آخر تحديث:00:02(بيروت)
الأحد 22/03/2020
share

تجربة التعليم عن بُعد في لبنان غير مجدية

جنى الدهيبي | الأحد 22/03/2020
شارك المقال :
تجربة التعليم عن بُعد في لبنان غير مجدية دخلنا مجبرين مرحلة التعليم عن بُعد (Getty)
منذ أن تحول فيروس "كورونا" إلى وباءٍ عالمي، انقطع عشرات ملايين الطلاب والطالبات حول العالم عن تلقي دروسهم الصفّية، بسبب الاجراءات التي اتخذتها سلطات البلاد للحدّ من انتشار الفيروس، وكان أبرزها إغلاق أبواب المدارس والجامعات. هذا الواقع، دفع عددًا من الدول العربية والأجنبية إلى تفعيل نظام التعليم عن بُعد، أو التعليم من المنزل. فتفاوتت فاعليته بين دولةٍ وأخرى، وحتى بين مدرسةٍ وأخرى ضمن الدولة الواحدة، لا سيما أنّ هذا النوع من التعليم بدا تجربةً جديدة على الطلبة والمعلمين سويًا.

ثلاثة مسارات
أمّا الحال في لبنان، الذي ينهي أسبوعه الثالث بتجربة التعليم عن بُعد، فيبدو مختلفًا وتشوبه معوقات كبيرة، في ظلّ مكابرة وزارة التربية بإجراءات لا تتماشى مع الواقع التعليمي اللبناني من جهة، والانهيارات الاقتصادية الكبيرة التي يشهدها لبنان منذ ما قبل "كورونا" من جهةٍ أخرى.

الأسبوع الماضي، حدد وزير التربية طارق المجذوب ثلاثة مسارات للطلاب اللبنانيين كي يتابعوا تعليمهم عن بُعد:
أولًا، البثّ التلفزيوني لحصص تعليمية تلحظُ صفوف الشهادات على وجه التحديد عبر تلفزيون لبنان.
ثانيًا، المنصات الإلكترونية بعد أن قدمت شركة "مايكروسوفت" تطبيق Microsoft teams بشكلٍ مجاني للأساتذة.
ثالثًا، الوسائل التقليدية أو الورقية عبر تبادلها بين المدارس والطلاب عن طريق الأهل، ثمّ إعادتها من جديد لتصحيحها.

حتّى الآن، لم يجرِ تفعيل هذه المسارات على مستوى عالٍ من الحرفية، ولا يزال عمل المدارس الرسمية والخاصة يختصر على التواصل الإلكتروني مع الطلاب، إمّا عبر الواتساب أو عبر تطبيقات ومنصات خاصة بكلّ مدرسة. وإذا كان العام الدراسي في لبنان بدا مهددًا منذ بداياته مع أسابيع التعطيل الطويلة التي رافقت ثورة 17 تشرين الأول 2019، غير أنّ ما يصدر عن وزارة التربية لم يرتقِ بعد إلى مستوى خطّة واضحة، وإنّما هي إجراءات للهروب فحسب، مع  إصرار وزير التربية على إجراء امتحانات الشهادات الرسمية من دون أن يقدّم رؤية مقنعة لكيفية إجرائها، ومن دون أن يلحظ أوضاع الطلاب وظروفهم، فيما مصير لبنان مع "كورونا" لا يزال ضبابيًا.

أمّا الإشكالية الأبرز لدى المدارس والطلاب والأهالي على حدٍّ سواء - إلى جانب الشرخ الكبير بوجهات النظر حول فعالية التعليم عن بُعد – فتتمحور حول السؤال عن مصير العام الدراسي ومصير امتحانات الشهادات الرسمية التي كانت مقررة في حزيران المقبل.

تدابير عشوائية
وفي السياق، أشار مستشار وزير التربية، ألبير شمعون لـ "المدن"، بأنّ التدابير التي تتخذها وزارة التربية لجهة فتح ثلاثة مسارات للتعليم عن بُعد، هي فقط تدابير استثنائية لظرفٍ استثنائي، وأنّه من المبكر الحكم على التجربة، سواء بنجاحها أو فشلها، و"لا بدّ أن نعطي الوقت الكافي في كلّ مرّة نطبّق فيها خطوةً جديدة". وقال: "لقد دخلنا مجبرين مرحلة التعليم عن بُعد، بانتظار المعلومة الصحيّة، وحين ننتهي من الفيروس ويخرج الناس من منازلهم، سيكون عيدًا كبيرًا لنا لنقيّم مكتسبات المرحلة السابقة، لا سيما أننا لا نخلق منظومة تعليم بديلة، وإنما تدابير مرحلية".

لكن، يبدو واضحًا أن الوزارة تتخبط بتدابيرها العشوائية. وحين سألنا شمعون إن كان التعليم عن بُعد سيُدرج بعلامات الطلاب لهذا الفصل، أجاب: "كلّ الفروض والدروس نجري لها تقييمًا سريعًا قبل التقييم النهائي حين يعود الطلاب إلى صفوفهم. والحديث عن علامات لا يزال باكرًا، لأن الهدف في هذه المرحلة هو أن يبقى التلاميذ في أجواء التعليم، لكي نعوّض قليلًا عن فترة التعطيل للاكتساب من هذه التجربة الطارئة".
وبما يخصّ الشهادات الرسمية، تابع شمعون: "هناك اصرار واضح من الوزارة على اجراء الامتحانات الرسمية، وننتظر تطور الأمور أسبوعاً بأسبوع، وحين تتغير الظروف يُبنى على الشيء مقتضاه، لكن حتى الآن لا يوجد شيء جديد مطروح في هذا الشأن".

غضب الأهالي والطلاب والأساتذة
ما يدور في فلك وزارة التربية، يبدو بعيدًا عن معاناة الطلاب والأهالي والأساتذة الذين يعانون من مشاكل التعليم عن بُعد، في بلدٍ غير مهيأ في بنيته التحتية لهذا النظام التعليمي الحديث. ولهذه الغاية، وجهت "المدن" لشريحة من الطلاب والأساتذة والأهالي أسئلة حول تقييمهم لتجربة التعليم عن بُعد، وإن كانت مجدية بالنسبة لهم. أمّا اللافت، فكان امتعاض الطلاب وغضبهم من هذا الأسلوب التعليمي بسبب المعوقات التي يواجهونها، رافقه امتعاض مواز من الأساتذة أنفسهم الذين يشعرون بعبء كبيرٍ في آلية إيصال المعلومة وشرحها إلكترونيًا.

يُجمع معظم الأهالي أنّ ظروفهم النفسية والاقتصادية التي تدهورت نحو الأسوأ بعد انتشار "كورونا" في لبنان، أثّرت على قدرتهم في متابعة دروس أبنائهم لأسباب عدّة يصعب حلّها. لذا، بدت فرصة التعليم عن بُعد غير مُجدية وغير جديّة عند البعض وغير متاحة لفئة كبيرة من الطلاب والأهالي. تقول إحدى الأمهات: "ترسل مدرسة أولادي المفكرة باستمرار، ولكن هناك صعوبة في الصفوف التكميلية والثانوية، لأنّ المواد تستلزم التخصص من قبل الأستاذ وهذا ليس واقع الأهل الذين يفتقرون في معظمهم للشهادات العليا". وقال والد آخر: "التعليم عن بُعد كان مقبولًا ومفهومًا في المواد التي يستسهلها ابني، أما في المادة التي يستصعبها، كان الاستفسار عن التفاصيل غير المفهومة صعبًا وغير عملي".

أمّا زينة، فقالت لـ "المدن" عن تجربتها مع ابنها الصغير: "لا أشعر أنني مؤهلة رغم تعلمي لإيصال الفكرة لابني، لا سيما أنني لا أتقن المنهج المتبع في المدرسة لشرح المعلومة. كما أنّ الإمكانيات اللوجستية ضعيفة جدًا في لبنان، ومعظم البيوت ليست بيئة حاضنة للتعلم، لا سيما بعد الأزمة الصحية التي شكلت عبئًا نفسيًا كبيرًا علينا داخل المنازل التي تكتظ بأفراد العائلة". تتوافق المواطنة منال كعدة معها، وتضيف: "التعليم عن بُعد في لبنان بهذه الظروف غير نافع، وتحديدًا لطلاب الطبقة الفقيرة الذين لا يستطيعون الاتصال بشبكات الانترنت، كما أنّ ظروفهم الاقتصادية لا تسمح لهم بطباعة بعض المستندات والأوراق".

أفضل من لا شيء
من جهته، يرى الناشط المدني يحي الحسن أنّ تجربة التعليم عن بُعد تبقى أفضل من عدم الدراسة، وقد تُبعد الطلاب عن أجواء التوتر والخوف من تفشي "كورونا". لكنّ الأزمة، وفق الحسن، هي في عدم تأمين فرص متكافئة لجميع الطلاب، بسبب تقنين الكهرباء وعدم وصول الجميع لشبكات الانترنت، كما أنّ كثيرًا من الطلاب ليس لديهم هواتف وكمبيوترات في منازلهم، "إلى جانب قلة الخبرة لدى شريحة من الأساتذة بأساليب التعليم عن بُعد، مما ينعكس على أدائهم وعدم القدرة على إيصال المعلومات للتلاميذ".

أزمة التعليم في زمن "كورونا"، تنسحب على الطلاب الجامعيين والمعاهد المهنية الذين يحتاجون لمختبرات من أجل عملهم التطبيقي. إذا كيف يمكن أن ينجزوا واجباتهم التطبيقية عن بُعد؟

تشير مديرة مركز رشد للتعليم سارة قدور لـ "المدن"، أنّ الأساتذة في المركز يواجهون مصاعب كبيرة في تعليم الطلاب عن بُعد وإتمام واجباتهم المدرسية، لأسباب عدّة منها: "أولًا، معظم الأجندات لا تصل بأوقات محددة من اليوم. ثانيًا، الشرح عبر التسجيلات الصوتية في تطبيق الواتساب لا يسمح لجميع الطلاب أن يتلقوا المعلومة بالطريقة نفسها نظرًا لتفاوت المستويات فيما بينهم، ثالثًا، بعض الطلاب يواجهون صعوبة في حلّ الواجبات المرسلة لجهة طبعها وأحيانهم بسبب خطّهم الذي لا يكون واضحًا بعد تصويره للأساتذة. رابعًا، مشكلة الانترنت وعدم اتباع معظم المدارس نظام محدد وواحد في آلية التواصل مع الطلاب وبأنواع التطبيقات المستخدمة".

جامعيًا، تعتبر الأستاذة ناي الراعي في الجامعة اللبنانية الأميركية أنّ تجربة التعليم عن بُعد من ناحية جودة التعليم وإنجاز الأهداف التعليمية في المناهج ليست فعالة. وقالت لـ "المدن": "عدم فعالية هذا النظام، تتعلق بالانترنت والكهرباء والبنية التحتية في لبنان وهو غير مهيأ لخوض هذا النوع من التجارب الأكاديمية". حتّى المواد المُعدّة في المناهج، وفق الراعي، فهي مواد غير مُعدّة أساسًا للتعليم عن بُعد، ناهيك أنّ الطلاب والأساتذة مشتتون نفسيًا وعقليًا في ظلّ حالة هستيرية عامة على جميع المستويات. وعن الجانب الإيجابي قالت الراعي: "رغم ذلك ندرس قدر المستطاع مع الطلاب، والجلسة التعليمية تتحول إلى مساحة مريحة للتواصل والتعبير عن الهموم وايجاد أساليب بناءة للتعامل مع الواقع. وهذا البعد الانساني – الاجتماعي - السياسي هو الأساس في العلاقة بين الاستاذ والطالب، وفي عملية التعليم".


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها