آخر تحديث:00:06(بيروت)
الخميس 05/03/2020
share

فلسطين الداخل والخارج: قصص نساء يواجهن "صفقة القرن"

أحمد الحاج علي | الخميس 05/03/2020
شارك المقال :
فلسطين الداخل والخارج: قصص نساء يواجهن "صفقة القرن" الهجوم على قرية ترشيحا عام 1948 (الأرشيف)

في النصف الثاني من عقد التسعينيات، وبروز الإنترنت كأداة جديدة في التواصل، اتجه حسام عرار لتعلّم وسيلة التواصل الجديدة "كان همّي أن أجد طريقة للتواصل مع أبناء بلدتي الذين ما زالوا في ترشيحا". وبالفعل تعرّف على عدد منهم. يوجّهون الكاميرا باتجاه بيوت البلدة. فيتجمّع الأطفال والشباب وكبار السن، لرؤية صندوق العجائب. عزْف لؤي بشارة على الكمان مرافقاً تجوال الكاميرا، يضيف بعداً وجدانياً يُضاعف حماسة المشاهدين. لا ينسى عرار لحظة أخبروه أن البيت الذي يظهر في الكاميرا هو بيت جدّه، وكان يطل من الشباك شاب لا يشبههم، يهودي جاء من رومانيا ليسكن بيتاً لا يعرف تاريخه.

يزداد التواصل. يأتي المفكر الفلسطيني عزمي بشارة عام 2005 إلى لبنان. وبعد زيارته مقبرة شهداء صبرا وشاتيلا، يلتقي أهل بلدته ترشيحا في مخيم برج البراجنة. يتعرّف عليهم بأسماء عائلات يعرفها جيّداً، ضاقت القاعة بحضور يودّ سماع هذا الصوت القادم من فلسطين. بعد عودته إلى الناصرة، تواصل عرار مع مكتب بشارة، بهدف تمتين العلاقات مع ترشيحا الوطن. فكان بناء مشروع تواصلي مع مدير مكتبه وجدي شاهين سمّوه "حركة شباب ترشيحا".

زيت مريم
جرى الاتفاق على إحياء ذكرى احتلال ترشيحا في 28/10 في البلدة ومخيم برج البراجنة. هاجم الشاباك التظاهرة، واعتُقل شاهين. العام الثاني كانت الأعداد أكبر، وأُقيمت الفعاليات. صار لشباب ترشيحا صحيفة تحكي أخبار المقيمين في ترشيحا ولاجئيها في لبنان. انضم إلى المشروع لاجئو ترشيحا في مخيم النيرب بحلب. المشروع الذي اعتبرته "حركة شباب ترشيحا" الأهم في تاريخها هو "يلاّ ع ترشيحا"، ويحث اللاجئين الفلسطينيين، الذين يملكون جنسيات أجنبية، على زيارة ترشيحا، على أن يكونوا بضيافة أهل البلدة خلال فترة إقامتهم. يزرعون زيتونة تحمل اسمهم. يُهدَون مفتاح العودة. يلتقطون الصور أمام جدار كُتبت عليه أسماء العائلات. عبد الرؤف أبو خريبة، ذهب، قبل عامين، من الدنمارك ضمن مشروع "يلاّ ع ترشيحا". قال لمستقبليه في البلدة إنه يتمنى أن يأتيه الموت وهو على هذه الأرض. استجاب قلبه بعد أيام، وتوقّف، ودُفن في تراب ترشيحا.

سمعَت مريم الدقاق أن حسام عرار على تواصل مع أهل بلدتها ترشيحا. جاءته وقد تجاوزت الثمانين "خالتي يا حسام، قلبي حاسسني إني مش مطولة، وبدي أموت. بس في بقلبي غصة. حابّي قبل ما أموت أشرب من زيت ترشيحا. ويا ريت إزا بكون الزيت من أرض أبوي بالمبروكة".

يتواصل حسام مع صديقه في البلدة باسم طنوس. يرسل له الأخير زجاجة زيت عبر زائر للأردن، الذي يبعثها بدوره عبر سائق. تتلقاها مريم فرحة بهذه الهدية التي انتظرتها حوالى 65 عاماً. تغمس الخبز بالزيت. ثم تعود مسرعة إلى متجر حسام وهي تحمل زجاجة الزيت "يا زلمي، شو بتضحك عليّ، هاض مش زيت ترشيحا.. لسّاتي ما خرّفت"، قالتها مريم بغضب.

حاول أن يقنعها من دون جدوى. حملا الزجاجة إلى محمد فوزي طه، الذي عمل شاباً في حقول الزيتون بترشيحا. جزم أن الزيت ليس من زيتون ترشيحا. عاد حسام معاتباً طنّوس، الذي تواصل مع من أرسل الزجاجة من الأردن، فتبيّن أنه أخطأ بين زجاجتين. صدقت مريم. لكن دُفنت في مخيم برج البراجنة، قبل تصحيح الخطأ، موصية بحمل جثمانها يوماً إلى ترشيحا.

خديجة
بعد قصف جامع ترشيحا، يرحل مصطفى مصطفى وزوجته فاطمة وابنته خديجة وابنه أحمد إلى لبنان. في عنجر وبعد عام، تشتاق فاطمة إلى أهلها الذين هجروا ترشيحا إلى قرية أبو سنان. تعبر الحدود بولديها. وبعد أشهر يتبعها زوجها. يطلب منها الخروج معه إلى لبنان حتى لا يصيب العائلة أذى "يا زلمي مش حرجع أعيش بذلّ". يرجع مصطفى إلى لبنان، وتبقى فاطمة وولداها عند أهلها. ولم يعد بالإمكان اجتياز الحدود. ينفصلا. يموت أحمد، وتبقى خديجة وأمّها، التي تتزوّج بعد سنوات. ويفعل مصطفى الأمر نفسه.

بعد 23 عاماً يذهب مصطفى للأردن، ثم يُسمح له بزيارة ابنته بقرية أبو سنان في الجليل. كانت فاطمة قد ماتت. رفض الذهاب لترشيحا، حتى لا يرى معالوت تحتلّ جزءا من أراضيها. لم تعاتبه خديجة. بل عند استقباله انهارت تماماً، وحُملت إلى المستشفى. بكى عندما صحا ليلاً ووجدها تقبّل قدميه. عاد بصور لخديجة ولعائلتها.

عام 1994 يذهب محمود وأمّه لزيارة أخته خديجة. يقول إن الزائر يشعر بالحنين منذ يرى البصّة القرية الفلسطينية الحدودية. مشاهد كثيرة حفرت عميقاً في ذاكرته "أمّي التي خرجت من فلسطين وعمرها 15 عاماً، كانت ما تزال تحفظ المعالم بدقة صادمة. حتى أنا لم أكن أتوقّع مثلاً أني أحفظ معالم الكابري ميدانياً من كثرة وصفها لي من قبل أقاربي. كما فاجأتني هذه العاطفة الكبيرة تجاه الفلسطينيين في لبنان. فأبناء خالتي فاطمة بكوا بحرقة لرؤيتي مع أني لست أخاهم. أمي لاقت ترحاباً كبيراً من أختي خديجة وإخوتها، حتى إنها بقيت عندهم شهرين إضافيين بعد رجوعي للبنان".

يُخبر عن الوفود التي أتت من قرى عديدة ترحّب بهؤلاء القادمين من لبنان "لديهم عطف خاص على الفلسطينيين في لبنان. فهم يعرفون تفاصيل حياتهم الاجتماعية. لذلك تجد هذا الكرم المضاعف، الذي يصل لجمع الأموال وإرسالها للفلسطينيين في لبنان، وهو ما حصل معي بالفعل"، يقول محمود. حتى فاطمة الهواري جاءت لزيارته، وهي التي أقعدها قصف طيران العصابات اليهودية عام 1948 لبيتها في ترشيحا يوم كانت طفلة. بعد عقود جاء الطيار إيبي ناتان ليطلب منها مراراً الصفح، وهي تكرر طلبها "أعد لي قدميّ إذن". اللحظة الأقسى خلال زيارته كانت عندما لمس بيت أهله المُصادر.

الشهود والضحايا
الصحافي محمد محسن وتد من قرية جت في المثلث، والتي تشملها صفقة القرن بالحديث عن تبادل الأراضي والسكان. يقول لـ "المدن" إن هناك عدة أسباب للتعاطف مع اللاجئين خارج فلسطين، منها "أننا نعيش معاناتهم كون هناك حوالي 300 ألف لاجئ داخل الوطن. تخيل أنت تعيش في داخل الوطن وبقايا قريتك، وأطلال المنزل، وشواهد المقبرة على مرمى حجر منك وأنت لا تستطيع العودة إليها. فهو التعاطف مع أنفسنا ومع كل فلسطيني في الشتات وفي كل مكان يتواجد به. فقضية اللاجئين تجمعنا، وجميع اللاجئين في الشتات لديهم أقارب وعائلات بالداخل الفلسطيني وهذا هو سر بقاء وحياة الشعب الفلسطيني، حتى وإن سعت الكثير من الدول وأميركا لتصفية القضية الفلسطينية بموجب القرارات والمسميات الدولية، لكن الشعب الفلسطيني يبقى ينبض بالحياة ولن يموت".

ويتابع أن والده من مواليد قرية السركس قضاء الخضيرة، "وهو شاهد على النكبة. كان لجدي وعائلته منزلان الأول في السركس التي هُدمت وشرد سكانها وبقيت المقبرة إلى اليوم وعمتي مدفونة هناك. والمنزل الثاني في قرية جت، حيث ما زلنا نسكن مع والدي ووالدتي. فوالدي لاجئ داخل الوطن، على اعتبار أن منزل عائلته ومئات الدونمات للعائلة قضاء الخضيرة أقيمت عليها الكيبوتسات والقرى الزراعية اليهودية".

 ويشدد على أن "كل فلسطيني بالداخل يرى باللاجئين في الشتات لب وجوهر فلسطين، بمعنى دون العودة للوطن ستبقى فلسطين والوطن جرحاً نازفاً. نرى بأقربائنا اللاجين كل القضية وتاريخ الشعب الفلسطيني. نتذكرهم ونعيش معاناتهم بالدفاع عن حقهم بالعودة وإحياء ذكرى النكبة بمسيرات عودة للقرى المهجرة. وتبقى قضية اللاجئين البوصلة والمنبه. ولعل ما تبقى من القضية الفلسطينية الذي يتفق عليه الجميع أنه المحرك للشعب الفلسطيني بكل أماكن تواجده هو قضية اللاجئين والقدس والأقصى".  

بداية التواصل مع أقاربه اللاجئين في الأردن وسورية، كانت في ثمانينيات القرن الماضي حين استغلّ والده وأعمامه فرصة ذهابهم لأداء الحج، فالتقوا بأقاربهم في الأردن. توقيع اتفاق وادي عربة بين الأردن و(إسرائيل) مهّد لزيارات كثيرة لعمّان، التي ستكون مقصداً للعائلة المهجّرة إلى سورية، وللغاية نفسها.

لقاء محمد بأقاربه كان عام 1996 "صُدمت بهذه الحفاوة، وتحضيرات الاستقبال في ديوان آل محسن في جبل التاج في عمان. الكبار كانوا شهود وضحايا النكبة. والكل يجتمع من حولك بمشاعر جياشة، وأسئلة وتساؤلات عن كل حجر بفلسطين. مشاهد راسخة في ذاكرتهم منذ عام 1948. ذاك يسأل عن أرضه، وذاك عن بيته، وآخر عن حيفا، ورابع عن مزرعته في يافا. كان عام 1996 لكن تشعر من حديثهم وذكرياتهم كأن الزمن توقف عند نكبة عام 1948".

يتابع "ليس صدفة أن جميعهم من دون استثناء كانوا يعيشون، لا أقول حلم العودة، وإنما العودة التي عاشوا عقودًا وغرسوا لدى أولادهم قناعات وإيماناً بأنها واقعة فعلاً. في أية لحظة سنعود إلى فلسطين. أعمامي جميعهم توفاهم الخالق دون أن يحققوا حلم العودة ودون أن يدفنوا بثرى فلسطين. ما زلنا على اتصال وتواصل مع أولادهم وأحفادهم، وعلاقتنا متواصلة على جانبي الوطن الأردن وفلسطين".

مشاهدة المخيمات خارج فلسطين، بقدر ما أجّجت التعاطف بنفس وتد، بقدر ما ضاعفت المخاوف من حدوث عمليات تهجير واسعة، تكون نتيجة كل هذا القهر في المخيمات "هذه المخاوف والهواجس لم تغب عنا طوال عقود، لربما نحن أكثر من يعي ويفهم العقلية الإسرائيلية والتي تتكشف بهذه المرحلة بمشاريع يهودية الدولة وغيرها. ولعل من أقسى الظروف والمشاعر أن تعيش داخل وطنك ولا تمارس مواطنتك، وتحرم من خيرات الوطن. ومعاناة الحرمان من الوطن يعيشها كل فلسطيني أينما وُجد. ورغم هذه الهواجس والمخاوف نحن بالداخل حسمنا أمرنا ومستقبلنا: لن تكون نكبة ثانية. ولن نسمح بتهجير وتشريد آخر يكرر مشاهده المرعبة. ربما تتكرر مشاهد المجازر. قناعتنا لن نكون في اللجوء ونحن نرى إلى يومنا هذا معاناة أهلنا اللاجئين في سورية ولبنان ومخيمات اللجوء في الأردن وفي قطاع غزة والضفة الغربية. هدفنا عودة اللاجئين إلى ديارهم، وليس تهجيرنا إلى دول الشتات".

يذهب الكاتب وليد محمد علي في حديثه لـ "المدن" إلى أن  التسوية السياسية جعلت فلسطينيي المناطق المحتلة عام 1948 أكثر قلقاً على مستقبل انتمائهم في هذا الوطن. وجعلت تعريفهم حائراً هل هم أبناء الدولة الفلسطينية العتيدة، أم أبناء الدولة الفلسطينية الواحدة. وهذا القلق لدى فلسطينيي 48 على هويتهم، كما قلق فلسطينيي لبنان على حقهم بالعودة "يؤثّر على هذا التواصل الذي أصبح مشحوناً بالعاطفة والتوتر أيضاً".

زمن الاضطراب الهوياتي، ما زال الفلسطينيون يحافظون على هويتهم الوطنية المشتركة، رغم عدم وجود دولة واحدة تجمعهم. قصص "مريم" و"خوجية" و"زينب" و"خديجة" أحد أسباب تماسك هذه الهوية، وأداة دفاع أولية في مواجهة صفقة القرن.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها