آخر تحديث:17:14(بيروت)
الثلاثاء 11/02/2020
share

قسوة الجيش تفاجئ المواطنين:"جلسة الثقة"مغمسة بالدماء

وليد حسين | الثلاثاء 11/02/2020
شارك المقال :
قسوة الجيش تفاجئ المواطنين:"جلسة الثقة"مغمسة بالدماء نهار من دم ودموع (علي علّوش)

صرخ رجل ستيني بوجه مغاوير الجيش وهم يحاولون إبعاده بالقوة من وسط الشارع المقابل لقاعدة بيروت البحرية: "الجيش لازم يكون على الحدود مش هون لتقمعونا". لعل هذه الصرخة المعطوفة على حنق المتظاهرين الذين رددوا هتاف "شبيحة، شبيحة" بوجه "جنود الوطن"، بعدما أوسعوهم ضرباً لإبعادهم من وسط الطريق، يختصر المأزق الذي وضع الجيش اللبناني فيه بمواجهة المتظاهرين.

من جميع الجهات
نساء ورجال وشباب وشابات بدأوا بالتوافد إلى وسط بيروت منذ ساعات الصباح الأولى، في يوم ثلاثاء "اللا ثقة"، التي رفعها المتظاهرون بوجه حكومة حسان دياب. آلاف المتظاهرين من كل المناطق اللبنانية لم يساووا شيئاً في حسبان المجلس النيابي، الذي انعقد بالقوة وعبر إقحام آلاف العناصر من الجيش اللبناني والقوى الأمنية المختلفة.

وإذا كانت الحكومة الجديدة لم تستطع الحصول على ثقة النواب، إلا على أجساد المتظاهرين الذين سحل بعضهم ونكل ببعضهم الآخر في شوارع بيروت، كي يتمكن "نواب الأمة" من الوصول إلى المجلس النيابي، فحصار آلاف المتظاهرين لوسط بيروت من جميع المداخل، والشتائم والسباب الذي طال حتى الجيش اللبناني، يعني أن اللبنانيين أمام حكومة ساقطة، ولن تتمكن من حكم البلاد إلا بالبطش والضرب والتنكيل.

تدخلت كل القطاعات العسكرية، من مغاوير الجيش ولواء المجوقل وفوج التدخل وعشرات الآليات العسكرية المحمّلة بالرشاشات، وفرق مكافحة الشغب والقوة الضاربة في قوى الأمن الداخلي، وقاذفات القنابل المسيلة للدموع، وخراطيم المياه، وصولاً إلى شبيحة الثنائي الشيعي، الذين أمنوا دخول النواب من منطقة زقاق البلاط عند مفترق نزلة السرايا الحكومي.

غاز وحجارة وخراطيم مياه
بدأ يوم لا ثقة المتظاهرين بالحكومة عند الساعة السادسة صباحاً. نساء ورجال وشبان وشابات، أتوا من جميع المناطق. بعضهم بات ليلته في بيروت والبعض الآخر حضر بعد الساعة الثامنة صباحاً.

أمام مبنى النهار تمكن عشرات المتظاهرين من إحداث ثغرة في الجدار الإسمنتي الضخم وحطموا الباب الحديدي الذي وضعته القوى الأمنية لدخول الموظفين إلى شارع فوش. فبدأت حفلة الغاز منذ الصباح الباكر: المحتجون يرشقون القوى الأمنية بالحجارة من خلف الجدار فترد عليهم بخراطيم المياه والقنابل الدخانية.

على بعد نحو مئتي متر، كان مئات المتظاهرين يتجمعون على الأرصفة يحاولون قطع الطريق أمام قاعدة بيروت العسكرية. يتدخل مغاوير الجيش فيبعدهم عن وسط الطريق بالهروات وبالتدافع. فيبدأ صراخ المتظاهرين ضد الجيش، محتجين على هذا العنف لحماية السلطة الفاسدة.

يزداد عدد المتظاهرين فتأتي تعزيزات إضافية من الجيش. يصبح المشهد محرجا للجيش: هم يحاصرون المتظاهرين والأخيرين يحاصرونهم بعدما تواصل توافد حشود المتظاهرين من كل حدب وصوب. تأتي فرقة كبيرة من فوج المجوقل فتقفل الطريق أمام المتظاهرين، وتسمح لهم في توسط الشارع واقفاله، فيهتف لهم البعض "أالله محيي الجيش".

على بعد نحو مئتي متر تجمع آخر لمئات المتظاهرين عند مفترق الطريق من المرفأ المؤدي إلى الصيفي، يرشقون أي موكب سياسي بالحجارة. ويتكرر المشهد ذاته: مئات العناصر من الجيش تحاصر المتظاهرين وتبعدهم عن وسط الطريق. ومثل المتظاهرين الآخرين كانوا يطلقون هتاف "ثوار أحرار منكمل المشوار" وأغنية "الهيلا هيلا هو" لجبران باسيل. 

علي الجسر المقابل لهذا الطريق مئات المتظاهرين يصطفون ويطرقون على السياج الحديدي ويهتفون. وفي مواقف السيارات المقابل للجسر المشهد ذاته.

اشتباك زقاق البلاط
أمام مبنى النهار يستمر مشهد إطلاق القنابل المسيلة للدموع وخراطيم المياه على حاله، لكن عدد المتظاهرين بات بالمئات. وفي الطريق الممتدة من أمام مبنى اللعازارية مروراً بساحة رياض الصلح ووصولاً إلى الإسكوا يتكرر مشهد المتظاهرين. بعضهم يذهب صعوداً بتجاه جسر فؤاد شهاب وبعضهم الآخر يذهب بالاتجاه المعاكس إلى ساحة الشهداء.

من أمام مبنى الإسكوا يطل عليك مئات المتظاهرين على جسر فؤاد شهاب يقرعون على الحواجز الحديد للجسر. وتحت الجسر أيضاً مئات المتظاهرين وعلى الدرج الطويل المؤدي إلى نزلة السرايا الحكومي أيضاً. آلاف اللبنانيين يحاصرون المجلس النيابي.

فجأة يبدأ بعض الشبان الواقفين عند جامع زقاق البلاط بتبادل رشق الحجارة مع المتظاهرين الواقفين تحت جسر فؤاد شهاب. نستفسر عن السبب، فيقول أكثر من متظاهر أن الشبان في تلك المنطقة سهلوا مرور موكب النائب زياد أسود وتشاجروا مع المتظاهرين. نتقدم رويدا فيشير لنا أكثر من متظاهر أنهم شاهدوا بأم العين بعض الشبان المتجمعين في زقاق البلاط وهم يسحبون متظاهراً ويوسعونه ضرباً، فهجم عليهم متظاهرون وضربوهم بدورهم وبدأوا بمراشقة بعضهم البعض بالحجارة.

على جسر فؤاد شهاب يتكرر مشهد المتظاهرين الذين تمكنوا من قطع الطريق ووصل حشدهم حتى مفترق السرايا الحكومي، حيث كانت تمر مواكب النواب. فقد تبين أن عناصر من حزب الله وحركة أمل كانوا يفتعلون المشاكل مع المتظاهرين تمهيدا لتدخل الجيش لتفريقهم بالقنابل المسيلة للدموع، كي تتمكن مواكب النواب من المرور من منطقة زقاق البلاط نزولاً إلى السرايا الحكومي، فساحة النجمة.

ثلاث ساعات
تأتي تعزيزات للجيش على جسر فؤاد شهاب وتحته وفي كل المنطقة الممتدة من زقاق البلاط وحتى مفترق الخندق الغميق وتنهال القنابل المسيلة للدموع على المتظاهرين، فيتفرقون. سيدة كانت تعود من نزلة السرايا إلى الجسر تصرخ "طردونا وتركوا شباب الخندق هونيك حتى يمرقوا النواب".

بعد تدخل الجيش بقنابله الدخانية يتفرق المتظاهرون في مواقف السيارات الجانبية. ويحاصر بعضهم الآخر مقابل مفرق الخندق. ثم يعود مئات المتظاهرين ويتجمعون تحت الجسر فيتدخل الجيش لتفريقهم فيهتف المتظاهرون "يا عسكر ع شو مترس؟ الحرامية بالمجلس". و"يسقط يسقط حكم العسكر". يحاول المتظاهرون التقدم للنزول إلى الجهة الخلفية لمبنى الإسكوا حيث وضعت بوابة حديد ضخمة في وسط الطريق، فتبدأ عناصر المجوقل والمغاوير بتفريقهم بالهروات وتسحل بعضهم، فيصرخ المتظاهرين: "شبيحة، شبيحة".

يحاول بعض مناصري أمل وحزب الله النزول من عند مبنى إطفائية بيروت فيواجههم مئات المتظاهرين، تحت جسر فؤاد شهاب، بهتاف "بلطجي بلطجي نبيه بري بلطجي"، ويعمل عناصر الجيش على منعهم من الاقتراب والتصادم معهم.

بعد أكثر من ثلاث ساعات لم يبق أمام مفترق نزلة السرايا إلا عشرات المتظاهرين مقابل المئات من عناصر مكافحة الشغب وعناصر الجيش. يأتي النائب ميشال موسى على دراجة نارية من الحجم الصغير راكباً خلف سائقها، كي لا يلفت النظر، فتتعرف إليه النسوة وبعض الشبان ويهتفون له "حرامي، حرامي"، مرفقة ببعض الشتائم. موكب آخر يصل فتحتج النسوة أمام القوى الأمنية: "أوقفتم سيارة الصليب الأحمر كي يمر هذا النصاب؟ يا عيب الشوم عليكم"، وتنهال الشتائم من الجديد على النواب.

بعيداً عن هذه الجمهرة بنحو خمسين مترا يتسمر شبان الثنائي الشيعي عند مفترق زقاق البلاط متربصين بالمتظاهرين. تحضر سيدة ترافقها بعض النسوية للمرور وملاقاة أقرانها عند نزلة السرايا، فيأتي ضابط الجيش ويأمرها بالتراجع إلى حيث أتت. فتصرخ بوجهه: "إجو كل النصابين من هيدا المفرق وكمّلوا نصاب الجلسة. وفلتوا زعرانهم هون تا يمرقوا. لكن أنتوا ما بتتدخلوا إلا بس تا تفرقونا".

دم ودموع
نعود أدراجنا الى ساحة رياض الصلح، فيتكرر مشهد عشرات المتظاهرين وهم يرشقون القوى الأمنية المخفية خلف الجدار الإسمنتي. أما أمام مبنى اللعازارية فبدا المشهد مختلفاً: أكثر من ألف شخص تجمعوا في وسط الطريق وكان عشرات الشبان يرشقون القوى الأمنية بالحجارة ويعيدون لهم قنابل الغاز. أضرم بعض الشبان النار بنك لبنان والمهجر، وأقدموا على إسقاط جزء من الجدار الإسمنتي هناك. فانهالت عليهم القنابل المسيلة للدموع. عمد بعض المحتجين على رشق قوات مكافحة الشغب بالحجارة والمفرقعات. فتدخل الجيش إلى جانب المكافحة وفرقوا المتظاهرين وأبعدوهم إلى أمام جامع الأمين.

أمام مبنى النهار كان لا يزال المشهد على حاله منذ الصباح: خراطيم المياه والقنابل المسيلة للدموع لمكافحة المحتجين، الذين يعمدوا إلى رشق القوى الأمنية بالحجارة والمفرقعات من خلف الجدار الإسمنتي. لكن خلافاً للمشهد الصباحي، بدت مواقف السيارات الكبيرة ممتلئة بالمتظاهرين.

بعد سقوط آلاف القنابل المسيلة للدموع وتدخل كل القطاعات العسكرية ومع رفع جلسة مجلس النواب إلى الفترة المسائية، تفرق المتظاهرون في الشوارع الممتدة من بيت الكتائب وصولاً إلى كل مفارق طرق الصيفي فيلدج. وقد أسفر هذا النهار العنيف عن وقوع عشرات الجرحى والكثير من الاعتقالات. نهار من دم ودموع.. ولا ثقة عميقة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها