آخر تحديث:00:04(بيروت)
الأربعاء 04/03/2020
share

مريم وزينب وخوجية يواجهن "صفقة القرن"

أحمد الحاج علي | الأربعاء 04/03/2020
شارك المقال :
مريم وزينب وخوجية يواجهن "صفقة القرن" بلاد الفلسطينيين، في أحاديثهم، أقرب إلى فكرة صوفية، أو جمال متخيّل (قرية شعب، شمال فلسطين)

نالت القائمة العربية في الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة 14 مقعداً. وهذا أكبر عدد للنواب العرب في الكنيست منذ تأسيس الدولة العبرية. وهذا يشير إلى رسوخ المجتمع الفلسطيني وقوته داخل فلسطين التاريخية، رغم فداحة "النكبة". والأهم أن هذا المجتمع لا يزال هو نفسه بهويته الفلسطينية رغم كل الخرائط، ورغم كل جدران العزل ورغم تمزقات الشتات.. بل رغم الحدود السابقة والحدود التي تحاول رسمها "صفقة القرن". هنا حكايات أهل فلسطين الآن:

بين فلسطينيي المناطق المحتلة عام 1948 واللاجئين في الخارج، وخصوصاً لبنان، حنين قد يستعصي أحياناً على العقل، وقصص تكسر القلب وتجبره، وتصنع كل هذا الرباط بين أهل الشتات ومن بقي في فلسطين. تتصل رتيبة حسين، في مخيم برج البراجنة، بابنة عمّتها خوجية المحمود، في قرية البعنة بالجليل، بعد أكثر من 71 عاماً على الفراق. 

دموع وغصّات، والكثير من العتابا والمواويل المجروحة، في منطقة اشتُهرت بالغناء وارتجال الشعر. يجرّهما البكاء إلى لحظة لم تغادرهما منذ 71 عاماً. يوم باتت العائلات النازحة من البعنة وشعب ليلتها تحت أشجار الزيتون في "دير القاسي"، المحطة الأخيرة قبل عبور الحدود الفلسطينية اللبنانية إلى قرية "رميش". وتحت زيتونة أنجبت ريا عبد العزيز (أم فيصل) ابنها، ثم أكملت الطريق إلى لبنان. رضّع آخرون من أهالي شعب، ماتوا ودُفنوا في دير القاسي.

القلب والعطر
في الصباح، وبعد ليلة طويلة لم تنم خلالها فاطمة، والدة خوجية، كما معظم اللاجئين، قررت العودة إلى البعنة. "يا زينب (والدة رتيبة)، اللي بطلع من داره بقل مقداره، تعالي نرجع. وهاي أولادي محي الدين وصلاح أخدوهن اليهود، ولازم أشوف شو صار فيهن". "بس يا فاطمة، اليهود لمّن جمعونا على البيادر، قالولنا ما ترجعوا. بطخّونا. متل ما قتلوا أهل شعب بمدبحة الوحل. وزلام "الحامية" (المحاربون) صاروا بلبنان"، تردّ زينب. "ما بصير غير اللي الله كاتبه، ومصير الزلام يرجعوا. أنا راجعة والاتكال على الله. سلميلي على أخوي صالح. وأمانة أول ما يهدا الوضع يرجع دغري، ما إلنا غيرو". تقف أختها أمينة "وأنا خيتا راجعة معك أنا والولاد، وهاي إمي بقيت لحالها بالبلد ما رضيت تترك قبر أبوي. لازم نكون حدها". عناق وحب ودموع فوداع.

يستوقف شريط الذكريات موّال تطلقه رتيبة:

وينتا يْعود الزمن وتْعود الأيامِ

ويلتمّ شملي وشمل أهلي وخلاني

ويدق طبل الهنا بوسط حارتنا

وقُول يا عين طبلك بالهنا نامي

يعود بهما الحنين إلى يوم هُجّر أهل رتيبة حسين من قرية "شعب"، وتراجعت "الحامية" التي كانت تحرس القرية، أمام هجوم العصابات اليهودية، بعد صمود استمرّ أشهراً. ذهبت العائلة إلى بيت فاطمة محمد حسين في البعنة. وكان أخوها صالح وأولاده قد حملوا السلاح دفاعاً عن قريتهم شعب. ومن بينهم داوود، الذي وُصف بأنه أنبه شباب قريته، بعدما حصّل تعليماً عالياً في عكا. وكان في المعارك، بالبروة، وميعار، وشعب من أشجعهم. جاء حاملاً بندقيته الفرنسية التي حفظ طيلة حياته رقم سبطانتها T54980، ورقم الترباس P54980، ناقضاً ما كان يُقال عن نعومة ملمس كفّيه. سعر البندقية أكثر من 90 ليرة فلسطينية، باعت النساء صيغتهن، ورُهن الزيتون، وتبرع المقتدرون من أجل تأمين الثمن.

القلب الذي لم توقف ضرباته كل تلك المعارك، ما زال يخفق بقوة. ولأن الحب والعطر لا يختبئان، كما يقول أهل إيطاليا، خطب داوود خوجية، وخطب محي الدين فاطمة ابنة خاله صالح. أيام وكان على حامية شعب أن تغادر البعنة إلى لبنان، عبر طرق وعرة، تجنّباً لأماكن تواجد العصابات اليهودية. تلقّى داوود هدية من خوجية، منديلاً أخضر. ذكرى لحين لقاء لن يطول كما ظنّا. "لمّن ترجع بترجعلي إياه"، وضحكت. تعب المنديل من الانتظار.

تُطلق خوجيّة موّالاً تواسي حزن حديثها مع رتيبة:

بعتّو يا منى عيني بعتّو

 سفر يومين عن عيني بعدتو

إعلِمونا يا روحي وين قعدتو

 وإنتو بهنا ولاّ بعذاب.

الحدود اللبنانية 
يُعتقل محي الدين. يتعرّض للتعذيب. يُطلق سراحه، فيتوجه إلى لبنان. أما حنيفة، والدة صالح، فتسكن البعنة بعد تعذّر العودة إلى شعب. وتُرسل رسالة إلى ابنها عبر أحد المتسللين من البعنة إلى لبنان "يمّا يا صالح، هيك بتروح بدون ما تترك شي من ريحتك يمّا؟!". لم ينم صالح، الشاب الوحيد لدى أمّه، وكان المأمول أن يرث مكانة أبيه الاجتماعية في التصوّف وإدارة المصالحات. لا يستطيع إرسال أبنائه، فهم قد حملوا السلاح. يشكي حيرته لزوجته زينب، فتفاجئه ابنته حنيفة بقولها، وهي لا تكاد تبلغ اثني عشر عاماً "يابا أنا بروح عند ستّي". "لا إنت صغيرة، والطريق بتخوّف" يقول أبو إبراهيم. فترد حنيفة "يابا أنا بخفش، وبعدين بكون معي الدليل، يعني مش حضيع". أيام وتعبر حنيفة الحدود، برفقة الدليل، وتصل حيث تسكن جدتها في البعنة. تمكث عامين إلى حين وفاة الأخيرة، ثم ترجع إلى بيت أهلها في عنجر.

طالت خطبة محي الدين بمقاييس ذلك الزمان. لكنّه يرفض الزواج دون أن يأتي بأخته خوجية. عليه اجتياز الحدود بعد عامين من مكوثه في لبنان. تلك الحدود التي صار من الصعب اجتيازها، كما أخبره محمود عبد السلام، الذي كان يحفظ الطريق إلى المدن الفلسطينية وقرى الجليل، وقد نفّذ عمليات كثيرة، سيّدته بطلاً بنظر أبناء قريته شعب "استشهد ناس من أهل بلدنا، وتصاوب أحمد مصطفى طه، وآخر مرّة تصاوبت زوجة خالد سعيد كيوان. دير بالك يا محي الدين، وخليك كمان شوي بعنجر لحتى يهدا الوضع على الحدود". أصرّ الأخير على مراده. في مرحلة (1948-1956) يقول المؤرخ الإسرائيلي بني موريس أنها شهدت مقتل ما بين 3000-5000 فلسطيني حاولوا اجتياز الحدود، للوصول إلى قراهم. 

قبض الاحتلال على محي الدين. أودع السجن لفترة. عُذّب كثيراً. خرج متهالك الجسد. رجاء أمّه قطع عليه طريق البعنة إلى لبنان. ولن يغادر قريته إلاّ بإذن من الحاكم العسكري، كما هي حال كل من بقي في أرضه. حكم عسكري سيستمر حتى عام 66. وفي لبنان سيعيش اللاجئون ظرفاً مشابهاً بمنعهم من التنقل بين المناطق والمخيمات إلا بتصريح من المكتب الثاني. سياسة المناطق المغلقة، ستساهم في تعزيز العائلية لدى الفلسطينيين سواء كانوا بالداخل أو في لبنان.

"أبعث سلامي"
القلق على المستقبل، والجهل بمصير من بقي، والانقطاع بين العائلات في الوطن والشتات، سيشكل أجواء نفسية فلسطينية أكثر انفعالية، وحماسة. سيزداد اللجوء للعتابا والمواويل كملاذ نفسيّ. وسيكثر تفسير المنامات في محاولة لتوقع المستقبل. وكل منام هو مرتبط بالعودة لا محالة. وكل فنجان له أكثر من قارئ، وجميعهم يبشّر بالعودة. استذكار يومي للمناسبات التي كانوا يحيونها في قرية شعب. الأعياد على البيادر، الأعراس التي أصبحت صامتة بعد تهجيرهم. حتى طوشات (عراك) "شعب" الداخلية صارت ذكريات جميلة. فيقوى الشعور الجمعي في تحدّ للشعور بعجز فردي يثقل الحركة. أما ذكريات حامية شعب وبطولاتها، فستصبح تعويضاً عن المهانة التي يشعر بها اللاجئون من القرية.

بعد سنوات، تُطلق "صوت إسرائيل" برنامجاً يُطمئن من خلاله أهل الداخل أقرباءهم في الخارج عن أحوالهم، للتخفيف من مسؤوليتها في جريمة اقتلاع الفلسطينيين. اللاجئون الفلسطينيون جميعهم كانوا يستمعون إليه، ومن بينهم عائلة صالح حسين. لم يسمع صوت أختيه أمينة وفاطمة، ولا كان صوت محي الدين وخوجية. حفيدة أمينة؛ نسرين حسين، وُلدت في "البعنة"، تقول لـ "المدن"، أنها طالما دخلت غرفة جدتها، ورأتها تبكي غياب أخيها صالح. وسمعتها تغني المواويل مؤمّلة عودته، ومما حفظته عنها:

أنا لأبعت سلامي سلامين وتحية

لأعز ما في القلب يا نور عينيي

يوم أراكم يجبر الله بخاطري

وتشفى لِجْروح اللي إلها أيام مضنية

"كنت وأنا وصغيرة، أبكي على بكاها. حتى أبوي لمن مات داوود، ابن خاله، بكي بكا كتير، لإنو ما قدر يشوفه"، تقول نسرين، التي منذ تلك اللحظة بدأ يرسخ في شعورها انتماء إلى جماعة واسعة. 

في السبعينيات سيغني أهالي شعب مع شاعرهم يوسف حسون، بصوت نصري شمس الدين:

يا طير يا طاير على فلسطين

بكّير صبحها ومسّيها

سلم عليها وقلها جايين

جايين نحرّر أراضيها

وفي الداخل سينشد الفلسطينيون المقيمون للاجئين بكلمات شاعرهم توفيق زيّاد "أحبائي.. برمش العين أفرش درب عودتكم". تفاعل ومشاركة، بالشعر، والارتباط العاطفي، الذي تزيده المأساة وصلاً. ظن الجميع أن العودة قاب بندقية أو أدنى، لكن.. 

زيارة إلى الداخل
عام 1994، وبعد اتفاق أوسلو، تذهب زينب إلى فلسطين. بعد 46 عاما، تسلك طريق العودة، غير عائدة، بل زائرة، بلا صالح، الذين مات قبل ذلك بعشر سنوات. حدّقت في وجوه المستقبلين. غاب وجها آمنة وفاطمة. رحلتا عن وجه الأرض. بعد أشهر، رجعت تحمل حبّات زيتون، صنعت منها مِسبحة سيّجت بها معصمها، وعبوة من تراب شعب، ستؤنس وحدتها في قبرها بعد عام حين ترحل. قليلون هم من سمحت لهم قوانين الاحتلال بزيارة أقاربهم في تلك المرحلة. وقليلون من هذه الأقلية ذهبت لوطنها، فجميلة أبو سعيد جاءت من شعب لتخبر أن عدم الزيارة أقل قهراً من مرورها أمام زيتونة لأهلها دون أن تستطيع عصر ثمارها.

غادة، ابنة رتيبة، قررت الذهاب مع أبنائها لزيارة أقاربها "كانوا مش مصدّقين إنو شايفين الأقارب بعد كل هاي المدة. محتارين شو بدّن يقدّمو". يحتفون بكل قادم. يعلمون تفاصيل حياة الفلسطينيين في لبنان. لذلك يحرصون على جمع الأموال يعطونها للقادمين لتوزيعها على الأقارب. في خطوة لا تخلو من مفارقة واضحة. تفاجأت، كما تقول لـ "المدن"، بمدى تعاطفهم مع الفلسطينيين في الضفة وغزة. يرعون أيتام تلك المناطق. يحرصون على شراء حاجياتهم من جنين وطولكرم ومدن وقرى الضفة القريبة. زارت بيت جدّها صالح. سريعاً أشاحت وجهها عنه حين غالبها البكاء. شهر وتعود. قبل أن يسري قرار منع الزيارات مجدداً. سنوات قليلة وتسافر وزوجها وأولادها إلى تركيا لرؤية أقاربهم مرة جديدة. ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح الاتصال بينهم شبه يومي.

أيار 2000، ينسحب الاحتلال من جنوب لبنان. يتدفّق آلاف الفلسطينيين إلى جانبي الحدود. كل طرف يريد أن يرى نصفه الضائع. يتبادلون أطباق الكبّة والخبّيزة، وأطباقاً ربما لم يصنعوها منذ عقود. هناك التقت خوجية، القادمة من البعنة، آمنة زوجة داوود، وابنها صالح، القادمين من مخيم برج البراجنة. انتزعت قرطين ذهب من أذنيها، ورمتهما باتجاه آمنة وصالح، الذي أصبح طبيباً لا يستطيع مزاولة المهنة في لبنان المحرّر. خلع ساعة حول معصمه فعبرت الحدود باتجاه خوجية. اللقاءات التي أضحت يومية انقطعت بفعل الدم الذي سقط في مواجهات مع الاحتلال يوم 17 شباط 2001 حين قُتل شادي الأنس، من مخيم برج البراجنة، وحسن حسنين من مخيم شاتيلا، وكلاهما ولد خارج بلاده. ولن يستطيع بعدها الفلسطينيون في لبنان الوصول إلى الحدود إلا بتصريح أمني، أو لدوافع دعائية.

حفيد زينب، الكاتب والشاعر ياسر علي، ألهمته حكايات أمّه سعاد عن "شعب". لم يكتب عن مجزرة تل الزعتر التي شهدها طفلاً، ولا عن حرب المخيمات التي عايشها شاباً، بل عن تاريخ بلدة لم يرها من قبل. كتب كتاباً من حوالى 300 صفحة، عن شَعَب. كبقية الفلسطينيين، بلادُهم، في أحاديثهم، أقرب إلى فكرة صوفية، أو جمال متخيّل. وهي بلاد مختارة، لأن الاستيطان الصهيوني استهدفها دون غيرها، وهم "شعب مختار" بفعلها وخيريتها. يدفعهم القهر الحاضر إلى التعلّق بالماضي أكثر وحكايات بلداتهم. من بقي من أهالي شعب الموجودين بها أو بالقرى المجاورة لها، احتفوا بالكتاب الذي صدر عام 2007.

في ظاهرة غريبة لاحتفاء بكتاب، أقاموا حفلاً بملعب كرة السلة، وهم الذين بدأوا يعودون إلى بلدتهم بعد انتهاء الحكم العسكري عام 1966، من يقدر يشتري بيته، لكن الأراضي الزراعية مصادرة. احتفاءً بالكتاب تصالح المجلس البلدي الجديد والقديم، بعد انتخابات ساخنة. وزّعوه مجاناً على أهالي البلدة. تزاحموا لإلقاء 11 كلمة تشيد بالكتاب، وتعلّق اللاجئين ببلدتهم رغم طول غيابهم عنها. كان لافتاً أن يفتتحوا الاحتفال بصوت شاعرهم يوسف حسون الذي مات في لبنان قبل عقود:

غنى الحادي وقال بيوت.. بيوت غنّاها الحادي

سدّوا الدرب منين أفوت.. أفوت وأقدر بعنادي

يا حلالي ويا مالي     

رحلت خوجية، لكن بقيت نسرين ابنة أخيها حامد تتواصل مع أقاربها في لبنان عبر مواقع السوشال ميديا. ثم سافرت إلى الدنمارك، لتلتقي من جرّب منهم اللجوء للمرة الثانية. قالت إن أحد دوافعها لاكتشاف عائلتها الممتدة هي حزنها وهي صغيرة، بسبب أن عدد أفراد عائلتها قليل، قبل أن تكتشف أن أعدادها كانت كبيرة جداً قبل عام 1948. أما ياسر علي فتلا كتابَه مقالاتٌ في حب قريته شعب، منها مدّونة "رسالة في حب شعب". غادة ما تزال تهاتف أقاربها المنتشرين في قرى فلسطين.
(يتبع غداً، جزء ثان وأخير)


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها