آخر تحديث:00:43(بيروت)
الخميس 13/02/2020
share

خادمة تفتتح أول مكتب لتشغيل الخادمات ببيروت الستينات

محمد أبي سمرا | الخميس 13/02/2020
شارك المقال :
خادمة تفتتح أول مكتب لتشغيل الخادمات ببيروت الستينات بدأت طبقات وعلاقات جديدة تنشأ في بيروت بعد منعطف 1958 (Getty)
لتشغيل العاملات المنزليات في بيوت اللبنانيين تاريخ قديم، يرقى إلى بدايات القرن العشرين. وبعد حلقة أولى عن خادمات ما بين العشرينات والخمسينات من القرن العشرين، هنا قصة تحول خادمة إلى مديرة مكتب لتشغيل خادمات سوريات علويات في الستينات والسبعينات اللبنانية.

الخادمة سيّدة مكتب
عقب أحداث 1958 - وهي تُعتَبرُ منعطفاً مفصلياً في تاريخ لبنان السياسي والاجتماعي - بدأت تُفتح في بيروت مكاتب خاصة تعمل وسيطاً بين فتيات سوريات وأهلهن الفقراء العلويين خصوصاً، وبين أسر لبنانية ميسورة ترغب في تشغيل خادمات في بيوتها. وفي شارع بدارو بطرف بيروت، افتتحت المكتب الأول لهذه المهنة الوسيطة امرأةٌ جنوبية المنبت (تدعى سلمى)، وتربت في طفولتها في ميتم بيروتي للراهبات اللعازاريات، اللواتي شغّلنها حوالى عقدين من السنوات خادمة منزلية في بيوت أسر ميسورة. 

أَذِنَ افتتاح مثل هذه المكاتب بخروج تشغيل الخادمات عن شكليّ استخدامهن الشائعين والمتزامنين تقريبًا بين مطالع القرن العشرين وخمسيناته: الشكل الأول الذي لعبت فيه دور الأيتام والمؤسسات الخيرية الرعائية، وخصوصًا الرهبانية منها، دور الوسيط والراعي بين طرفي التشغيل. والشكل الثاني القائم على صلات مباشرة وغير مباشرة بين أهل الخادمات وعائلات المخدومين. وفي تلك الحقبة الطويلة كانت معظم الخادمات في بيوت اللبنانيين من الجنوبيات والعكاريات.

ربما من رحم الشكل الأول على الأرجح - على ما تبيّن مقتطفات من سيرة سلمى ومكتبها في بدارو - ولد غداة منعطف 1958 بحربه الأهلية الصغيرة وحكم الطاقم الشهابي، شكلٌ ثالث جديد، مؤسَّسي وتجاري، وشبه قانوني تقريبًا، أقله شكليًا، لتشغيل الخادمات المنزليات في بيروت الإدارية على وجه الخصوص. والشكل الثالث الجديد، يُرَجَّحُ أن سلمى، بتجربتها وخبراتها المديدة في الخدمة المنزلية، دشَّنته وشرعت فيه، فافتتحت له مكتبها وأدارته، ليشْغَلَ دور الوسيط بين الخادمات وأهلهن وزبائنه الميسورين. هذا فيما كان يتقلص الشكلان الأولان السابقان القائمان على شبكاتٍ وعلاقاتٍ وولاءاتٍ أهلية، عائلية ورعائية، وغير علنية أو غير منظورة.

ولعل إنشاء مكاتب لتشغيل الخادمات واكب توسّع العلاقات الرأسمالية والتمدين والمهن الحرة والإدارية في لبنان. وكذلك توسّع فئات اجتماعية مدينية متوسطة ومحدثة تقطَّعت، على وجه من الوجوه، علاقاتها العائلية الموسعة، وتزايدَ انكفاؤها على أسر نواتية وسكن مستقل، فزامنتْ مكاتبُ تشغيلِ الخادمات هذه التحولات واستجابت لها.

استقطبت المكاتبُ الخادمات من بيئات وجنسيات غير لبنانية في معظمها، ومن جبل العلويين في سوريا على وجه الخصوص، فيما كانت تتناقص أعداد الخادمات اللبنانيات الجنوبيات والعكاريات، اللواتي كن تعملن وفق عمليات وعلاقات استخدام الشكلين السابقين على نشوء المكاتب. وكان أهلُهُنَّ والمياتم والمؤسسات الرعائية يعملون على تشغيلهن أو تأجيرهن أو بيعهن أحيانا كخادمات في بيوتات لبنانية وسورية وفلسطينية.

فبعد بلوغها العاشرة من عمرها في ثلاثينات القرن العشرين، كانت سلمى، منشئة مكتب الاستخدام الأول في بدارو، قد خدمت طوال 18 سنة في بيوت مسيحيين ميسورين في بيروت. وكانوا كلهم من كبار التجار البورجوازيين وشبه الاقطاعيين، وأصحاب الوكالات التجارية لاستيراد البضائع والسلع الجديدة عبر مرفأ بيروت إلى الأسواق اللبنانية وأسواق بلاد الشام. وابتعدت الصبية - الخادمة من بيئة أهلها وذويها وفقرهم، من دون أن تنقطع عنها وعنهم، وظلت على صلة بالراهبات اللعازاريات، وسطاء تشغيلها في تلك البيوت، التي أكتسبت فيها خبراتٍ جديدة ومطلٍ مزدوج، بل متعدد زوايا النظر إلى أحوال الدنيا والناس والسلوك والتدبير. وهذا ما زوّدها مدركات جديدة في الحكم على الأشياء وشؤون الحياة والعلاقات، وعلى أحوالها وسلوكها وملبسها وهيئتها ومظهرها وموضعها من الدنيا والناس، أثناء إقامتها متأرجحة متنقلة على حدودٍ وفواصلَ بين بيئات وقيم وعلاقات وأنماط عيش وأدوار متباعدة متباينة. ولا بد أن يكون هذا كله قد مكّنها من السلوك والتصرف والعيش بأكثر من وجه واحد، ومن أن تحيا أكثر من حياة واحدة، كما زوّدها مقدرة على إقامة مسافة ما بين نفسها أو ذاتها وأدوارها وعملها وعلاقاتها:

بين الطفلة، ابنة حمّال المرفأ والكوخ البائس. والصبية المفترضة يتيمة في دار أيتام الراهبات، رعاتها ومشغِّليها صانعةً في بيوت مخدوميها. والصّانعة الأميّة في تلك البيوت المترفة الغريبة عنها غربتها عن ساكنيها غربة دونيّة، أتاحت لها استبطان مدركات وأنماط في التعامل والتدبير. والصبية التي اكتسبت صورة عن نفسها وحضورها المميزين في بيئة أهلها، فصاروا يقولون إنها الطويلة والذكية والأنيقة، ويدعونها الست سلمى عندما تزورهم في أوقات متباعدة في القرية الجنوبية.

وهكذا صارت الخادمة سيدة مكتب.

سماسرة اللاجئات
قبل إنشائها المكتب، شغَّلت الراهبات سلمى في توضيب المساعدات العينية (ألبسة وأحذية مستعملة ومعلبات غذائية من حليب مجفف وأجبان) التي كانت البعثة البابوية تتلقاها وتجمعها في العام 1949، لتوزيعها على اللاجئين الفلسطينيين. وإلى جانب سلمى عمل في توضيب المساعدات رجل فلسطيني (أبو الياس) وشاب سوري علوي (لطفي) بادر لاحقًا إلى اعتناق الدين المسيحي. ومع اللاجئين الفلسطينيين المتوافدين إلى مراكز توزيع المساعدات التي عمل فيها الثلاثة، كان يأتي سوريون وسوريات لطلب المساعدة من لطفي، الذي يعرف بعضهم ويعرفونه على الأرجح. وقد يكون بعض المترددين والمترددات على مراكز البعثة البابوية شاؤوا وأرادوا - والأرجح أن سلمى ولطفي وأبو الياس اقترحوا عليهم أو طلبوا منهم - تشغيل بناتهم خادمات منزليات، بناء على خبرات الثلاثة، وخصوصًا سلمى، في هذا المجال.

وروى ابن أخ لسلمى أنه كان في طفولته يرافق عمته في توزيعها بطاقات دعوة سيدات وخواجات في بيوتهم في الأشرفية والصيفي والتباريس والجميزة ومار مخايل، لحضور المدعوين والمدعوات نشاطات خيرية تنظمها الراهبات. ومنها عروض أفلام سينمائية ومسرحية وحفلات موسيقية، إضافة إلى عشاءات، يذهب ريعها وما يُجمع فيها من تبرعات للمؤسسات الرعائية والخيرية، منها التي تعمل في إغاثة اللاجئين الفلسطينيين ومساعدة سواهم من المعوزين.

أثناء عملها في هذه النشاطات، استغلت سلمى خبراتها وشبكة علاقاتها، وتعاونت مع لطفي في مبادرتها إلى عمل خاص ومستقل عن إدارة الراهبات: تشغيلهما لحسابها الخاص فتيات فلسطينيات وسوريات خادمات في بيوت أثرياء وميسورين، لقاء أجور يدفعها هؤلاء لهما سلفًا، بعدما يكون أهل الفتيات الخادمات قد أودعوا بناتهم في عهدتهما بصفتهما يعملان في مكاتب البعثة البابوية بإدارة الراهبات. وطوال 8 سنوات - من العام 1949 وحتى العام 1958 - استمرت أعمال سلمى ولطفي وسيطي شبكة علاقات الوساطة والسمسرة هذه (الاتجار بالبشر في لغة العصر السائدة اليوم). وجمعت سلمى من عملها الرمادي هذا ثروة صغيرة، وأنشأت علاقات واسعة مع نافذين ومقدمين ومناصب وأصحاب سلطة في بيروت وفي أجهزة الدولة، أولئك الذين زودتهم وزودت نساءهم بخادماتها، إضافة إلى تحصيلها خبرات في هذه المهنة الرمادية وأسرارها. وهذا كله مكّنها بعد حوادث 1958، أي في مطلع عهد فؤاد شهاب الرئاسي، من فتح مكتبها لتشغيل الخادمات المنزليات وإدارته في شارع بدارو، غير بعيد من المستشفى العسكري ومصالح الجيش. أما مساعدها لطفي فاشترى أواسط الستينات بناية في محلة الطيونة خلف المبنى الكبير الذي كانت فيه مكاتب "دار الكتاب اللبناني" للنشر على طريق صيدا القديمة.

بطانة الزهو الرمادية
يطلق ابن شقيق سلمى تسمية "زمن السّت سلمى"، أي عصرها الذهبي في إدارتها مكتبها لتشغيل الخادمات المنزليات ما بعد منعطف 1958، الذي شهد تباعًا في الستينات اللبنانية افتتاح ما بين 8 و10 مكاتب مماثلة، مرخصة رسميًا لقاء إيداع كل منها مبلغ 10 آلاف ليرة لبنانية في أحد المصارف لحساب وزارة العمل، ويستعيدها المكتب في حال توقفه عن العمل. وكانت الخادمات المرغوبات في مطالع الستينات من صغيرات السن، ما بين 7 و12 سنة من أعمارهن. وكان أهلهن الرجال غالبًا هم من يحضرونهن إلى المكاتب، فيودعونهن فيها ويتقاضون من إدارتها أجور بناتهم سلفًا عن مدة محددة لتشغيلهن. ومع توسع سوق تشغيل الخادمات وتزايد الطلب عليهن، لم تعد المكاتب تترك أعمالها لمصادفات إحضار الأهالي بناتهم إليها. وبما ان الفتيات السوريات، العلويات خصوصًا، هن اللواتي تكاثرت أعدادهن في سوق الاستخدام الجديدة المتوسعة بعد تراجع تشغيل اللبنانيات الجنوبيات والعكاريات، عملت المكاتب على استخدام وسطاء وسماسرة، سوريين في الغالب، لاستقدام الفتيات من جبال العلويين وسواها من الديار السورية.

وتوسع عمل سلمى، فافتتحت لاختها مكتباً غير مكتبها. وكان وسطاء المكتبين وسماسرتهما من علويي جبل محسن بطرابلس، ومن عكار وسير الضنية. وكان إخوتها وأبناؤهم يذهبون إلى بيوت هؤلاء السماسرة، ويرافقونهم في رحلات البحث عن الخادمات في الديار السورية. وفي السنوات الأخيرة من ستينات القرن العشرين، بلغ عدد الخادمات المسجلة عقود تشغيلهن في مكتب الست سلمى وحده، أكثر من 6 آلاف خادمة. وهذا ما جعلها - هي الأمية المدبرة النشيطة والذكية، وصاحبة الحظوة والسلطة على موظفيها وسماسرتها، وعلى من يأتي من أهل الفتيات الخادمات إلى مكتبها - محظية في أوساط شخصيات كانت نساؤهم يتصلن بها هاتفيًا لتتدبر خادمات يناسبن طلباتهن وأذواقهن ورغباتهن، وتزورهن سلمى في بيوتهن.

وطوال 15 سنة ما بين 1960 و1975 - وهي سُمِّيت حقبة الزمن الجميل اللبناني التي بدأت في العهد الشهابي - توسعت وحُدِّثت مؤسسات الدولة الإدارية على قواعد جديدة، وتزايد عدد موظفيها. وحدثت طفرة النفط العربي وعائداته وربوعه التي استفاد منها لبنان، إلى جانب السياحة والاصطياف. وهذا كله أدى إلى تنامي طبقة وسطى لبنانية جديدة وتوسُّعها: من أصحاب المهن الحرة، كالمهندسين والمحامين والأطباء، والتجار وأصحاب المؤسسات الإعلامية ومديروها. وهؤلاء جميعاً - إلى موظفي القطاع العام الحكومي من القضاة والمدراء العامين ورؤساء المصالح والضباط في الأسلاك العسكرية والأمنية - ارتفعت مداخيلهم ومرتباتهم، وعلت مكانتهم الاجتماعية.

وكان بعض من هؤلاء، إلى نواب ووزراء، من زبائن مكتبي الست سلمى في بدارو.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها