آخر تحديث:00:03(بيروت)
الخميس 26/03/2020
share

حياة عقيمة..كلقاحٍ ينقذنا من العزلة

محمد أبي سمرا | الخميس 26/03/2020
شارك المقال :
حياة عقيمة..كلقاحٍ ينقذنا من العزلة ولا نزال نحب الحياة، وندافع عنها بالصمت وتعقيم الأيدي والأشياء والثياب (Getty)

وضوح الإسفلت في الشوارع الطويلة الخالية الخاوية. وضوح الأصوات والألوان والأشياء. أصوات قليلة وواضحة. زقزقات عصافير. صرير خافت لعجلات سيارات بطيئة، تطلع منها زمامير خجولة لم تعد تزعج أحداً.

لقد ولى زمن الإزعاج.

كل شخص بمفرده خلف زجاج سيارته، خلف مقودها، جامد الرأس والبصر، ينظر أمامه، لا يلتفت، لا يحادث أحداً، ولا ينتظر أن يحادثه أحد.

لا ضرورة ولا لزوم للكلام.


لقد تحدثنا كثيرا في زمن مضى، وكثيراً مشينا، وصدرت عنا أصوات كثيرة فاضت عن مقدرة أسماعنا على الاستماع، وأتعبت ألسنتنا. لقد جاء زمن الصمت والوضوح الكامل في الإبصار. تمادينا في استعمال عيوننا، أرهقناها في تنقيلها على الأشياء والمشاهد. بل أرهقنا حواسنا كلها وأحاسيسنا. وعلينا أن نكتفي بالقليل القليل من كل شيء، من الحركة والفعل والناس والعلاقات والكلمات والأماكن.

لا ضرورة ولا لزوم للخروج من المنازل. وإن خرجنا فلنوقن أن لا شيء في الخارج سوى العسر والشح والقلة والخواء. الخواء في وضوحه. الضوء في وضوحه. الاختناق. الإرجاء. التصحر.

لقد بلغنا المساواة في كل شيء.

ألم تكن المساواة طموحنا الكبير في عالمنا القديم الزائل؟

فلماذا لا نحتفل بالمساواة الزاحفة بقوة في عالمنا الجديد؟ بلى، ها نحن نحتفل بها في عزلاتنا المنزلية، حيث لم يعد من قيمة لأي شيء.

أسعار العملات، تدفق السلع، المراتب، قوة الانتاج، العمل المرتبات الشهرية، الأسهم، البورصات، الصراع، التنافس، الحروب، الثورات، وحوادث السير، المطارات، الطائرات، الشركات، والانتخابات...

كل شيء من هذا القبيل صار من الذكريات.


وحدها الأنظمة الصحية، ومستلزمات العزل الطبي، التعقيم، أسرّة المستشفيات، أجهزة التنفس الاصطناعي، الأطباء، الممرضون والممرضات، سيارات الإسعاف، المختبرات الطبية - وهذه كلها موروثة من عالمنا القديم - صارت ميدان تنافسنا في عالمنا الجديد الذي يولد بين البيوت والمستشفيات. البيوت والمستشفيات التي صارت خلاصنا الوحيد.


والشمس مشرقة على العالم لا تزال.

مشرقة على الخواء والجبال والبعيدة والبحار البعيدة والأنهار وضفاف البحار والأنهار. على الصخور والغابات وفي السماء الصافية البعيدة.

الأعشاب والأشجار تنمو وحدها. بقايا الحيوانات والطيور تحررت من مطارداتنا. ما قتلناه منها وجلّدناه في البرادات سوف ينفد بعد وقت. جبال النفايات التي تخلفت عن حياتنا السابقة قد تتضاءل بعد شهور من عزلاتنا المنزلية.

وقد نخرج من هذه العزلات ونقتتلُ في الشوارع. وقد نخرج صامتين قانطين بلا مقدرة على القتال، ولا حتى على الكلام.


لم يعد أحد يسير مزهواً ومرئياً في الشوارع. لم تعد لدينا رغبة في أن نكون مرئيين. صارت الأبصار حسيرة، والمشاعر صارت ضئيلة متقشفة. والتواصل صار يكتفي بايماءات قليلة عسراء. وشح تدفق الصور والكلمات وتبادل النظرات. لا أحد ينتظر مفاجأة من أحد، لمسة، عداوة، حناناً، إلفةً، نظرة، عتاباً، وعداً، كراهية، قبلة، نفوراً، إشفاقاً، موعداً، مساومة...

قريبا يخلو العالم تماماً من هذا كله، ويصير أملس مسطحاً متعرجاً ضيقاً واسعاً، لا فرق.

النهار عديم الجدوى والليل مثله، وكذلك العتمة والضوء والجبل والطير والمياه والروائح والوقت والعدم.

والأرجح أن هذه الكلمات كلها صارت بلا جدوى. المساء والصباح والظهيرة والنوم واليقظة والضجر والأرق والكلمات في الأفواه الكتب والموسيقى...

كل شيء يصير بطعم الرمل أو الغبار.


نعاس يتسلل ويسري في الحواس والأجسام. نعاس على الكنبة والكرسي وأمام الشاشات المضيئة. نعاس في غرفة الجلوس وغرفة النوم وفي الممرات بين الغرف. نعاس في النهار وفي الليل. نعاس بطعم الرمل. رمل في الحواس والقلب والعيون والأفواه.

فقدنا الرغبة في قول أي شيء، أية فكرة أو كلمة لأحد، أو لأنفسنا.

قد يحسب بعضنا أن من غادروا عالمنا ولم يعلموا ماذا أصابه بعد رحيلهم عنه، يثيرون رغبتنا على الكلام ومخاطبتهم وإخبارهم عما حدث في غيابهم.

كأنما أشباح الغائبين صارت أقوى حضوراً من المقيمين في عزلاتهم المنزلية، خلف زجاج سيارتهم، خلف النوافذ والستائر في البيوت. وأقوى حضوراً من الذين نقاسمهم عزلاتنا في البيوت.


نتصل هاتفياً بصديق في بلاد أخرى بعيدة، فلا يقول شيئاً عن غير عزلته. نتصل بصديق آخر في المدينة التي نقيم فيها فيقول الكلمات إياها عن العزلة. ومن يقاسموننا عزلتنا البيتية ما عادوا يجدون شيئا قابلاً للقول والخبر.

صمت يساكن صمتاً.

والصمت لا يجد ما يقوله للصمت سوى الصمت.

ولا نزال نحب الحياة، وندافع عنها بالصمت وتعقيم الأيدي والأشياء والثياب. بالخوف، بحركات قليلة في الممرات بين الغرف. بصور التلفزيون. بالشاشات. بالكلمات. بالصور الخرساء على الشاشات. بنوم ٍكثير. بأرق. بانتظار المجهول والغامض...

بانتظار لقاح ينقذ البشر من العزلة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها