطي، إلّا في حالة الضرورة القصوى، حتى لا تفاقم هذه التوقيفات من أعباء السجون المتخمة بالسجناء والموقوفين. وشدد على ضرورة التحقيق مع الموقوفين لدى الأجهزة الأمنية سريعاً، بموجب الاستجواب الالكتروني، أو ترك الموقوف بعد 24 ساعة من احتجازه، في حال تعثّر حصول الاستجواب لأسباب قاهرة، كما تقاطعت هذه الإجراءات مع قرارات صدرت عن محاكم الجنايات في بيروت وجميع المناطق، وعن قضاة التحقيق والهيئات الاتهامية، أفضت إلى إخلاء سبيل حوالى 200 موقوف خلال أسبوع واحد، وأغلبهم تركوا من دون كفالات مالية.

ظروف سياسية
ويعترف مصدر قضائي، بأن "الظروف الصحية للسجون والموقوفين والجوانب الإنسانية، كانت الدافع الأساس وراء اتخاذ مثل هذه القرارات". ويشير المصدر لـ"المدن" إلى أن "المضي في هذه الوسائل القانونية، ستؤدي خلال الأسبوعين المقبلين إلى تخفيف الاكتظاظ في السجون بحدود 20 إلى 30 بالمئة، وهذا أقصى ما يمكن أن يقدمه القضاء". وأقرّ المصدر نفسه بأن "الحلّ الأكثر فاعلية لأزمة السجون يتمثّل بقانون العفو العام، الذي يحتاج ظروفاً سياسية لا تبدو مهيّأة في هذه المرحلة". وكشف عن "مواكبة طبية لوضع السجون، عبر اعتماد لجنة طبية في السجون الكبرى، متخصصة في الأمراض الجرثومية والمعدية والأمراض الصدرية، تتولى معاينة السجناء الذي يعانون عوارض في الجهاز التنفسي، بالإضافة إلى تجهيز غرف للحجر الصحي في هذه السجون".

الموقوفون الاسلاميون
هل هذه الإجراءات كافية؟ وإلى أي حدّ تحقق مطالب السجناء، الذين لوّحوا بتصعيد غير مسبوق، خصوصاً بعد الافراج عن العميل الإسرائيلي عامر الفاخوري؟
أغلب المهتمين بوضع السجون، لا يجدون في مشروع وزيرة العدل حلّاً موضوعياً ومنصفاً، وإن كان ينطوي على آثار إيجابية مرحلية، ويؤكد مصدر في لجنة متابعة قضية الموقوفين الإسلاميين لـ"المدن"، أن "الحلّ الوحيد يكمن بقانون عفو عام شامل ومتوازن، يطوي مرحلة صعبة من تاريخ لبنان". ويعتبر أن العفو العام "تتقاطع فيه مصالح كل الأحزاب والطوائف في لبنان، طالما أنه يعالج مشكلة قديمة ومزمنة عند كلّ طرف"، مشيراً إلى أن "محنة الموقوفين الإسلاميين وليدة أزمة سياسية حادة عاشها لبنان جراء الحرب السورية، واعتماد الدولة ما يسمّى "العدالة الانتقائية"، بحيث كانت تقدّم واجب الطاعة والثناء لفريق كان يجاهر ويفاخر بقتل الشعب السوري (في إشارة إلى حزب الله)، مقابل توقيف شباب أهل السنة لأنهم تعاطفوا مع قضية الشعب السوري، وتحويلهم إلى إرهابيين". ويبدي المصدر أسفه أن "يبقى الموقوفون الإسلاميون خارج دائرة الاهتمام، لأن قرارات تخلية السبيل، لا تنسحب على المحكمة العسكرية، حيث يحاكم أبناؤهم أمامها".

ثلاثة عوامل
وفي التقييم القانوني والسياسي لقانوني العفو العام، يلفت المصدر القضائي، إلى أن هذا العفو "تتنازعه ثلاثة عوامل طائفية، الأول ملف الموقوفين الإسلاميين الذي يضعه تيار "المستقبل" برأس أولوياته، وملف أكثر من 30 ألف مطلوب للعدالة من أبناء البقاع المحسوبين على الثنائي الشيعي، وأغلبهم يلاحقون بجرائم مخدرات وسرقة، والثالث قضية اللبنانيين الموجودين في إسرائيل، التي وضعها التيار الوطني الحرّ وفريق رئيس الجمهورية ميشال عون في عهدته". ويرى أن "كلّ فريق يضع "فيتو"، على رغبة الآخرين".

مقاربة قانونية وإنسانية
وبقي مشروع العفو العام عالقاً أمام الحكومة السابقة، التي استقالت تحت وطأة ثورة 17 تشرين الأول، ولم تضعه الحكومة الحالية في سلّم أولوياتها، رغم أنها تعهدت في بيانها الوزاري بمعالجته وإقراره بعد إدخال التعديلات اللازمة عليه. ويقول المصدر القضائي الذي واكب إعداده عن قرب، إن المشروع "يحتاج إلى مقاربات ودراسات قانونية وإنسانية معمّقة بعيداً عن الحسابات السياسية والشعبوية التي تتحكم بهذا الفريق أو ذاك". ويضيف "ليس صحيحاً أن كلّ الموقوفين الإسلاميين إرهابيون، أو أنهم قاتلوا ضدّ الجيش وقتلوا جنوده، هناك مظلومون مضى على توقيفهم سنوات من دون محاكمة ولا أحكام عادلة، ويجب أن يشملهم العفو"، ويلفت إلى أن "حلّ ازمة اللبنانيين الموجودين في إسرائيل، بحاجة إلى معالجة قانونية وإنسانية أيضاً، إذ أن المئات منهم لا علاقة لهم بالتعامل مع إسرائيل، خصوصاً الذين فرّوا إلى إسرائيل مع أهلهم وكانوا أطفالاً، وبعضهم ولد هناك، ويجب التمييز بينهم وبين العملاء والخونة".

مذكرات "غبّ الطلب"
أكبر المستفيدين من قانون العفو العام، هم أبناء منطقة البقاع المحسوبين على الثنائي الشيعي المتمثّل بحركة "أمل" و"حزب الله"، الذين يشكلون رأس حربة المطالبين بالعفو. وفي هذا الإطار يتحدث المصدر القضائي عن "ضرورة معالجة مذكرات التوقيف وخلاصات الأحكام الغيابية الصادرة بحق أكثر من 30 ألف شخص من أبناء البقاع، بجرائم مخدرات وغيرها"، مشيراً إلى أن "أغلب مذكرات التوقيف صدرت "غبّ الطلب"، لأن الملاحق غيابياً تشدد التهم المنسوبة إليه". ولا يجد المصدر سبيلاً لطي صفحة هذه الملاحقات، إلّا بـ "توحيد النظرة لقانون العفو، وأن يقارب الموضوع بأبعاده الأمنية والصحية والإنسانية، وليس بالخلفية السياسية التي تعمّق أزمة السجون والسجناء، وأزمة البلد برمته".


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها