آخر تحديث:10:52(بيروت)
السبت 26/12/2020
share

الاغتصاب الجماعي والثورات المبتورة في القاهرة وبيروت: شهادةٌ لبنانية

محمد أبي سمرا | السبت 26/12/2020
شارك المقال :
الاغتصاب الجماعي والثورات المبتورة في القاهرة وبيروت: شهادةٌ لبنانية الهبّة الكبرى من تظاهرات 30 يونيو 2013 المليونية لعزل الرئيس محمد مرسي من منصبه (أ ف ب)
بعد الحلقة الأولى من تجربة هذه الشابة اللبناية في القاهرة ("المدن 17 كانون الأول)، وثانية (19 كانون الأول)، هنا حلقة ثالثة وأخيرة. وكانت قد سبقتها شهادتها عن مشاركتها في انتفاضة 17 تشرين اللبنانية (راجع "المدن" 17 تشرين الأول 2020).

اندفاع وشلل بين ثورتين
محظوظة أنا لأنني كنت أقيم في القاهرة عندما بدأت ثورة 25 يناير 2011 المصرية على نظام الرئيس حسني مبارك، وكانت حوالى ثلاث سنوات قد مضت على بداية إقامتي الشغوفة بنمط الحياة القاهرية. ولا أزال حتى الساعة أعتبر أنني محظوظة، ويغلبني الحنين إلى تلك الأيام التي عشتها طوال سنتين ونيف في القاهرة، بسحرها وروعتها وغنائيتها الثورية الحماسية، المجبولة بالخوف والألم والحزن والمرارة. لكن ذاكرتي التي لا تزال مشوشة، حسيرة وعسراء، حتى الآن، لا تسعفني في استعادة حوادث تلك الأيام ووقائعها إلا استعادة طيفيّة، مبتورة ومبعثرة ومتعثرة، لكثرة ما في ذاكرتي ووعيي من ثقوب وفجوات مليئة بالضباب.

فحين عدتُ إلى بيروت في العام 2013، عدت محطمة تماماً، مشلولة الحواس والأعصاب والذاكرة والذهن، فلا أدرك مَن أنا ومن كنت ومن أكون، وماذا أصابني. وحين أقول إنني عدت من القاهرة مشلولة أعني بدقة، وليس على سبيل الكناية أو التشبيه أو المبالغة، أنني لم أعد أتعرف على نفسي، أناي وذاتي. نعم لقد عدت إلى بيروت بلا أنا وبلا ذات، وأكاد أجهل هل أحيا وأعيش، أم أتذكرني وأتخيلني أحيا وأعيش. وفوق هذا كله فقدت قدرتي على الكلام، سوى تلك الكلمات-الأسماء الوظائفية القليلة المشلولة. بل ظل اسمي وأسماء من أعرفهم/هن من أهلي وأصدقائي المقربين، حاضرة في ذاكرتي التي أصابها المحو والمحق. وظلت أسماء الأشخاص والأشياء معلقة في فراغ. لكن نوبات الرعب التي راحت تصيبني دورياً، فيما أنا هامدة خاملة طوال أكثر من سنة على هذه الحال في البيت، كثيراً ما كانت تؤدي إلى نقلي إلى طوارئ المستشفيات وعيادات الأطباء.

هل شفيتُ من ذلك؟ نسبياً نعم شفيت. فها أنا أتكلم، وهذه من المرات النادرة التي أتكلم فيها على هذا النحو الذي قد يكون من بوادر شفائي والبواعث على شفائي، رغم أن ثقوباً وفجوات كثيرة لا تزال مقيمة في ذاكرتي. والأرجح أن انتفاضة 17 تشرين 2019 اللبنانية التي قفزتُ من نهايات شللي وخمولي ويأسي إلى شوارعها وساحاتها، ومكثت فيها شهوراً، هي التي بعثت فيّ الحياة والحيوية مجدداً، وأزالت نوبات رعبي وأعادت اليّ شجاعتي وجسارتي وتمردي التي يتهيأ لي أنني فطرتُ عليها منذ مراهقتي، وبدونها أو بفقدها أفقد نفسي وأناي، ولا أعود أعرف من أكون.

لكنني منذ بدأت أشفى من شللي وخمولي ونوبات رعبي، يا ما تساءلت: لماذا أنا هكذا؟ أو لماذا فعلتُ بنفسي وحياتي ما فعلته بهما؟ أو أما كان يمكن أن أكون شخصاً آخر، عادياً ويعيش حياة عادية؟: أتسلى، اقرأ، أذهب إلى المطاعم، أسهر، أشاهد التلفزيون، أشتري أجمل الثياب والأزياء، أتزوج، أنجب، وأعيش حياة بيتية هادئة؟ غير أنني في الحقيقة لست نادمة قط على ما عشته وفعلته، وأحب تجربتي، أقدّرها ولا أرفضها أو أتبرأ منها. وها أنا أتكلم واستعيد ما أقوى على استعادته منها. وقبيل لحظات من انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020، كنت جالسة مسترخية يائسة على كنبة في بيتي أمام شاشة التلفزيون، ومعاهدةً نفسي على أنني لن أشارك في أي نشاط احتجاجي ما حييت، وأريد أن أعيش حياة عادية هادئة. وهذا ما كنت قد عاهدت نفسي عليه قبل مدة من بدء انتفاضة 17 تشرين. لكنني سرعان ما كسرت عهدي أو نكثته، وارتميت أشهراً بكامل حماستي وجسارتي وإرادتي في شوارع تلك الانتفاضة وساحاتها.

ثورات مبتورة
أما ما حدث وأصابني في قاهرة سنتي ثورة يناير المصرية، وأعادني إلى بيروت على تلك الحال، فلربما بدأت بوادره وعلاماته الأولى بعد قيام "المجلس العسكري"، أي قيادة الجيش المصري، بتولي زمام الحكم في مصر، عقب تلك الأيام الـ 18 المجيدة التي سبقت تنحي حسني مبارك عن سدة الرئاسة. والحق أنني لم أستسغ خطوة الجيش تلك التي رأيت فيها استيلاءً على ما أنجزه الشعب المصري، تتقدمه فئاته الشابة، في تلك الهبّة التلقائية العاصفة ضد خنقه السياسي، وتركه شعباً سادراً في صحراء السياسة، لتحكمه نخبة طبقية طفيلية مغلقة، وشبه سرية. وهو، أي الشعب المصري وفئاته الشابة خصوصاً، استعاد قسطاً من قدرته على القول والرأي والفعل السياسي، على طريق صيرورته شعباً سياسياً، ومجتمعاً سياسياً، يعيش بكرامة وحرية، ويمتلك مصيره.

والأرجح أن لبنانيتي ووعيي وتجربتي اللبنانيين وما تحدّر اليّ من تراث لبنان الاجتماعي والسياسي، كانت في أصل نفوري من قفز الجيش المصري إلى واجهة الحكم، وقطعه على الشعب وشبانه استكمال تجربتهم السياسية الجديدة التي انفتحت فصولها أمامهم. لكنني أتذكر الآن، وربما استنتج، أن من أطلقوا شرارة الثورة، أي الشبان والشابات، وكانوا فاعلين بإصرارهم على البقاء في الميادين، أسكرهم تنحي مبارك، فوقفوا ذاهلين غير مصدقين، كأنما ما حدث كان فوق تصورهم وأحلامهم وطاقتهم، في تلك الصحراء السياسية التي ورثوها عن جيلٍ أو جيلين سابقين، وانتفضوا عليها. وبعد يقظتهم من سكرهم وذهولهم - وكنت مثلهم في ذلك - لم يكن لديهم تصور واضح ومحدد لما يمكن أن يفعلوه، ولا ما هي الخطوة التالية التي عليهم وضعها نصب أعينهم وإرادتهم.

وقد أكون تذكرت آنذاك طيف انتفاضة الحرية والاستقلال اللبنانية في 14 آذار 2005، بعد اغتيال رفيق الحريري، عندما اندفعت غداة دفنه في ساحة الشهداء البيروتية، مجموعات من الشبان/ات إلى التخييم في الساحة قرب قبره، مصرّين على جلاء حقيقة عملية اغتياله، قبل شهر من انتفاضة الشعب اللبناني المليونية في الساحة نفسها وسائر ساحات وسط بيروت وشوارعه. تذكرت في القاهرة ذلك الطيف الكرنفالي الكبير للانتفاضة اللبنانية، وفكرتُ مقارِنةً بين تولي القوى والزعامات السياسية التقليدية في لبنان، وتصدرها الانتفاضة لاحقاً، وبين استيلاء الجيش المصري بمجلسه العسكري على سدة الحكم التي شغرت في مصر، بعد الثورة الشبابية والشعبية التي أدت إلى تنحي الرئيس مبارك.

وما لاح لي في أفق تلك المقارنة هو القطيعة: بتر التجربتين الشبابيتين والشعبيتين في مخاضهما، والحؤول دون أن تستكمل كلٌ منهما مسارها التجريبي الحر، البطيء والمديد، لتوليد وإرساء إرادة ومنظمات سياسية، قد تتمكن بالاختبار والتجربة المشاركة في تولي دفة الحكم وتسييره على أسس جديدة.

الجيش والإخوان: مأساة مصر
وسرعان ما انقسمت مجموعات شبان/ات الثورة المصرية، وربما ساهم الجيش وعمل على انقسامها لتشتيتها: بين ساخط وغاضب ومتمرد على سلطة "المجلس العسكري"، وفي طليعتها مجموعة 6 أبريل، وبين حائر وقلق في موقفه من الجيش وسلطته، وبين مؤيد له خوفاً ونفوراً من جماعة الإخوان المسلمين، أو عن قناعة راسخة وتاريخية بـ"وطنية الجيش المصري" باعتباره ركن الدولة والوطنية في مصر، و"جيش الشعب" وابن الشعب، وعلى صلة عضوية بوجدان الشعب وآماله. وكنت أرى أن تلك الصلة تنطوي على مشاعر رومنسية وغنائية، أكثر من انطوائها على وعي سياسي.

واستمرت الثورة المصرية، وعرفت منعطفات وهبّات وحوادث دامية، قبل انتخاب الإخواني محمد مرسي رئيساً للجمهورية في 24 يونيو 2012 وبعد انتخابه، وصولاً إلى تلك الهبّة الكبرى من تظاهرات 30 يونيو 2013 المليونية لعزله من منصبه. والأرجح أن الجيش المصري كان منظِماً أساسياً لتلك الهبّة المليونية (الانقلابية) بالتعاون والتنسيق مع مجموعات "حركة تمرد" الشبابية التي كانت فصيلاً من مجموعات شبان الثورة. وقد استجاب الشعب بقوة لتلك الهبّة الكبرى، مدفوعاً بمساوئ الحكم الإخواني وبسلوك الإخوان المسلمين في الشارع المصري، والتي ساهم الجيش بقوة على الأرجح في إظهار تلك المساوئ وتضخيمها، فوق ما هي سيئة أصلاً وفصلاً.

وكان هدف الجيش من ذلك كله قطع الطريق على الحركة الثورية - غير المنظمة والمفككة والمفتقدة إلى تجربة وبوصلة وقيادة تمكنها من المبادرة السياسية - ومنعها من إنضاج تجربتها الجديدة، بل تشتيتها وتقسيمها. وهذا ما آلت اليه تلك الحركة بعذاباتها وآلامها وقتلاها ومحبَطيها ونخبة مهاجريها خارج مصر، هرباً من اليأس والإحباط والمطاردات الأمنية والسحل والقتل والسجون التي اعتمدها الجيش والأجهزة الأمنية، بعدما استتب الحكم للجيش مع انتخاب عبد الفتاح السيسي رئيساً للجمهورية. وقد كنتُ أنا إحدى ضحايا تلك "السياسة" التي اعتمدها الجيش.

مؤسسة التحرش والاغتصاب
لا أتذكر الآن حيثيات قرار مغادرتي القاهرة وعودتي إلى بيروت في العام 2013. كنت قد عشت حوادث قاسية كغيري من أصدقائي وصديقاتي طوال يوميات الثورة في القاهرة: منّا فقد بصره، عيناً أو اثنتين، وبعضنا جُرح أكثر من مرة، وآخرون هاجروا، وهناك من قُتل وترك غصّات في قلوبنا، وكان المعتقلون كثيرون.

وفي نهار من العام 2013، كنت في بيتي في محلة القصر العيني، غير بعيد عن ميدان التحرير، ولا من شارع محمد محمود حيث ورازة الداخلية المصرية، وتدور مواجهات دائمة بين المتظارهين وقوات الأمن. وكانت قد انقضت مدة قصيرة على انقطاعي عن المشاركة في التظاهرات، بسبب إصابتي بجرح في واحدة منها، وبحساسية تكاد تخنقني جراء غاز القنابل المسيلة للدموع، التي تطلق دائماً على المتظارهين. وياما كنت أنتصر على خوفي في مروري اليومي بين قوات الأمن والشرطة حاملةً بعض الخضر في كيس، مستفيدة من كوني أظهر كأجنبية تجتاز الشارع إلى بيتها، لأصل إلى ميدان التحرير، لأن رجال الأمن والشرطة يتصرفون مع الأجانب باحترام على عكس تصرفهم مع المصريين. وقد تعرضت مرّة لمحاولة سرقة محفظة يدي في الشارع، وضربني اللصوص وكسروا يدي.

وكانت اسابيع قد مضت على مكوثي في المنزل أستشفي، عندما زارتني صديقتان لي، ياسمينا برماوي وليلى، فاقترحتُ عليهما أن نشارك في مظاهرة تنطلق من القصر العيني إلى محمد محمود، فغادرنا نحن الثلاثة بيتي إلى الشارع، وسرنا في التظاهرة، وسرعان ما اندلعت المواجهات مع قوات الأمن. وكان شائعاً ومعروفاً آنذاك أن جماعات من المتحرشين بالفتيات كان هدفهم من المشاركة في التظاهرة صيدُ فتياتٍ واغتصابهن اغتصاباً جماعياً في الشوارع. والأرجح أن مجموعات من رجال الأمن بثياب مدنية كانت تندس بين المتظاهرين للاعتداء على الفتيات، إضافة ألى تنظيم الأجهزة الأمنية مجموعات البلطجية للقيام بتلك الاعتداءات. وكان التحرش والاغتصاب قد تحولا مؤسسة منظمة وسلاحاً فاعلاً، بل فتاكاً ومرعباً ضد الثورة والثوار، وعلى نحو متدرج ومتصاعد، منذ ما بعد الـ 18 يوماً الأولى المجيدة من الثورة. وتلك الأيام يُجمع المصريون على خلوها من حوادث التحرش والاغتصاب التي راحت تشيع بعدما أخلت الاجهزة الأمنية والشرطة الشوارع، واختفت منها اختفاءً تاماً، إلا في حمايتها وزارة الداخلية ومحيطها في شارع محمد محمود.

وما أن بدأت المواجهة بين المتظاهرين وقوات الأمن، وانهالت علينا القنابل المسيلة للدموع، حتى شعرت أنني مشرفة على الاختناق، فقلت لصديقتي إنني سأعود إلى بيتي. وما أن خرجت من بين الجموع، حتى انتبهت إلى أن شاباً راح يسير خلفي ويطاردني. فطفقت أسرع الخطى هاربةً، فإذا بالشاب في أثري. والمعروف في مصر أنه يستحيل على النساء المطارَدات على هذا النحو طلبُ الحماية من الناس الغرباء العابرين أو المتجمعين في الشوارع، لأنهم غالباً ما لا يستيجبون لمثل تلك الاستغاثات، ويلقون باللائمة على المرأة المطارَدة، وبعضهم قد يشارك في الاعتداء عليها، في حال تمكن المتحرشون المطاردون من الوصول إليها و"صيدها". والحق أن رعبي من مطاردي حملني أحياناً على الوقوف بين جمهرة في الشارع، والشروع في محادثة أحدهم من دون أن أعرف مَن يكون، لا لطلب الحماية منه، بل لإيهام مطاردي أنني على صلة ما بذلك الشخص الذي أحادثه. ولكن كان عليّ أن أنهي سريعا تلك المحادثة المصطنعة، لئلا ينتبه مَن أحادثه أنني مطارَدة من متحرش. وظل ذاك المتحرش يطاردتي، فأستأنف هروبي لاهثة. وياما حاولت عبثاً الاتصال هاتفياً بصديقتي. وكنت قد لمحتهما من بعيد في مشهدٍ أخير بداية هروبي، وسط مجموعتين - حلقتين من شبانٍ ظننت أنهم من المتظاهرين، لكنهم كانوا في الحقيقة من المتحرشين المغتصبين، على ما علمتُ بعد ساعة أو اثنتين من وصولي إلى منزلي ونجاتي من مطاردي.

الاغتصاب الجماعي
ياسمينا برماوي روت بنفسها علناً ما حدث لها، طوال ساعتين قبل وصولها إلى بيتي. وهي كانت لاحقاً من النادرات اللواتي روين علناً في وسائل الإعلام ما حدث لهن، على خلاف ألوف المغتصبات والمتحرش بهن والمختفيات المتواريات خلف سكوتهن الأليم، وتدميرهن وتدمير حياتهن. وفي رواية ياسمينا أن حلقة من مئات الرجال والشبان أحاطت بها وسط الشارع، فيما كنت أنا أهرب مطاردة في الشوارع. وشرعوا بتمزيق ثيابها وباشروا اغتصابها واحداً تلو آخر وسط الحلقة التي ظلت تحوطها متحركة متنقلة بها من شارعٍ إلى آخر، ومن حيّ إلى حي، فيما هي وسطهم ويتداورون على اغتصابها، من دون أن يتدخل أي من الناس الكثيرين وجمهراتهم في تلك الشوارع والأحياء لنجدتها وإنقاذها. ولما صادف أن حاول سائقُ سيارة إنقاذها من مغتصبيها، بإدخالها إلى سيارته، تمكّن المغتصبون من إخراجها من السيارة ومواصلة رياضتهم حتى وصولهم إلى حي باب اللوق، حيث تمكنتْ من التفلت منهم، ربما لتناقص عددهم، واللجوء ببقايا قطعٍ من ثيابها الممزقة إلى دكانٍ صغير لإمرأة أغلقت عليها باب دكانها حوالى نصف ساعة، ظلّ في أثنائها آخر مطارديها في الشارع منتظرين خروجها من الدكان، قبل انصرافهم. فاعطتها المرأة عباءة سترت بها عريها، وأوصلتها إلى بيتي. وظلت ياسمينا تردد هاذية تلك الكلمات التي سمعتْها من عابرين شاهدوها تغتصب: بتستاهل، أكيد بتستاهل.

صديقتي الأخرى ليلى، تعرضت في الوقت نفسه وفي حلقة أخرى من الرجال والشبان لما تعرضت له ياسمينا، لكن لوقتٍ أقل منها بكثير. ذلك لأنها ما أن شرعوا في تمزيق ثيابها واغتصابها، وسمعت أحدهم يصرخ: بالدور يا جماعة، بالدور، عيب، حتى أقنعت مفتصبها الثاني أو الثالث وسط الحلقة، أنها له وحده وتختاره من بينهم، شرط أن يحميها من الآخرين. وقد تمكن من ذلك ووفى بوعده، فاعتقها وتركها قبل مسافة قصيرة من ميدان التحرير الذي وصلت إليه ودخلت المستشفى الميداني فيه، ملفوفةً بشرشف لا تدري أو لا تذكر من أعطاها إياه.

ياسمينا ظلت مقيمة في القاهرة، وراحت تروي قصتها وعُرفت واشتُهرت كناشطة ضد التحرش والاغتصاب، بعدما بدأت تشفى نسبياً من التروما أو من صدمتها المروعة. وربما ساعدها ذلك في تحسن حالتها النفسية، على خلاف ليلى التي هاجرت إلى لندن، وظلّت تتعرض لنوبات من الانهيارات العصبية والنفسية. ولا تزال مقيمة هناك على هذه الحال بين الانهيار والتحسن.

شلل الصدمة والترويع
أما أنا فقد كسرني تماماً ما حدث لصديقتيّ، وأصبت بحالٍ من تأنيب الضمير الممضّ، لأنني كنت السبب في ما حصل لهما. فأنا مَن دعوتهما إلى الخروج من بيتي إلى التظاهرة، بعد مجيئهما لزيارتي.

لا لم أكره القاهرة ولا مصر، ولا أزال حتى الساعة مقيمة على حبي لها وتعلقي بها. ففيها كبرتُ وتعرفت إلى نفسي، كما لم أعرفها في بيروت من قبل. ولي فيها الكثير من الآلام والمسرات والأصدقاء والصديقات المقيمين/ات على آلامهم ومسراتهم ويأسهم وإحباطاتهم، ومنهم من يقيمون في السجون، وبعضهم هاجر وانقطعت أخباره.

لكنني فجأة انكسرت وتحطمت، مدركة أن علاقتي بالقاهرة لن تشفى من مركب الحب والتعلق والكراهية في وقت واحد.

وحدث انكساري على النحو التالي: بعد أيام من ما حدث لصديقتي، خرجت من بيتي ظهراً لأشتري علبة تبغ من الدكان المقابل. وحين وصلت إلى مدخل البناية وقفتُ، كأنما رجلاي تجمّدتا تلقائياً وأصابهما شلل كامل، فلم أعد أقوى على تحريكهما قط. وحتى جسمي تجمّد في مكانه، كأنني تمثال حي لا يقوى على الحركة. تمثال ينظر إلى الشارع والعابرين أمامي بحياد كامل، كأنهم أشباح متحركة. لم أفهم أو أعي ما بي. وفجأة سيطرت عليّ نوبة رعب، عندما أبصرت في الشارع كلبين واقفين على الرصيف، أنا مَن طوال عمري لم أخف من الكلاب. لكن ذلك الرعب أبقاني مسمّرة في مكاني، لا أقوى على تحريك قدميّ اللتين لم تطاوعاني إلا حينما استدرت وعدت إلى بيتي.

ظللت يومين أو ثلاثة بلا نوم تقريباً. وغالباً ما أتنقل بين الكنبة التي أرتمي عليها، وبين الوقوف خلف زجاج النافذة أحدق ساهيةً مخدرة الحواس، فيما يعوم بصري على الأشياء والبشر في الشارع أمامي. وشيئا فشيئاً راحت تنوص ذاكرتي وتصاب بخمول أو خدر، إلى أن شُلّت تماماً. ولا أدري أو لا أذكر كيف ومتى تماماً عدت إلى بيروت.

وفي بيروت ساء وضعي العصبي والنفسي والجسماني: امّحت ذاكرتي ولم أعد أقوى على الحركة، وصرت شخصاً مشلولاً. رأسي فارغ تماماً، إلا من معلومات عني: اسمي، وأسماء أهلي، وعن أنني كنت طالبة في معهد الفنون بالجامعة اللبنانية في بيروت، وكنت في القاهرة. ولا شيء سوى ذلك تقريباً. معلومات بسيطة عني بلا ذكريات عن حياتي كلها. ثم لم أعد أعرفني، وشلتني نوبات الرعب وضاعفت نبضات قلبي وتلاعبت بضغطي الذي يهبط فجأة أو يرتفع إلى الذروة، فأنهارُ وينقلوني إلى طوارئ المستشفيات.

وكنت قد تحسنت بعض الشيء في العام 2015، فاصطحبني بعض أصدقائي إلى واحدة من تظاهرات "طلعت ريحتكن" في ساحة الشهداء. لكنني بعد وقت قصير من وقوفي بين المتظاهرين،  لم أعد أعي من أنا ولماذا أنا بين الجموع وكيف أتيت.

وفي 17 تشرين قفزتُ من خمولي على الكنبة إلى الشارع ومكثت فيه أشهراً، واستعدت نفسي. وها أنا أروي ولا أدري أن كنت شفيت من صدماتي.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها