آخر تحديث:00:01(بيروت)
الجمعة 07/02/2020
share

حكاياتُ خادماتِ اللبنانيين: وصمةُ توارثهِنَّ من المياتم إلى المقابر

محمد أبي سمرا | الجمعة 07/02/2020
شارك المقال :
حكاياتُ خادماتِ اللبنانيين: وصمةُ توارثهِنَّ من المياتم إلى المقابر كانت العائلات البيروتة تتوارث خادماتها من جيل إلى جيل (Getty)
لتشغيل العاملات المنزليات في بيوت اللبنانيين تاريخ قديم، يرقى إلى بدايات القرن العشرين. وينطوي هذا التاريخ على قصص وحكايات لا تحصى، تنتمي إلى أزمنة اجتماعية متباينة، وتعكس تحولات الحياة والقيم وأنماط العيش الاجتماعية اللبنانية وتطورها.
هنا حكايات عن بدايات تشغيل لبنانيات جنوبيات وعكاريات وسوريات علويات، خادمات في بيوت عائلات لبنانية.

صُنَّاع الفقر واليتم
سلمى ابنة حمّال شيعي جنوبي في مرفأ بيروت مطلع عشرينات القرن العشرين. كان الرجل من أفواج الهجرات الشيعية الجنوبية الأولى إلى عاصمة لبنان الكبير آنذاك، عندما كان المهاجرون الشيعة ينزلون ويقيمون إما في أحياء على أطراف وسط العاصمة التجاري القديم، كالخندق الغميق والباشورة، وصولًا إلى حي اللجا، أو في أكواخ على أطراف الضواحي القريبة من المرفأ، مثل الكرنتينا والمسلخ والنبعة وبرج حمود، وصولًا إلى أطراف الأشرفية السفلى.

في العام 1930 كانت سلمى في العاشرة من عمرها، وهي كبرى أخواتها وإخوتها الكثيرين النازلين مع والديهم في كوخ على طرف الأشرفية لجهة المرفأ، حيث نشأ تجمّع أكواخ نزل فيها تباعًا أقارب وأهل من قرية جنوبية واحدة، قبل ارتقاء أحوالهم المادية وانتقالهم تباعًا للإقامة في شقق بنايات شيدها تجار البناء الجاهز في الشياح.

كانت سلمى في سن العاشرة حينما أُدخلت دار أيتام الراهبات اللعازاريات في بيروت. وكان شائعًا آنذاك إيداعُ بعض الفقراء أطفالَهم دور أيتام تستقبلهم من دون أن يكونوا أيتامًا، فتسعى إدارات الدور أو بعض راهباتها في تشغيل الفتيات منهم خادمات (عاملات في لغة المنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية اليوم) منزليات (صُنّاع، أو صانعات في لغة تلك الأيام) في بيوت أثرياء ونافذين من البورجوازية الجديدة الناشئة، أو من أشباه الإقطاعيين وأنصافهم في المدن.

تدبّرت الراهبات اللعازاريات رعاية سلمى وتشغيلها صانعة في مثل هذه البيوت. وفي روايات إخوتها وأبنائهم، كانت الخادمات المنزليات في بدايات عمل شقيقتهم، قبله وبعده، أي ما بين مطلع عشرينات القرن العشرين ونهاية أربعيناته، تقتصر على لبنانيات صغيرات السن وفي بدايات تجاوزهن الطفولة، ومن قرى الجنوب الشيعيّة وعكار السنّية. أما استخدامهن فكان يقتصر على بيوتات أهل الثراء والمكانة وحدهم من دون سواهم.

نوعا الخادمات
عرفت عمليات الاستخدام شكلين اثنين شائعين على وجه العموم في تلك الحقبة:

- تدبير دور الأيتام والمؤسسات الرعائية والخيرية عمل فتيات من نزيلاتها في بيوتات عائلات، تقوم بينها وبين تلك الدور والمؤسسات شبكات علاقات ومصالح متنوعة، فتتقاضى الخادمات من مخدوميهن مبالغ مالية مقطوعة، يحددها مدبّرو عملهن في البيوت التي يخدمن وينزلن فيها، منقطعات سنوات متباينة العدد، حسب الظروف ورغبات أصحاب البيوت. وقد تنقطع صلة الخادمة بأهلها ومنبتها انقطاعًا مديدًا وتامًا، فلا تعود تعرفهم ويعرفونها، فتتنقل بين بيوت كثيرة، أو قد تمكث في أحد البيوت حتى موتها مكتومة القيد. أما اللواتي ليست هذه حالهن، فتبقين على صلات متفاوتة ومتباعدة بمنبتهن وأهلهن، وقد تتزوجن وتنقطعن عن عملهن خادمات منزليات، أو قد تأخذهن الظروف والأقدار، وكذلك ميزاتهن الشخصية المتحصلة جراء خدمتهن في البيوت، إلى مصائر متباينة. وهذه حال سلمى.

- الشكل الثاني لتشغيل الخادمات المنزليات في الحقبة نفسها، كان يقوم على صلات مباشرة وغير مباشرة بين أهل الفتيات الساعين في تشغيل بناتهم خادمات، والعائلات من أصحاب الثراء والوجاهة والمكانة. أواصر وولاءات مباشرة وغير مباشرة ومتداخلة تلعب دور الوسيط بين الطرفين: شبكات القرابة الموسعة والعلاقات شبه الإقطاعية، وولاءات الأهالي أو العوام للمناصب وأصحاب المكانات. وبناء على هذه الشبكات كان أصحاب الثراء والمكانة والوجاهة في المدن يذهبون بأنفسهم إلى قرى في الجنوب وعكار، فيختارون خادماتهم من بيوت الأهالي الفقراء في تلك القرى ويستقدمونهن إلى بيوتهم في المدينة. وأحيانا كان أهل الخادمات الرجال يصطحبون - بناء على الشبكات إياها - بناتهم من القرى إلى البيوت الراغبة في استخدامهن. وفي هذا الشكل من الاستخدام كانت الصفقات غالبًا ما تعقد مباشرة بين الطرفين، فيقوم أهل الخادمة بتأجير ابنتهم أو بيعها لمخدوميها لسنة أو سنوات، فيتقاضون سلفًا أو بالتقسيط أجرها المحدد لقاء عملها في بيت المخدومين وإقامتها عندهم إقامة دائمة. وطوال مدة التأجير أو البيع كانت الخادمة تنقطع عن بيئتها وأهلها تمامًا، فلا تزورهم ولا تغادر قط بيت مخدوميها. وقد يزور الأهل ابنتهم مرة أو أكثر، وغالبًا والدها أو أمها أو أخوها، فيتقاضى الزائر أقساطًا مالية لقاء عمل الخادمة.

ولم يكن شائعًا قط في هذا الشكل من الاستخدام تقاضي الخادمات أنفسهن أجورهن من مخدوميهن، بل يتسلمها منهم أهالي الخادمات اللواتي قد يهرب بعضهن من البيوت التي تعملن فيها، فلا تعدن إلى ديارهن وأهلهن، بل تتوارين وتختفين. وقد تأخذهن سكك التشرد ومتاهاته إلى مصائر غامضة، كانت تفضي ببعضهن إلى شبكات الدعارة، أو إلى سوق البغاء العمومي في بيروت. أما اللواتي تمكثن سنوات طويلة في بيوت مخدوميهن، فقد تنقطع صلاتهن ببيئاتهن وأهلهن لأسباب شتى. منها تخلي الأهل عن صلاتهم ببناتهم أو تفككٌ أسري وعائلي يصيب أواصر أهلهن. ومنها تبني بعض عائلات المخدومين خادماتهم تبنيًا مكتومًا، فتنقطع تمامًا أو تُكتم صلات الخادمات بمواضيهن الأهلية والعائلية السابقة، فيرث هذه الخادمة المقطوعة أو المكتومة أوتلك أصحاب البيوت الذين خدمنهم جيلًا بعد جيل، إلى أن يقضي بعضهن في هذه البيوت.

صانعات المنزل الكبير
وروت ابنة عائلة بيروتية تجاوزت الثمانين من عمرها اليوم، أنها صغرى دزينة من إخوتها وأخواتها ولدوا في واحد من منازل رأس النبع الكبيرة المستقلة. تزوجت أم الراوية في الخامسة عشرة من عمرها، وكان زوجها من كبار تجار وسط بيروت في مطالع القرن العشرين. حتى زواج الراوية في خمسينات القرن العشرين وبعده، لم يخلُ منزل العائلة الكبير من صانعاتٍ خمسٍ على الدوام. وكان تشغيلهن جميعًا وفق الشكل أو النمط الثاني من استخدام الصّناع.

أشد الصانعات حضورًا في ذاكرة الراوية الثمانينية، هي الطباخة هاجر التي جُلبت صغيرة من قرية جنوبية. في المنزل الكبير تدرّبت هاجر على فنون الطبخ، فسلمت مطبخه مع صانعات ثلاث. وإلى مطبخ المنزل عشرينات القرن العشرين وثلاثيناته، كان يصل تباعًا في الصباحات من أسواق المدينة حمّالون بسلالهم الكبيرة، تحوي خضراً وفاكهة، لحوماً وأسماكاً، وحبوباً وبيضاً وأجباناً وألباناً. وكان التاجر الكبير، سيد الأسرة الكبيرة ومعيلها، هو مرسل حمالي السلال راجلين إلى المنزل الذي تنشغل سيدته في إدارة شؤونه وتوزيع أعماله اليومية على صانعاتها، من غسل وتنظيف وتحضير عجين الخبيز والحلويات لإرسالها إلى الفرن القريب.

لم تكن أي من بنات العائلة الكبيرة تدخل إلى المطبخ لئلا تتشبث روائح الطبخ بثيابهن وشعرهن فتصير مزفرة. وكانت الطباخة هاجر هي من تحمم الفتيات، واستمرت فيه حتى صرن صبايا. وهذا ما حمل واحدة من الأخوات بعد زواجها وانتقالها إلى منزلها الزوجي المستقل، على الطلب من أمها أن تذهب هاجر يوميًا لتحميمها في بيتها.

شقيق هاجر جاء مرات إلى بيت العائلة لتقاضي أجورها، لكن زياراته انقطعت، وكذلك صلة هاجر بقريتها الجنوبية وأهلها، فمكثت 50 سنة في بيت العائلة كأنها ولدت في مطبخه العامر. ولما مرضت أُدخلت إلى مستشفى، فماتت فيها. لكن الراوية لا تتذكر كيف وأين جرى دفن هاجر، ولا كيف وأين دُفنت الصانعة الأخرى جهان التي عملت 25 سنة في بيتهم وتوفيت بداء السرطان. والد هاجر الذي جلبها طفلة إلى البيت الكبير، كان من عرب المسلخ، فباعها وقبض ثمنها، وغادر ولم يعد قط لزيارتها. وبعد موتها اختفى ذكرها وقبرها.

توريث الخادمات
كانت العائلات البيروتة تتوارث خادماتها من جيل إلى جيل. فالخادمة فوزية التي جُلبت طفلة إلى البيت الكبير، قدمتها ربة البيت هدية لزواج ابنتها التي أخذتها مطالع الأربعينات إلى حيفا، لأنها تزوجت من شاب فلسطيني اصطحبها إلى بلاده.

ومن مصادر الصانعات اللواتي تعاقبن على الخدمة في البيت الكبير، ذكرت الراوية جبل العلويين وجبلة واللاذقية في سوريا. فالصانعة السورية كريمة ورثتها إحدى فتيات العائلة بعد زواجها. هي رفضت العودة إلى ديارها وأهلها في سوريا، وفضّلت بإرادتها البقاء خادمة منقطعة في بيت مخدوميها، فلم يعد يزورها أحد من ذويها. وكريمة تقيم اليوم وحدها في بيت ورثتها المتوفين، فتستقبل أبناءهم الذين يجتمعون في بيت أهلهم في المناسبات والأعياد، فتولم لهم ليتناولوا طعام الغداء  العائلي مجتمعين.

أسدية جلبها من الجنوب زوج شقيقة الراوية إلى بيته ببيروت في نهاية الأربعينات، بواسطة بستاني يعمل في أملاك أهله في الجنوب. كانت أسدية في الثالثة عشرة من عمرها، ولم تغادر بيت مخدوميها حتى اليوم، وحوّرت العائلة اسمها إلى سعدية. ويُروى أن أم أسدية ماتت مبكرًا، وارتكب والدها جريمة شرف وسجن مدة أخذ بعدها يزور ابنته في بيت مخدوميها ويحصل منهم على أجورها السنوية، لكنه انقطع عن زيارتها قبل سنوات كثيرة من وفاته في مطالع الحرب الأهلية (1975). وبعد وفاة الأم والأب في البيت الذي تخدم فيه، انتقلت سعدية إلى بيت ابنتهم غير المتزوجة ومكثت فيه مكوث إرث العائلة.

كان كتمان النسب والانتساب إلى أهل، وكتمان الجنسية أو ضياعها وإخفائها، شائعة ومفضلة لطرفي علاقة الاستخدام المنزلي في تلك الأيام، حينما كانت عمليات تشغيل الخادمات سوقًا سوداء يجري التبادل فيها سرًا وفي الخفاء، من دون تنظيم قانوني ومستندات قانونية، ووفق أعراف أهلية وبلدية وعلاقات تحتية يكتنفها الغموض ويكثر فيها السماسرة والوسطاء، ويسهل كتمانها والتنصل منها ومن تبعاتها.

امِّحاء الوصمة وبعثها
في الأعراف والتقاليد الأهلية، وفي نفوس الأهل الفقراء وصورهم عن أنفسهم حين يشغّلون بناتهم في بيوت الغرباء الأثرياء، يمتزج الشعور بالضِّعة والدونية والهوان بالشعور المقيت الأشد مهانة ومضاضة الذي يَصِمُ أهل الخادمات ويلاحقهم، كأنهم قاموا بتأجير بناتهم - وهنّ شرفهم وكرامتهم - بل بيعهن لغرباء في المدينة أو في سوق البغاء.

ومثل هذه الوصمة هيهات أن يمحوها الثأر المسمى جريمة شرف في التقاليد والأعراف التقليدية السائرة. وهي وصمة غالبًا ما تبعث على التيه والدوار في حال انكشافها في العلنية العامة الأهلية.

صديقتان لوريثة أسدية - سعدية ورثتا عن أهلهن خادمتان. وتمكنت إحدى الصديقتين - وهي مسيحية وتقيم في الأشرفية - من الحصول على جنسية لبنانية لخادمتها السورية العلوية الموروثة، بعدما أعلمتها راهبةٌ أن اعتناق الخادمة العلوية الدين المسيحي هو السبيل السهل إلى ما تريد. حدث ذلك في عشايا موجة التجنيس التي قامت بها الحكومة اللبنانية في تسعينات القرن العشرين، عندما كان ميشال المر وزيرًا للداخلية. واعتنقت الخادمة الموروثة الدين المسيحي بواسطة الراهبة، وحصلت بسهولة على الجنسية اللبنانية.

لكن أي فائدة ترتجى حقًا من استعادة الخادمات أنسابهن وأسماءهن وجنسياتهن التي مضت معظم أعمارهن، فيما هي تبتعد كجرحٍ مكتوم في نفوسهن، وقد يكون اندمل وامّحى مخلفًا آثاره في منامات حاضرهن المسترسل في القطيعة والغياب والنسيان؟ فهل تؤدي محاولات وصل ما انقطع وتوارى إلى غير بعث ذلك الجرح وإحيائه لتحميل هؤلاء النساء المنقطعات، الغائبات والمغيّبات، أوزار ماضيهن وحاضرهن؟


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها