آخر تحديث:10:53(بيروت)
السبت 26/12/2020
share

طبيب يحرس ذاكرة فلسطين بمتحف في مخيم شاتيلا

أحمد الحاج علي | السبت 26/12/2020
شارك المقال :
الفيديو لعلي علّوش

قبل 25 عاماً، كان يشاهد التلفزيون. ولما ظهر رجل إسرائيلي على الشاشة يشرح عن المهباج في التراث اليهودي، استفزه المشهد الذي تكرر بعد ذلك. عاد بذاكرته إلى ما بعد النكبة والتهجير بعامين، عندما كان عمه موسى يجتاز الطرق الوعرة مع جمله، متوجهاً من جنوب لبنان إلى بلدته الخالصة المحتلة، ليأتي بأشياء كان من بينها المهباج.


الصراع على الذاكرة
وأدرك محمد الخطيب أن الصراع على التراث والذاكرة لا يقل ضراوة عن الصراع على الأرض، يقول لـ "المدن". وهو اعتاد خوض معظم معاركه وحيداً، ليشيد متحفاً في مخيم شاتيلا يضم أكثر من ألف قطعة ولدت في فلسطين. ولكل قطعة أكثر من حكاية. حكاية مَن صنعها، ومن عايشها، ومن حملها إلى لبنان، ومن أتى بها هدية لفكرة آمن بهـا وصارت متحفاً.

حملته أمه طفلاً لم يبلغ عامه الأول. وانتقلت به من الخالصة، التي تبعد 8 كلم عن حدود لبنان. وفي جنوبه نشأ في مخيم النبطية. حدّثته كثيراً عن بستان جده حمد موسى الخطيب، وكيف أزال الصخر بيديه، لينشئ بستاناً عامراً، فاستحق وساماً من السلطنة العثمانية. وإلى جوار بستانه أقام بستاناً آخر فيه من كل الألوان، للفقراء الذين يودون تناول الفاكهة. وأخبرته أمه أنها في طفولتها مع أخواتها الأكبر سناً، لم تطفئن النار تحت القدور في المجاعة التي حلّت بلبنان في الحرب العالمية الأولى .

بعد تحرير الجنوب عام 2000 عادت به أمه، وقد قاربت التسعين من عمرها، في رحلة عكسية إلى حدود لبنان مع فلسطين. كانت تذكر الصخور التي جرحت قدميها يوماً، حينما قررت العودة إلى الخالصة عام 1948 مشياً على الأقدام لتحضر آلة الخياطة.

من بلدة العديسة بمنظار أحضره، رأى بستان جدّه حمد، وشمّ عبير زهره، يقول. الأشياء التي أحضرها عمّه، وزينت بيتهم، وطالما سمع حكاياتها من أبيه، كانت مشغل الحنين في صدره حتى عام 1974. يومها طلب أبوه من العائلة مغادرة المنزل إلى مخيم تل الزعتر "مخيمنا ما عاد آمن". ولم يبق مع الأب سوى ابنه علي. وقُتل الأب في القصف، ونجا عليّ بأعجوبة، وانطوى أول مخيم.

وكان محمد يدرس الطب في إسبانيا يوم جاءته رسالة تخبره بموت أبيه والمخيم. بكى، وتردد في السؤال عن أشياء مثّلت له دليلاً على حياة كانت في وطن لم يعد سوى ذاكرة وتراث. أدوات العمل، والطعام، والحرب، واللباس، كلها تحكي قصة شعبه، ما قبل نكبته الكبرى. كان من قبل يسأل عنها في رسائله، كأنها أفراد عائلته. استطاعت الأم إخراج آلة الخياطة قبل تدمير المنزل، وحملتها إلى مخيم تل الزعتر. وهناك فقد محمد اثنين من إخوته، أديب وفريد، حيث اقتيدا وقُتلا أثناء خروجهما من المخيم.

حرب المخيمات من يذكرها؟
المآسي التي كانت تتراكم في طريقه لم توقعه وتكسره بعد. عاد إلى مخيم شاتيلا، الذي انتقل إليه بعض سكان مخيم تل الزعتر. عاش الطبيب مأخوذاً بهموم الناس، يقول عنه أهل المخيم. حاول أن يبقي الثقافة قريبة من اللاجئين. يخبر مرضاه عن كتاب بأسلوب بسيط. يحدّثهم عن مسرحية، أو يقصّ عليهم حكاية من التراث. وبدأ فكرته بإنشاء نادٍ ثقافي يقول كل هذا، ويمسك بالذاكرة المتفلّتة والمعرضة للضياع، ولكن..

فجأة، يغرق المخيم بالرصاص والقذائق، في حرب المخيمات طويلة. ليس في المخيم طاقم طبي سوى الدكتور محمد الخطيب، طبيب الصحة العامّة. ولا دواء. ماذا يفعل وحيداً؟ أرسل من يدعو للتبرع بالدواء في مسجد سيتحوّل بعد أيام إلى مقبرة جماعية. تهافت الناس. كان عليه أن يدرب فتيات خمس على التمريض خلال ساعات. أن يجازف بعمليات جراحية وهو ليس بجرّاح. العمليات بلا تخدير. أعداد الجرحى أكبر من أن تستوعبها عيادة صغيرة متهالكة. حتى الموتى دونهم والمقبرة رصاص وقنص.

الدواء الذي توافر ليس من بينه دواء لابنه سامر ذي الأعوام الخمسة، والمصاب بقصور في الكلى، وابنته رنا التي تصغر أخاها بعام، وحالتها أقل خطورة من حالته. تدهورت حال سامر الصحية، والطبيب الوحيد بالمخيم لا يستطيع فعل شيء. مات سامر بعد أيام. امتنعت رنا عن تناول الطعام. ولحقت بأخيها. ماتت رنا. مات كل أولاده. وكان على الطبيب ألا يسقط، على الضدّ من رغبته بالسقوط والانهيار والصراخ. سرق الدقائق ليلاً ما بين موت وموت، وقذيفة وقذيفة، ليرثي ابنته ويواسيها بكلمات تخبرها أن "حبات الرمل وسام الحب"، كما كتب.

الجدران كتاب تاريخ
انتهت الحرب. عاد الطبيب إلى معركته لحفظ الذاكرة. اشترى منزلاً في المخيم لإدارة الحوارات الثقافية والسياسية. هناك كان الشبان يجتمعون للاستماع إلى الدكتور محمد الخطيب، وهو يقرأ قصصاً من التراث. يؤلف المسرحيات التاريخية وغيرها. يسخر في بعضها من الفساد بكل جرأة. يعلّم الفتيان والفتيات التمثيل المسرحي والغناء. دفع بالطلاء إلى مجموعة من الشبان وقال لهم سندهن جدران المخيم، ونسجل عليها تاريخ فلسطين. أجابوا أن هذا الطلاء بالكاد يكفي لجدران قليلة. ردّ "إذا بدأنا سيتبرع الناس، أنا أثق بالناس". صارت جدران المخيم كتاب تاريخ فلسطين.

فكرة إنشاء متحف لم تبارحه، فيما هو يشاهد احتدام المعركة حول التراث. لكن كيف للاجئين تمسكوا بأشيائهم التي مثّلت جزءاً أساسياً من أملهم طوال عقود، أن يتنازلوا عن تلك الأشياء؟ عام 2004 جاء الجواب حاملاً أمل الانطلاق بحلم قديم. كانت أم العبد تتلقى علاجها عند الدكتور محمد الخطيب. حدّثها عن مشروعه. اتكأت على عكازها وسنواتها الثمانين وخرجت. عادت بعد نصف ساعة وبيدها طاستان: "هاي الفضية أبوي بيافا كان عاملها للسكاير. والألمنيوم كان يشرب فيها مي، تفضل يا دكتور بلّش فيها متحفك".

تفأجأ الخطيب. مدّ يده إلى جيبه وأخرج بعض النقود، ليناولها لتلك المرأة العجوز. كان جوابها عاتباً بلهجتها اليافاوية: "استحي على دمّك. فلسطين مش إلك لحالك". ويقول الطبيب إن هذا الجواب أشعره بأن الناس بدأت تُدرك أهمية المشروع، وجعله أكثر جرأة في طلب الأشياء التراثية. وتوافد اللاجئون الفلسطينيون من مخيماتهم وتجمعاتهم وسَكْانهم من كل لبنان، يحملون أشياءهم التي حفظوها لعقود. ضاق المكان بأكثر من ألف قطعة.

متحف الأرواح
الأرواح تسكن هذه الأشياء، يقول محمد الخطيب، مشيراً إلى القطع التراثية بشيء من الزهوّ. إنها تحكي قصص العمال والعشاق والبحارة، وتاريخ وطن. ويتابع: كيف يمكن النظر إلى تلك الجاروشة، من دون تخيل الصبيتين اللتين تعملان عليها. تقول الأولى بلهجتها الريفية:

"من البحر واطلع/ ونسّم يا هوى/ من البحر واطلع"

فتجيبها الثانية: "ما ظني نرجع/ تفرّق شملنا/ ما ظني نرجع".

إنها جاروشة حفظت أسراراً، واكتسبت روحها، يقول الطبيب المسرحي. وفي زاوية أخرى من المتحف تلمح صندوقاً خشبياً كبيراً. لقد فرحت به يوماً عروس فلسطينية في "الكابري". ابتهجت أيضاً بما حواه الصندوق من ثياب وأشياء. هو "جْهازها" الذي كاد ينسيها فرحتها بوسامة ذاك العريس.

وجاءت النكبة. وقعت معركة الكابري، قُتل 49 جندياً صهيونياً، واحتُرقت عربات تابعة للهاغاناه ما زالت في مكانها حتى اليوم. ردّت العصابات اليهودية بمذبحة. رغم كل تلك الدماء والخوف، أصرّت العروس أن تحمل ذلك الصندوق الكبير في طريقها الطويل الوعر إلى لبنان. ذهب محمد الخطيب وأخوه لزيارتها في مخيم شاتيلا. سألها عن الصندوق. عرفت أنه يطلب لا يسأل.

كانت قد سمعت عن متحفه. فتحت الصندوق وشرعت تُخرج الثياب منه. نظر الخطيب في أركان البيت، فلم يجد خزانة. "أين ستضعين الثياب؟"، سأل المرأة المسنّة. "الله بدبّر يمّا"، أجابت. همس في أذن أخيه الذي ذهب لشراء خزانة. قبلت الهدية بعد رفض. خصص الخطيب أكثر من نصف راتبه لحالات مشابهة، أو لتوضيب المتحف.

في ركن المتحف تكاد تبحر سفينةٌ لدقة التفاصيل التي وضعها صانع النموذج. تتدلّى ورقة باسم يعقوب روبين اسكندراني. إنه بحّار عمل طويلاً في ميناء يافا. وطالما أبحرت سفينته بالحمضيات والصابون والحبوب، إلى بقاع كثيرة قبل النكبة. أحب السفينة. احتفى بها. وصنع على صورتها نموذجاً.

جمال الصواري والأشرعة وكل ما في السفينة يدفعك إلى التأمّل، قبل أن يقطعه صوت محمد الخطيب مترنّماً بأغنية رحبانية: "ودخلناها مينا يافا/ يا طيب العود إلى يافا/ وملأنا الضفة أصدافا/ يا أحلى الأيام بيافا/ كنا والريح تهب تصيح نقول سنرجع يا يافا".

وهنا محمصة قهوة طالما سقت الفلاحين في بيادر سحماتا بعد تعب. وذاك سيف صنعه الحدّاد موسى، اللبناني الذي كان يعمل في الخالصة، خصيصاً لقطع الأعشاب عند بحيرة الحولة. أما المكواة فحملها نديم العطعوط من مخيم برج البراجنة للمتحف، بعدما جلبها والده من كويكات إلى لبنان. وتلك أدوات المطبخ. المفاتيح حاضرة بكل أحجامها، وأكبرها ما خصص للقبو. حتى أدوات الموسيقى تحضر هنا، لتخبر عن بهجة، وأعراس كانت تمتدّ أسبوعاً بكامل طقوسها.

ويجلس محمد الخطيب في متحفه مشغلّاً المراوح، رغم الجوّ العاصف، محاولاً طرد الرطوبة عن متحف كتب على بابه "لكل قطعة قصة، ومن كل زاوية غصة". وتبقى غصته الأساسية أن جهده الفردي لم يجد حتى الآن مؤسسة أو فصيلاً يتبناه لحفظه من الضياع والتلف. "فهذه القطع بحاجة إلى المعالجة الدورية وإلاّ ضاع جزء مهم من التاريخ"، يقول.

لم تمنعه الغصة من البوح بطموحين: "الأول هو نقل المتحف إلى مكان أكبر يحظى بالرعاية المناسبة، وقد أنجزت التخطيط الأولي لذلك، لحين إيجاد الدعم والتمويل. أما الطموح الثاني فهو نقل المتحف إلى الخالصة، بعد تحريرها، قرب بستان جدي حمد، وتسميته "متحف رنا. وسيكون جميلاً".


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها