آخر تحديث:00:01(بيروت)
الخميس 31/12/2020
share

سنة الجرائم الغامضة والفلتان الأمني.. والعنصرية على السوريين

لوسي بارسخيان | الخميس 31/12/2020
شارك المقال :
سنة الجرائم الغامضة والفلتان الأمني.. والعنصرية على السوريين السلاح المتفلّت حليف للأجهزة ضد المواطنين السلميين (مصطفى جمال الدين)
إلى جانب جائحة كورونا التي اجتاحت يوميات اللبنانيين أسوة بالعالم، وكوراث لبنان الخاصة بطبقته السياسية وإفلاسه المالي، كان الـ "فلتان الأمني" سمة أخرى من سمات سنة 2020 اللبنانية.

قرطبا والكحالة وجونية
وعكست هذه الظاهرة انهيار هيبة دولة أصابها الترهل مؤسساتها وأجهزتها المختلفة، فقوضت مؤشر "الأمان" الذي ينشده المواطنون. وإلى سلاح حزب الله، تعزز التوجه نحو سلاح متفلت لم يعد سمة محصورة بمنطقة واحدة، بل انتشر على الأراضي اللبنانية، انعكاساً لمنطق الاستقواء والإفلات من العقاب، في مقابل تراجع الاحتكام لسلطة العدل والقضاء.

فقبل حريق مخيم النازحين السوريين في المنية في نهايات العام 2020 - وهو مثّل عقاباً جماعياً عنصرياً أنزله بعض أهالي المنية في بحنين على سكان المخيم البائسين والمستضعفين، انتقاماً لخلاف نشب بين شخص لبناني من آل المير وآخرين يقطنون المخيم - كادت صفحة سنة 2020 تطوى أمنياً، على جريمة الكحالة: الاغتيال الغامض والمريب التي ذهب ضحيته جوزف بجاني. وقد غابت عن هذه الجريمة السمة "الفردية"، لما أحاطها من غموض قارب الجرائم السياسية الغامضة التي ارتكبت في لبنان قبيل اغتيال رفيق الحريري سنة 2005، وبعده. وخصوصا لجهة تجهيل المحرضين، المخططين والمرتكبين. وهذا على الرغم من ظهور وجهي مرتكبي جريمة الكحالة في صور كاميرات المراقبة، وهي تركت خيوطاً يمكن استشرافها لتعقبهم.

وحمل انقضاءُ السنة ملفَ التحقيق في هاتين الجريمتين الى سنة 2021. وكانت معلومات إعلامية - نفتها عائلة بجاني في بيان لها لاحقاً – قد تحدثت عن دور لجوزف بجاني في توثيق معلومات مهمة بكاميرته التي يستخدمها للتصوير الحر، حول انفجار 4 آب 2020 في مرفأ بيروت. وهذا يجدد ظاهرة الاغتيالات في دولة تمارس فيها كل أنواع الارتكابات المليشياوية والمافياوية التي تهدد أمن كل مواطن. وخصوصاً إذا ما صحت المعلومات المتداولة حول الترابط بين جريمة بجاني ومقتل العقيد المتقاعد في جهاز الجمارك منير أبو رجيلي، الذي عثر عليه في 2 كانون الأول 2020 جثة في منزله الجبلي (في ما عرف بجريمة قرطبا)، بعد تعرّضه للضرب بآلة حادة على رأسه. علما أنه لم يصدر في الجريمتين بيان عن القوى الأمنية والمحققين، يوضح ملابساتهما.

وتحدثت معلومات أيضاً عن وفاة مشبوهة لسائق يخوت في ميناء جونيه قبل يوم واحد من مقتل جوزف بجاني. والقبطان حسب معلومات صحافية، كان يقود يختاً رسا في عرض البحر على مقربة من مرفأ بيروت قبل 4 آب. وربما كان يملك معطيات حول ما حصل هناك في تلك اللحظة.

ويرفع التكتم الأمني والقضائي حول ملابسات هذه الجرائم الثلاث من منسوب الشكوك التي تدور حول خطورة دوافعها.

جرائم علنية تُجهّل ضد السوريين
لكن سنة 2020 شهدت جرائم أخرى هزت الرأي العام اللبناني، وجرت لملمتها ولفلفتها بسرعة قياسية، لتوضع معظمها ضمن إطارها الفردي:

جريمة بشري في تشرين الثاني 2020، التي قتل خلالها جوزيف طوق، هي واحدة من تلك الجرائم التي كشف فوراً مرتكبها من التابعية السورية. لكن ذيول التداعيات الأمنية لهذه الجريمة سرعان ما طُويت وجرى تجهيلها. وأفلتت الهجمة الجماعية من بعض أهالي بشري على سكان المخيمات من المحاسبة.

وهذا ما تكرر في إحراق مخيم النازحين السوريين في المنية. وهو تكرار يعكس منطق الاستقواء بالسلاح اللاشرعي، ويعزز استباحة دونية لاإنسانية للاجئين السوريين يحلله خطاب عنصري تستخدمه فئة من الطبقة السياسية الحاكمة وسيلة لاستقطاب المناصرين، ولتجعل من تغطية هذه الاعتداءات، سيفاً يُخضعهم لاحقاً لرغبات الزعماء والقوى السياسية.  

جريمة كفتون وذيولها الغامضة
لُفلِفت تداعيات جريمة بشري. وقبلها جرت لفلفة جريمة كفتون التي وقعت في 21 آب 2020، والتي أودت بحياة الشبان علاء فارس نجل رئيس البلدية، وجورج وفادي سركيس. والحديث عن جريمة كفتون انتهى ببيان للقوى الأمنية أعلنت فيه عن مقتل كل المشاركين فيها، فيما بقيت أسماؤهم وأعدادهم غير واضحة.

وهذا ما خلف أيضاً غموضاً حول دوافع الجريمة. وقد ذهبت التحليلات إلى اعتبارها عملاً إرهابياً، ربما كان يستهدف القيادي في الكتائب النائب نديم جميل خلال زيارة له لتلك المنطقة.

الفلتان طقس شبه يومي
لكن انعكاسات الفلتان الأمني كانت طقساً شبه يومي في سنة 2020. وهذا ما تجلى في مناسبات وأشكال متنوعة. فما أن كاد أحدها يقفز إلى واجهة الأحداث، حتى يأتي ما يتغلب عليه بوطأته. فحادثتا باب التبانة وساحة التل في طرابلس، واللتان وقعتا في 25 و26 تموز، كانتا من تلك الحوادث التي وصفتها الزميلة جنى الدهيبي في مقالة لها في "المدن" بإهتزازات أمنية تشكل طقساً من طقوس ما قبل الأعياد في عاصمة الشمال.

وهناك حوادث أخرى وضعت في إطار توتير الأجواء واللعب بورقة الأمن لاستخدامها في مفاوضات شد الحبال المتعلقة بالملف الحكومي، بعد استقالة حكومة حسان دياب. 

فالصدام المسلح الذي وقع في شهر أيلول بين القوات اللبنانية والتيار العوني خلال موكب إحياء ذكرى اغتيال بشير الجميل، هو واحد من تلك الحوادث. وقد أثار مخاوف من تدهور الوضع الأمني في ظل الفراغ الحكومي بعد انفجار المرفأ في 4 آب.

وهناك أحداث خلدة التي وقعت بالتزامن مع إحياء مراسم عاشوراء في 8 آب 2020، على خلفية رفع صورة عاشورائية. وقد شكلت مشهداً آخر من مشاهد هذا التوتير الأمني. وترافقت الحادثة التي قتل فيها مناصرون لحزب الله فتى أعزل من عشائر عرب خلدة، مع إشكالات أمنية وقطع طرق في عدد من المناطق، لا سيما في خلدة والناعمة وعرمون وتقاطع قصقص والطريق الجديدة والمدينة الرياضية، وفي البقاع وعكار. وكانت حصيلتها مقتل شاب سوى الفتى الذي سقط في خلدة. وفي هذه الحوادث كلها السلاح حاضر في الأيدي. والجميع متوتر ومستنفر في مناطقه الأهلية.

لكن تجليات الفلتان الكبير والواسع المافياوي المتستر خلف عباءة العشائر، ظهر بقوة ووضوح في مدينة بعلبك.

بعلبك والقصر الجمهوري
وختام السنة في مدينة الشمس كما بدايتها: استنفارات يومية واطلاق نار متنقلين. وفي الأثناء يراقب أهل المنطقة الخائفون الرصاصَ الناري الخطاط الذي يجتاز الفضاء فوق رؤوسهم، لينعوا الأمان الذي فارقهم منذ زمن طويل.

وأصداء الفلتان الأمني في بعلبك وصلت إلى مسامع القصر الجمهوري خلال زيارة نواب المنطقة القصر ليشتكوا من كمية السلاح ونوعيته في الأيدي. وكأن لا يد لأولئك النواب في وصوله الى تلك العصابات!

علما أن هذه الزيارة أعقبت أحداثا ثأرية شهدتها المدينة في شهر تشرين الأول بين آل جعفر وآل شمص، على خلفية قتل الشاب عباس شمص لدوافع ثأرية. وهو ما كاد يوقع بعلبك في حرب عشائرية مستعرة، لولا لفلفة التداعيات مجدداً، من خلال مساع عشائرية شكلت انعكاساً لاستمرار مصادرة الدولة وهيبتها في هذه المنطقة. وخصوصا أنها حمت المرتكبين وأبقت الأبواب مفتوحة على حوادث ثأرية مشابهة.

محميات ومعابر حدودية وفارون
وتجليات سقوط هيبة الدولة وأجهزتها في سنة 2020، ما عادت محصورة بالاعتداءات المتكررة على المواطنين وأملاكهم.
وجاءت المظاهر المتطورة لهذه الارتكابات، على شكل اعتداءات وتهديدات تعرضت لها المخافر الأمنية وقادة أمنيون، في تحديات للأجهزة الأمنية. وخصوصاً في المناطق المصنفة محميات، وعلى المعابر الحدودية غير الشرعية، التي شهدت بدورها أحداثاً على خلفية تهريب البضائع. وفد تخللها إطلاق للنيران عبر الأراضي اللبنانية ليترجم على شكل صدامات مع جيش الهجانة السوري.

"بهدلة" الأمن الكبرى عكستها عملية الفرار الجماعية للموقوفين احتياطياً في قصر عدل بعبدا، والتي طُوِي الحديث عنها إعلاميا من دون معرفة العدد النهائي للذين أعيدوا إلى قبضة الأمن. علما أن معظم من حجزوا مجددا سلمهم ذووهم، بعدما سجل في صفوف الفارين وفاة 4 أشخاص.

البطش بالمحتجين
هذه الارتكابات خلفت انطباعاً بأن عبور سنة 2020 جاء بأمن ينازعه الموت. أمن لا يقوى سوى على فرض غرامات على المواطنين الذين تحدوا قرارات الحجر الصحي لتأمين لقمة عيشهم. فيما المخاوف من الانفلات الأمني يضاعفها واقع اجتماعي واقتصادي بدأت مؤشرات تداعياته تنعكس في عمليات سطو مسلح وسرقات موصوفة توثقها أجهزة المراقبة من دون حسيب أو رقيب.

هذا هو الانطباع عن الواقع الأمني في سنة 2020. والذي كان قد ظهر بطّاشاً في وجه "ثوار" عبروا عن مطالبتهم برحيل السلطة الفاسدة. فأوقفت عدداً كبيراً من المواطنين والناشطين، ووجهت لهم اتهامات وألزموا على توقيع تعهدات بعدم انتقاد المسؤولين.

في المقابل تخاذل الأمن في حماية المدنيين خلال ممارسة حقهم الدستوري بالتعبير عن الرأي. وجرى التعاطي مع أزلام السلطة كسند لها في مهمتها، متغاضية عن هجماتهم على المواطنين السلميين بتحركاتهم. ووصل بعضها إلى حد الاعتداء على ناشطين و"ثوار" سلميين، فقئت أعين بعضهم تحت نظر أجهزة الأمن. وبقي الفاعلون "مجهولين"، ولم ينج من هذه الاعتداءات حتى الصحافيين والمصورين الذين ارتكبت بحق بعضهم انتهاكات من الأجهزة الأمنية والعسكرية.

واعتبر السلاح المتفلّت حليفاً للأجهزة ضد المواطنين السلميين. وشكل هذا السلاح عنواناً لأمن متفلت تحميه المربعات ودويلات الأمر الواقع، والحصانات التي تؤمّن للأزلام والمحاسيب، والغطاءات التي تتوفر للفارين من العدالة.. وهي كلها بدت أقوى من سلطة دولة وهيبة أجهزتها.

ومع هذه الازدواجية سقط التابو الذي حمى الأجهزة الأمنية. ليتجلى سقوطها في مواجهات عنيفة مع "العسكر" خصوصاً. ولم يتوان خلالها الأخير عن استخدام طرق تفريق المتظاهرين، من قنابل مسيلة للدموع والرصاص المطاطي إلى ضرب المحتجين بالعصي وأعقاب البنادق وغيرها من أساليب القوة المفرطة لتفريقهم.

كتمان فرار عناصر أمنية
واستخدام القوة القصوى، لم يحم رواتب عناصر الأمن  ومخصصاتهم، التي أصابها ما أصاب جميع اللبنانيين من تداعيات فساد السلطة وأدائها. وصولا الى إلغاء "اللحوم" من مكونات أطباقهم لأول مرة منذ بدأ لبنان يختبر الظروف الصعبة في تاريخه الحديث.
وجاء التعبير الاعتراضي لبعض العناصر الأمنية على شكل عمليات فرار، تحدثت معلومات صحافية عن تزايدها بشكل كبير في سنة 2020. وهذا وسط كتمان شديد اعتمدته القيادات العسكرية، حفاظا على الهيبة، يبدو أن الحفاظ عليها لسنة 2021 بات صعباً جداً.  


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها