آخر تحديث:13:08(بيروت)
السبت 28/11/2020
share

اخصائيون:لا بديل عن المدرسة والتعلُّم عن بعد بلا جدوى

وليد حسين | السبت 28/11/2020
شارك المقال :
اخصائيون:لا بديل عن المدرسة والتعلُّم عن بعد بلا جدوى يستحيل على المدرّس النجاح في تعليم ثلاثين طالباً عبر الشاشة (علي علّوش)

مع قرار وزير التربية طارق المجذوب العودة إلى التعليم المدمج يوم الإثنين المقبل، عادت بعض أصوات المسؤولين إلى التحذير من مغبة هذا الأمر. وكان الأساتذة وأهالي الطلاب اشتكوا من التعليم عن بعد، ليس من عدم وجود بنية تحتية تجعله مجدياً في زمن الجائحة فحسب، بل بسبب معاناتهم اليومية مع الأولاد وتبدل سلكوهم وعدم قدرتهم على فهم الدروس وشروح مدرسيهم. فضلاً عن شكاوى قلة نوم الأطفال وقلقهم وظروف تعاملهم مع الاخرين، وصعوبة استيقاظهم صباحاً.

ويعاني الأهل من عدم تأقلمهم مع الوضع الجديد وعدم استيعاب أولادهم، واجبروا على المفاضلة بين عملهم وتعلم أولادهم. وهم عاشوا ضغوطاً نفسية انعكست غضباً وتوتراً كبيرين عليهم وعلى أولادهم. وغالباً ما يكون الطفل ضحية غضب الأهل وتوترهم. وفي هذا الإطار يؤكد خبراء علم النفس أن لا بديل للأطفال عن التعليم الحضوري والذهاب إلى المدرسة.

لماذا لا بديل عن المدرسة؟
هذا ما يؤكده الدكتور فادي معلوف، مدير برنامج الطب النفسي للأطفال والمراهقين في المركز الطبي في الجامعة الأميركية في بيروت. وهو ويوصي بأن تكون المدارس المؤسسات الأولى التي تباشر عملها، وأقله اعتمادها نظام التعليم المدمج، عندما يتقرر إعادة فتح أي قطاع في البلاد.

وبدورها أكدت المتخصصة في الطب النفسي العيادي والأستاذة في كلية التربية في جامعة القديس يوسف ناتالي ريشا، أن لا بديل عن التعليم الحضوري. فالمدرسة هي المكان الأول لتعلم الأطفال على التخالط الاجتماعي وبناء حياتهم الاجتماعية. فما يتعلمه الطفل في المدرسة لا يمكن أن يتعلمه من الشاشة الخرساء التي لا حياة فيها. وأهم ما يعلمه إياه التخالط الحي، والاستقلالية، وتطوير المهارات، وتخطي الخوف، واكتساب خبرات جديدة، وتفكير نقدي يكتسبه من احتكاكه بأقرانه واللعب معم ومناقشتهم ومناقشة المدرسين. وهناك أيضاً عيش تجربة التعدد الاجتماعي والثقافي التي لا بديل عن المدرسة في تأمينها. وهذا كله يختبر شخصية الطفل ويغني تجربته الحسية والذهنة والشعورية والأخلاقية.

وأوضح معلوف في حديثه لـ"المدن" أنه بات يلاحظ مشكلات في التعليم عن بعد: ضغوط نفسية على الأولاد، والأهل وخصوصاً الموظفين منهم. فالتعليم عن بعد فرض تحديات نفسية على العائلة، فباتت ملزمة بخلق أجواء تعليمية غير مألوفة وصعبة التحقق في البيت.

غياب التمييز والانفصال
وحدد معلوف مشاكل حالية ثلاثة للتعليم عن بعد: أولاً، حرمان الطفل من نموه الاجتماعي. فالمدرسة ليست للتعلم الأكاديمي حصراً، بل هي تساعد الطفل في خلق الحس الاجتماعي لديه، عبر تواصله مع زملائه في الصف. والمدرسة مجتمع مصغر لبناء العلاقات. فيها يلعب الطفل، ويتنقل بين الغرف، ويخرج إلى الملعب، ويمارس الرياضة والرسم وأنشطة أخرى. وهذا برنامج متكامل ومجتمع صغير تنمو فيه مدارك اجتماعية وفكرية وعاطفية غير مرتبطة بالتعلم الأكاديمي.

أما التعلم عن بعد فينحصر بالجانب الأكاديمي ويبتسره أيضاً. وهذا يضع الطفل في ضغوط نفسية، لأنه يحصره في البيت، ويحرمه من وقته ونشاطاته الأخرى مع أصدقائه التلامذة.

المشكلة الثانية هي عدم الفصل بين البيت والمدرسة. فانتقال الطفل من الفترة الصباحية في المدرسة إلى فترة بعد الظهر في البيت، أساسي في حياته. الأولى للتعليم الأكاديمي والنمو الاجتماعي والثانية للراحلة والدرس واللعب والتحدث مع الأهل في البيت. وهذا الفصل والانتقال بين عالمين لا يوفرهما التعليم عن بعد. ومكوث الطفل طوال يومه في مكان واحد، يفقده حس التمييز بالوقت والمكان، وبين وقت الدرس والتوقف عنه. لذا بات على الأهل واجب خلق طرق تنقل الطفل من الفترة الصباحية إلى مرحلة بعد الظهر لكسر الروتين.

إرهاق وضغوط نفسية
أما المسألة الثالثة فتتجلى في تعلم كيفية التعليم عن بعد. فالأهل الذين لديهم أولاد أعمارهم دون الثامنة باتوا أمام تحدي متابعة أولادهم والبقاء معهم في البيت أثناء حصص التعليم عن بعد. وفي حال كان الزوجان يعملان فعليهما متابعة الطفل عن بعد، أي من المكتب، لمعرفة كيفية تعلمه عن بعد. وهذه العملية مرهقة للأولاد والأهل، تؤدي إلى ضغوط نفسية إضافية على الطرفين. كما أن الطفال بات أيضاً أمام تحدي تعلم كيفية التعلم عن بعد. فهم معتادون على التعلم في الصف، بينما باتوا اليوم أمام تحدي التأقلم مع التعليم الجديد وعليهم تعلم تقنيات جديدة ومهارات معينة للاستفادة من الحصص التي تعطى لهم. وهذا يؤدي إلى ضغوط نفسية.

وبدروها ترى ريشا أن الطفل متعود على روتين يؤدي إلى استقرار معين عنده. ومع انتشار وباء كورونا تغيرت جوانب كثيرة من حياته: البقاء في البيت وخسارته التسلية والنشاطات مع أصدقائه. وهذا ألزم الأهل ترك مقار عملهم لمتابعة أولادهم، أو باتوا يعملون من البيت. والصيف والشتاء باتا بلا فرق ولا تمييز في سنة كورونا. وبات عليه التأقلم على عادات جديدة وعلى الضغوط النفسية. وبسبب كل المشاكل والضغوط الهائلة التي عاناها اللبنانيون في هذه السنة، باتوا غير قادرين على متابعة أطفالهم. فهذا أفقد الطفل القدرة على التأقلم مع الضغوط النفسية المستجدة.

وتضيف ريشا: دور الأهل هو معرفة كيفية تطمين الطفل لتخطي المرحلة. لكن حتى الكبار باتوا غير قادرين على التأقلم مع الظروف الجديدة، فكيف بالأطفال؟! نحن أمام مشكلة لا تقتصر على التأقلم مع التعليم الجديد، بل في واقع عام يلقي بثقله على كل اللبنانيين.

غياب مضاعف
وعن شكاوى الأهل من سلوك أطفالهم تقول ريشا إنها مبررة. فعادة يحتاج الطفل إلى وجود شخص إلى جانبه ليتفاعل معه. والمعلم/المعلمة يعرفان من خلال التفاعل في الصف إذا استوعب التلامذة ما يقوله المدرس وما يشرحه، وإذا اكتسب الطفل المهارات المطلوبة. وبغياب هذه العملية التربوية، وحلول التسمر أمام الشاشة محلها، وغياب الصور عن الشاشة بسبب ضعف الانترنت، لا يعلم المدرس عن بعد أين أصبح التلامذة في متابعته وماذا يستوعبون وإن كانو يتابعون عملية التعلم. وهذا يعني أن الولد متروك وحده وعليه أن يدبر أموره بنفسه ويفهم ويتفاعل مع مدرس غائب. وهذه مشكلات لم تكن موجودة سابقاً. وبات الطفل في حاجة لمساعدة أهله الذين باتوا أكثر توتراً وعصبية من السابق، لأنهم لم يتعودوا على هذا النمط.

وتسأل ريشا: إذا كان الكبار يستصعبون هذه الحال، فكيف بالأطفال الذين لا يعلمون كيفية متابعة الدروس أمام الشاشة، أو كيف يسجلون الملاحظات ومساعدة أنفسهم. وهذا كله يؤدي إلى شعور الطفل أن الأمور تسبقه، وبالتالي يميل إلى عدم الرغبة في التعلم.

الأهل يكتشفون أولادهم
من ناحيته، لا يجزم معلوف بأن المشاكل السلوكية تفاقمت عند الأولاد بشكل مختلف عن تلك التي كانت تظهر عادة في الصف والمدرسة. لكن الجديد أن الأهل باتوا يلاحظون ويتعرفون على المشاكل السلوكية عند أولادهم، لأنهم باتو يمضون الوقت في البيت معهم. بمعنى آخر بات يلاحظ أن المشاكل التي كانت تشتكي منها المعلمات في المدرسة - مثل قلة الانتباه أو الغضب والعدوانية والحركة المفرطة - باتت مدار شكوى الأهل اليوم. لأنهم صاروا ينتبهون لها أكثر. لكن في المقابل ارتفعت شكاوى الأهل من النزاعات بين الأخوة، وخصوصاً أن الأولاد حاضرين طوال الوقت في البيت. وهناك كثرة من الأهالي لا يملكون بيوتاً كبيرة تفصل بين أفراد الأسرة.

والخلاصة المؤكدة أن لا بديل عن التعليم الحضوري. فالمدرسة ليست للتعلم فحسب، بل للتفاعل واكتساب المهارات. وتضيف ريشا أن التفاعل وتشارك الأفكار مع الآخرين من أساسيات التعليم الحضوري، وأهم أسس التعليم. ولا يمكن أن يؤمنها التعليم عن بعد. ويستحيل على المدرّس النجاح في تعليم ثلاثين طالباً عبر الشاشة. فهو عادة في الصف يعتمد طرقاً عدة للشرح، سواء بالرسم أو بالحركة أو بأنشطة معينة، كي لا يملّ التلامذة، ويحثهم على متابعته ويتأكد من اكتسابهم المهارات المطلوبة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها