آخر تحديث:00:02(بيروت)
الثلاثاء 31/03/2020
share

لبنانيان في الرعب بين إيطاليا وهونغ كونغ

نبيلة غصين | الثلاثاء 31/03/2020
شارك المقال :
لبنانيان في الرعب بين إيطاليا وهونغ كونغ لا تتوقف أصوات سيارات الإسعاف التي تنقل المرضى (Getty)
في الأيام القليلة الماضية، صعّد سياسيو لبنان حدة مناكفاتهم، لحث الحكومة التي عيّنوها ويديرونها على الإسراع في إيجاد حلول لقضية المغتربيين والعالقين اللبنانيين في الخارج.

وفيما ناشد بعض الطلاب في أوروبا والمغتربين الحكومةَ لمساعدتهم في العودة، فإن هناك كثيرٌ وصل بهم اليأس من لبنان حدّ طلبهم الموت في الخارج، دون العودة إليه. فهؤلاء أمضوا سنوات في الاغتراب بعيداً من أهلهم وأحبتهم، ولم يعد وطنهم يعني لهم شيئاً أكثر من صور لعائلاتهم ومحادثتهم هاتفياً.

أما أهل السياسة والزعامة والحكم فشرعوا، كعادتهم في أي شأن من شؤون الدنيا والناس، بحفلة مزايدات تنكرية في غرامهم بالمغتربين، ولمساعدتهم في العودة من الخارج إلى بلدهم، هرباً من وباء كورونا. ولكن من قال لهم أن المغتربين، والطلاب في أوروبا، يريدون كلهم العودة إلى لبنان؟

لبنانية في إيطاليا
كارول طالبة جامعية لبنانية تقيم في إيطاليا، وأرسلت يومياها هناك إلى "المدن"، لتقدم صورة عن المحنة الإيطالية مع الوباء العالمي، وعن مأساتها مع لبنان الذي لا تريد العودة إليه.

السبت 7 آذار
في هذا النهار كان لقائي الأخير بأصدقائي. صباح اليوم التالي فوجئنا بقرار الحجر التي فرضته الحكومة الإيطالية في منطقة لومبرديا. تهافت الناس إلى القطارات للعودة إلى منازلهم في الجنوب. حالة من الهلع والرعب في الصدور والعيون.

أقيم مع زميلاتي في شقةٍ بمدينة ليكو في مقاطعة لمبارديا شمال إيطاليا. معظم سكان المقاطعة من المسنين. وإيطاليا نسبة المسنين فيها من الأعلى في أوروبا.

الإثنين 9 آذار
في طريقي إلى الجامعة، لظني أنها لم تقفل أبوابها بعد، كنت وحيدة في القطار مع السائق. وأنا عائدة إلى حيث أسكن، بدأت الشرطة تقفل مداخل المدينة ومخارجها. رأيت أشخاصاً كثيرين يلوحون بأوراق بيضاء، راجين الشرطيين السماح لهم بالمغادرة إلى منازلهم في المناطق الأخرى. خوف، بل هلع على الوجوه. نحن الذين لطالما واجهنا الحرب الإسرائيلية، والأزمات الداخلية، كأنما بات الخوف يبقى خارج أحاسيسنا وصدورنا.

الثلاثاء 10 آذار
بدأت الأيام تفقد أسماءها وتواريخها، وتسطح الزمن. علينا، زملائي وأنا، أن نستوعب الوضع. أن نضع خطة للاستمرار. توزعنا مهام الحياة اليومية. تطوعتُ لمهمة شراء الحاجيات من الخارج، على أن أقوم بها دائماً وحدي. كلما أخرج أصادف باص النقل المشترك خالياً. وبدأ يسيطر على تفكيري مصيرُ عامنا الدراسي ومشروع تخرجي الذي علي تسليمه بعد أيامٍ فقط.

وسيطر علي الوسواس القهري. شعرت مرات بعوارض كورونا: صداع، ألم في المفاصل، ضيق في التنفس، نبض سريع في القلب. وتبين لي أنه الهلع. هلع من سماعي الأرقام اليومية للموتى في المقاطعة التي نقيم فيها. أن يكون الموت قريباً لهذه الدرجة، ويحيط بك من الجهات كلها. أن أرى من وراء النافذة المدينة التي كانت تضج بالحياة، خالية خاوية. اختزلت الكثير من مشروع تخرجي الجامعي. كان عليّ الإنتهاء من هذا الكابوس، وتسليم ما تيّسر من المشروع.

أربعاء، خميس، جمعة: غناء للمصابين
أصوات سيارات الإسعاف تنقل المرضى الذين يتزايدون يوماً بعد يوم. نحن محاصرون بالموت. انقطعت صلتنا بالعالم الخارجي: التلفزيون، الهاتف، الشرفة. على الشرفة أرسم لوحات لبيوت المدينة التي أحببت. بيوت ربما تصبح معظمها خالية من البشر. يذكرني هدوء المكان وسكونه بقريتي الجنوبية. ننتظر جميعاً الساعة السادسة مساءً، موعد بث عدد الإصابات. وهو الموعد الذي حدده الإيطاليون للخروج إلى شرفاتهم للغناء دعماً للمصابين.

مدينة الموت ولا لبنان
سلّمت مشروع التخرج، غير مبالية بالنتيجة. من طقوسي المتبعة في نهاية الامتحانات المدرسية، ذهابي مع أمي وشقيقتي في جولةٍ في بيروت. كم أشتاق إليهما. لم أشعر يوماً طوال إقامتي في إيطاليا أني بعيدةً عنهم، كما في هذه اللحظات. اليوم أنفق ما تبقى من مدخراتي. لا أدري كيف سنتدبر أمورنا في المرحلة المقبلة. أهلنا لن يتمكنوا من إرسال المال لنا.

أفضل العيش في"مدينة الموت" على العودة إلى بلدٍ عشت فيه الكثير من حالات الموت المعنوي. لا يلتفتون إلى ذلك. رجال السياسة الذين يبدون خوفهم وتعاطفهم مع المغتربين هم من أسباب هجرتنا. خائفون علينا من الذل والموت؟! أليسوا هم من أهانونا وأذلونا في بلادنا؟!

أفق في هونغ كونغ
محمد على خلاف كارول، يسعى في العودة إلى عائلته وبلده بعدما سدّت الآفاق في وجهه من جديد (بعد لبنان) في هونغ كونع.

منذ حوالى السنتين قرر الرحيل لفتح أفق جديد في بلادٍ جديدة، بعدما عانى الكثير في لبنان. ومحمد ناهز الأربعين من عمره. أب لولدين. باع مكتبه في بيروت، وقرر العمل في مهنة جديدة تواكب زمن الاستهلاك الحديث. استثمر أمواله ومدخراته بهدف حياةٍ أفضل. لم يمض شهران على عمله الجديد حتى بدأت أزمة كورونا. لم يفكر في العودة، هو الذي انتظر سنوات للبدء في استثمار مناسب.

يروي محمد يومياته في هونغ كونغ الملاصقة للصين:
صوته مخنوق، مفرداته عاجزة، تخرج من هاتفي المحمول عبر تقنية الواتس آب. وكأنه صوت رجل شاهد الموت ونجا منه.

يقول محمد إن الأزمة في هونغ كونغ بدأت منذ حوالى أشهر أربعة. في البداية رفضت رئيسة البلاد الموالية للصين إقفال الحدود مع البلد الموبوء. استمر توافد القادمين من الصين للسياحة أو لاستخدام مطارها لأنها أقرب إليهم من العاصمة بكين، فتكاثر المصابون بكورونا، حتى وصل اليوم إلى 500 حالة في مساحة لا تتعدى 1000 كلم مربع، هي مساحة هونغ كونغ.

يصف محمد الحال هناك حيث انتظر الناس أكثر من 70 ساعة للدخول إلى السوبر ماركت للحصول على  الكمامات والمناديل، في ظل انقطاع المواد المعقمة التي ارتفعت أسعارها بشكل مهول.

لا شيء سوى الرعب
بعد مرور حوالى شهرين على تفشي الوباء في البلاد، ساورت محمد الشكوك في حالته الصحية. ظهرت عليه  عوارض المرض. ذهب إلى المستشفى لإجراء الفحص فجاءت نتيجته سلبية. يصف حال الأطفال والعجزة غير القادرين على التنفس في المستشفى. لم يقترب منه أحد من الطاقم الطبي، بل أوكلوا إليه مهمة أخذ العينة من أنفه.

اليوم يحاول محمد العودة إلى لبنان. يتواصل مع السفارة اللبنانية في الصين. فمع فرض الدوام الجزئي على العمال، والحسم من المداخيل، بات ما يحصله لا يكفيه لتغطية حاجاته اليومية. سياسة لبنان المالية التي تمنعه من سحب أمواله العالقة في المصارف اللبنانية، فاقمت أحواله في هونغ كونغ. عاش في حالٍ من التقشف. صعوبة الغربة زادت في ظل الحجر. فهو اليوم يعيش في العزل منقطعاً عن العالم الخارجي.

من تلك البلاد البعيدة الموبوءة يرى محمد ما لم يدركه اللبنانيون بعد: من السيء إلى الأسوأ، إذا ما استمر التعاطي مع الوباء باستهتارٍ. ينتقد الإعلام الذي يسمح لمنجمة أن تخاطب الجمهور، ضاربةً موعداً لإنحسار الفيروس. فيما تتناكف الجهات السياسية على اللاشيء. لكنه يشيد بجهود السياسيين الذين يضغطون لإيجاد الحلول لوضع المغتربين. ربما من يعايش الموت ترتفع قيمة الحياة لديه، ليصبح كل شيء غير الحفاظ على الحياة تفصيلاً تافهاً.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها