آخر تحديث:00:01(بيروت)
السبت 08/02/2020
share

في شوارع الانتفاضة: "ثورة صاج" رفضاً للهجرة

فاطمة حيدر | السبت 08/02/2020
شارك المقال :
في شوارع الانتفاضة: "ثورة صاج" رفضاً للهجرة قصة رودي ومارك تشكل إلهاما إيجابياً (علي علّوش)

في ساحة الشهداء، الحاضنة الأبرز لانتفاضة 17 تشرين المستمرة منذ ما يزيد عن 110 أيام، قصص لا تنتهي. في كل زاوية وتحت كل خيمة ثمة قصة كافية لدفع صاحبها لإعلاء صوته. هناك على مقربة من مجسم قبضة اليد أو قبضة الثورة، تلفتك خيمة صغيرة تحمل اسماً معبراً هو "ثورة صاج"، وتستحق التوقف عندها.

عمل بديل
في الخيمة شابان يافعان يرتديان بدلات رسمية. تجذبك غرابة شياكتهما الرسمية جداً وغير المألوفة في ساحة ثورة شعبية. وشعارهما: "طردنا من العمل ولن نستسلم". في قصتهما ما يعكس واقع معاناة غالبية شباب انتفاضة 17 تشرين.

ما سر نجاح الثنائي ردوي ومارك، فيما ساحة الشهداء مليئة بخيم أخرى طلباً للرزق؟ بعد المتابعة والتحقيق، يتبين أنه لم يمر أسبوع واحد على وجود الخيمة، وأن فكرة "صاج ثورة" بدأت عفوية وكلفتها لم تتعدى 200 ألف ليرة، لكنها نجحت بسبب ثقة وإيمان الشابين بقدرتهما على النجاح في وطنهما، حسب قولهما لـ "المدن"، من دون إغفال الدور الذي لعبته السوشيل ميديا في شهرتهما. لقد بدأ المساندون والنشطاء يتقصدون التوافد إلى الساحة لتذوق مناقيش الصاج ودعمهم الشابين. ولعل المفتاح الثاني لنجاحهما هو تدني القدرة الشرائية للمواطن في ظل غلاء الأسعار وعدم القدرة على سحب الأموال من المصارف، فبدأ الناس يفكرون مرتين قبل إقدامهم الاستهلاك، مع ميل للتوجه نحو السلع الأقل كلفة.

كسر الصورة النمطية
يقول رودي حنّا (22 عاماً، من طرابلس- المتخصص في علوم البرمجيات) إنه طُرد من العمل بسبب قيامه بممارسة حقه الشرعي في التعبير عن رأيه في الانتفاضة، والتي لم تكن تناسب سياسة الشركة التي كان يعمل فيها: "استمر عملي في الشركة لمدة 7 أشهر وقاموا بطردي من دون أي إنذار مسبق. والسبب أنني لم أحقق الأهداف التعجيزية التي وضعوها لي، ويستحيل تحقيقها في شهر واحد فقط!".

ويؤكد رودي أن الانتفاضة لم تأخذ من دوام عمله. تغيب يومين فقط لا غير عن عمله، لانشغاله بالثورة.

أما فكرة "ثورة صاج" فولدت بعدما اتصل برودي صديقه مارك داريدو وأخبره بأن ينضم اليه ليشرب معه "آخر" فنجان قهوة في بيروت التي مكث فيها مارك 5 سنوات، واتخذ قرار الانتقال إلى زحلة ليتخلص من أعباء التكاليف المعيشية في العاصمة. رفض رودي قرار صديقه، وبعد تفكير، برزت فكرة "صاج ثورة". وفي اليوم التالي، نفذ الصديقان فكرتهما على الأرض.

واجه الشابان عراقيل عدة، أهمها وأولها كانت كسر الصورة النمطية للشاب المتعلم الذي يجب أن يعمل في منصب يليق بشهادته. ولكسر هذا الحاجز، قررا إضفاء الجدية على عملها في الخيمة، فارتديا اللباس الرسمي. يقول رودي إن "هناك مستحقات يجب أن تدفع. وهذه هي الأولوية الآن. الصورة التي نريد إيصالها هي أن الشاب اللبناني مستعد أن يفعل المستحيل كي يعيش في بلده". اليوم الأول كان الأصعب بالنسبة لهما، بسبب رفض العناصر الأمنية أقامتهما الخيمة في الساحة، وإن لكسب رزقهما. لكن بعد الضجة التي لقياها على "تويتر"، نجحا في تخطي العوائق، ولم تجد العناصر الأمنية سبيلاً إلى منعهما مجدداً.

والثورة، بحسب رودي، قام بها شباب لبنان، وهي مستمرة حتى تحقيق المطالب، رغم عدم إنكاره أن لبنان منقسم طائفياً. لكن الشارع الأكبر فيه هو "شارع الشباب".

رفض الهجرة
لمارك قصته أيضاً. هو من زحلة، 24 عاماً، ومتخصص في علوم الإدارة. ونال عقاباً غير منصف بسبب تأخره ساعة واحدة عن عمله، فطردته الشركة من دون أن تدفع له مستحقات نصف شهر عمل. وبعد شهرين من محاولته البحث عن عمل، قرر الانتقال إلى زحلة. بعدما واجه معضلة الديون، وتراكم إيجار بيته في بيروت لشهرين ونصف. ويؤكد مارك أن باستطاعته الهجرة في أي وقت يريده. فعائلته وأقاربه يعيشون في بلاد الاغتراب. ووالدته تحاول اقناعه بالهجرة، لكنه يؤكد أنها ليست خياراً.

هل هناك من أمل في لبنان؟

طبعاً - يجيب الشابان - بعد إزاحة الطبقة السياسية وفق مبدأ "كلن يعني كلن". بحسب تجربة مارك ورودي في الثورة، أن على الشعب أن يكون أذكى من السلطة ويتمتع بالحنكة. والأهم استبعاد الطائفية. ومارك يؤكد رفضه للحكومة الجديدة ويقول: "ضحكوا علينا".

لا يخفي مارك سعادته بأنه نجح أخيراً عبر فكرة "ثورة صاج". لقد دفع إيجار بيته. الخيمة كافية في هذه المرحلة لتأمين قوتهما اليومي. لكن في المرحلة المقبلة، يؤكد الصديقان أنهما عازمان على تطوير الخيمة إلى مشروع أكبر.

قصة رودي ومارك تعكس حال شرائح واسعة، وتشكل إلهاما إيجابياً. فلبنان يعاني من ارتفاع كبير في وتيرة هجرة الشباب التي وصلت إلى 42 في المئة بين منتصف كانون الثاني ومنتصف تشرين الثاني 2019. أي 61 ألفًا و924 لبنانيًا هاجروا مقارنة بـ41 ألفًا و766 هاجروا في المدّة عينها من 2018، بحسب أرقام الدولية للمعلومات.

شباب لبنان وشاباته أمام مفترق مهم اليوم.

إما نجاح ثورة التمرد على من قتلوا فيهم الطموح والأحلام لانطلاق لبنان الجديد، وإما الانهيار الشامل في حال استمرت الطبقة السياسية على نهجها وعنادها وأحادية قرارها. وأمام هذا الواقع المرير، يبدو أبناء هذا الجيل بين حيرتين: حب الوطن والنجاح فيه، أو الاستجابة للاعلانات الكثيفة والجذابة التي تديرها مؤسسات تسهيل الهجرة إلى كندا وأستراليا وألمانيا وغيرها من البلاد.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها