آخر تحديث:13:24(بيروت)
الخميس 26/11/2020
share

مارادونا.. وُجد للكرة والكرة وُجدت له

نادر فوز | الخميس 26/11/2020
شارك المقال :
مارادونا.. وُجد للكرة والكرة وُجدت له بدءاً من الليلة سيُمتع السماء بملائكتها، والجحيم بشياطينه (Getty)
صبيّ في الستّين من العمر، يحبو كمراهق على أرض النزوات والتجارب. "إله"، خطّها أبناء كل حارات نابولي وبيونيس آيريس بعد أن أحضر إليها الألقاب والعزّ. أنشأوا فيهما كنيسة ومعبداً، ومشوا في زيّاح لم ينته بعد عقدين وثلاثة. طواف دائم ومستمّر لا يبشّر بخلاص ولا بحياة جديدة أبدية، فقط للتكريم بدافع الحب والشغف والانتماء والتقوى والوفاء والمتعة. فكان لقب الأزليّ، بعد فاجعة الموت، أقرب للبال من أي وصف آخر. والإله، قالوا عنه. أزليّ، لا يموت غصباً عن الطبيعة والعلم والمنطق عند قوم رفعوا لاعب كرة قدم إلى صفة المقدّس. مارادونا، اسم مفرد واحد، ولا حاجة لتذييله بدييغو أو أرماندو. لا حاجة للتعريف، مارادونا فقط. أخذه الموت وترك سواه من أركان اليأس وشيوخ الإحباط من فاقدي المتعة واللذة، خارج الملعب قبل أرضه. مارادونا، حدث متنقّل. في الإحماء متعة، وفي المباريات انبهار. على دكّة المدرب شوق لا ينضب. في المدرّج نبض جمهور بحاله.

فرح في الملجأ
تبدأ القصة، في شهر أيار عام 1989. الحرب دائرة عندنا، بين إلغاء وتحرير، ويخطف البطل لنادي نابلولي فوزاً أول على شتوتغارت الألماني في نهائي كأس الاتحاد الأوروبي، بهدف وتمريرة. فرح وصراخ في الملجأ يطغى على صوت مدفعية الجيش اللبناني التي تدكّ مناطق أهلية أخرى في العاصمة. وفي مباراة الإياب تعادل بين الفريقيّن، يحمل بعدها مارادونا الكأس الأوروبية الأولى لنابولي الخالية من الانتصارات. فرح إضافي، فلا عِلم ولا مدارس، فقط حرب ومعارك. كأس أضافية، فوز آخر، ركضة مارادونية أخرى. مجدداً، تانغو حاف، بأقدام وبلا موسيقى، مع جمهور مبهور ومعلّق خرج عن مكانه وزمانه.

دموع مشتركة
استمرّت الحرب، واستمرّ مارادونا بالقفز من شاشة ملوّنة في المنزل إلى أخرى بالأبيض والأسود في الملجأ. على تلفزيون صغير يدور على بطارية سيارة، نهائي مونديال 1990 انتهى بيكاءٍ وحسرة. الكهرباء مقطوعة، فليس من يلحظ الدمع في العيون. بكى مارادونا، وأبكى جيلاً بكامله. سرقوا منه الكأس، سرقوا من الناس فرحة. ثم أمعنوا في السرقة، فسلبوا المتعة من كوكب بأسره، بتوقيف مدبّر من هنا ومؤامرة مخدرات من هناك. وسهّل عليهم مارادونا العملية، في مسلسل إدمان متجدّد. ربح الكأس الذهبية، وتلك الأوروبية، وتلك الأولمبية، ونال الجوائر المختلفة. بدا كأنه اكتفى من ملل الأدبيات وتقاسيمها. هو شاب، هو عاشق، هو محبّ للمرح والسهر، هو إنسان. هو مارادونا.

أجيال مارادونا
صنع مارادونا جيلاً أو جيلين حتّى. ومنه نسخات مختلفة. مارادونا برشلونة غير مارادونا نابولي، غير مارادونا الأرجنتين 1986، غير مارادونا التسعينات. منه انبثق "كابتن ماجد" في ذاكرتنا. فيه أمثولة ابن ضاحية نما وحكم العالم. صبغ كوكباً، بألوانه. بالأزرق. أزرق الأرجنتين، وأزرق نابولي. وبينمها الأزرق المائل إلى حمرة كتالونيا. شعر كثّ، وسرعة، وحذاقة، وسهولة الخروج من الورطة وإيجاد الحلول. حَجَران مقابل بعضهما في موقف للسيارات، ومباريات تنطلق في كل حيّ، حيث الكل يتشبّه بمارادونا. فتكثر الانزلاقات على إزفلت خشن، وكذلك الكدمات المختلفة. الكل يحاول باليسرى، وليس من يتقنها إلا من حفظ مارادونا في المنام. صنع جيلاً وجيلين، حاك أملاً ونموذجاً. صنع عالماً.

شخص وكرة
مارادونا، الاسم وحده يكفي. اخلطوا كل الأساطير والعمالقة في ملاعب كرة القدم، ولا يرقى الخليط إلى المستوى. قيادة بيكينباور، إحساس ميسي، غزارة بيليه، تهديف رونالدو (البرتغالي)، سهولة رونالدو (البرازيلي)، حرفنة زيدان، مناورات بيست، لمسة بوشكاش، مهارة كرويف. كل هذا، وأكثر، في شخص واحد. صاروخ كروي، مهاري، عبقري، مبدع، بهلواني، ملك، حريف، فنّان، ساحر، قائد. يضرب، بلمسة أبهى التكتيكات الأوروبية. يسقط بتمريرة أمهر البهلونيات الأميركية. وُجد للكرة والكرة وُجدت له. هو من دونها، لا شيء. شاب فقير يثور بحسّ طبقي ريفي متمدّن. هي من دونه، لا شيء. لا طعم لها، لا حماسة ولا تحدّي. تصبح كما حالها اليوم، تكاد تُلعب بشوكة وسكّين مائدة، حيث الانفعالات ممنوعة ومكبوتة، و"الآداب" الأوروبية المفترضة تحكم وتتحكّم.

أبيض وأسود
مارادونا، تحدّى الفيزياء والرياضيات، في مرّات لا تحصى. تحدّى الجاذبية، تحدّى عامل طول القامة، تحدّى الأوزان، تحدّى المنطق والعلم، فسجّل كراته. تحدّى التاريخ، فهزم إمبراطوية بريطانية بدقائق قليلة، وهدم الستار الحديدي السوفياتي مرّتين. أسقط ألمانيا رومنيغيه وبيكينباور في مونديال، وقهر برازيل كاريكا في آخر. دمّر شمال إيطاليا بأسره بمالها وعنجهيّتها في سنوات متواصلة. وأشعر ملك إسبانيا بالعار والقرف بعد أن سحق المدريديين في عقر دارهم فصفّق له ملعب البرنابو في ظاهرة تكرّرت بعدها مرّتين فقط، مع رونالدينيو وأندرياس إنييستا. في كل هذه سيرته، بنى العداوات. أبيض وأسود، خير وشرّ، ولا هامش بينهما. هو أو الخصم. يلعب ويعيش من دون قفازات، وإلا لما كانت يده لتسجّل.

4 دقائق
في سيرة مارادونا، خير وشرّ، أبيض وأسود. يسهل اختصار مسيرته، ولو بسطحية مطلقة، بـ4 دقائق فقط في مباراة واحدة جمعت الأرجنتين والإنكليز في كأس العام 1986. في الدقيقة 51 سجّل بيده اليسرى بعد أن ارتقى فوق العملاق شيلتون. في الدقيقة 55، 11 ثانية، 37 فشخة، 11 لمسة، دمّر 6 لاعبين وسجّل برجله اليسرى. يد الله، رِجل إبليس. هذا مارادونا. الإله في يده، والشيطان في رجله. وليس في عقله سوى مخطّط الانتقال بلمح البصر للعب مع السماء والجحيم. انتقل بينهما، فيما الجنون من حوله يتصاعد. إله، بطل قومي، أيقونة للفقراء، غيفارا جديد. مدمن على المخدّرات، وعلى الكحول، يغش بشتّى الطرق، علاقات سهر عابر، و"موبقات" رسمتها مجتمعات حديثة. إنه مارادونا. إنه إنسان يفعل بما يشعر به. يسقط في التجارب. إنه إله يصنع المعجرات. إنه ربّ بشري.

سارق محفظة
وشم غيفارا على زنده، وكاسترو على بطّة يسراه العجيبة. في جنوبيته، حافظ على موقعه إلى جانب ثورات شعوب ولو أنها ديكتاتوريات. وظّف عمله الكروي سياسياً. سجّل بيده ضد الإنجليز، فقال إنه شعر كأنه سرق محفظة سائح بريطاني من جيبه. لم ولن يعتذر عن ذلك. السرقة حلال ومشروعة في الحرب. والعدو الذي سحق الأرجنتينيين في حرب المالفيناس، يستحق ذلك وأكثر. خاض حربه الوطنية على طريقته، وانتصر. قبل ذلك كان أملاً قومياً. وبعدها رُفع إلى رتبة البطل القومي، ثم إلى مصاف الألوهة. والعِباد، لا يعرفون موت آلهتهم.

حبيب الناس
مارادونا أبيض وزنه 64 كيلوغراماً. مارادونا أسود وزنه 130 كيلوغراماً. تحدّى الموت وصرعه. استعان بملاك أو شيطان، لا يهمّ. غلب الموت مراراً، في كولومبيا والأرجنتين وكوبا، ليكمل مسلسل صراعاته. قلّة تعرف أنّ رِجل مارادونا اليسرى صنعت ألوهيته، إلا أنه يكتب باليمنى. أنه أطلّ على الجمهور الأرجنتيني بقميص عليه العلم البريطاني في حفل فرقة "كوين" في بيونس آيريس في شباط 1981 ليقدّم إحدى أغاني الفرقة. كان ذلك قبل حرب المالفيناس عام 1982. يحمل الرقم القياسي لعدد الأخطاء التي ارتكبت على لاعب واحد في مونديال واحد، 53 خطأ عام 1986. وفي مباراة واحدة، 23 خطأ، أمام أيطاليا. حمى مرمى المنتخب الأرجنتيني وأنقذه من هدف بيده ضد السوفيات في مونديال 1990، ولم يلحظها أحد أيضاً. انتخب أفضل لاعب في العالم، بتصويت الجمهور، فيما حلّ بيليه في المرتبة الأولى بتصويت الاتحادات الكروية والمدرّبين. مارادونا حبيب الناس، بيليه مندوب المنظومة.

500 غرام
بين جولات الإدمان، نصبت الدولة الإيطالية المحكومة بالمافيات كميناً. تنصّتت على اتصالاته، وأرسلت نساء جواسيس إلى غرفته. أقصى إيطاليا من مونديال 1990، فدفع الثمن. مُنع عن اللعب عام 1991. لذة الكرة، لا يعكرّها "لذة" المخدرات وفّخها. عزل نفسه في الأرجنتين، مع كومة من الكوكايين. ولتكتمل المؤامرة، حضرت الشرطة الأرجنتينية مع صحافيي الفضائح ومصوّريها إلى شقّته لاعتقاله. ضبطوا نصف كيلوغرام من الكوكايين بحوزته. أوقفوه عامين عن اللعب. وعاد في مونديال 1994 ليسجّل في مباراته الأولى بلا عناء يُذكر. فكانت مؤامرة أخرى، من مدرّب اللياقة البدنية، الذي عدّل أدويته ولم يحضر العلب اللازمة منها من الأرجنتين إلى الولايات المتحدة. أعطاه منشطاً، رغماً عنه، من دون أن يعرف. فأقصاه. واعتبر الجاني بذلك في وقت لاحق. تآمروا عليه، سلبوه متعةً، وسلبوا من كرة القدم حياةً.

دعوه يعبر، دعوه يمرّ. دعوه يحافظ على أحلام الطفولة ومشاهدها. دعوه يبقى طفلاً في الستين من العمر، مراهقاً لا يخشى شيئاً. شاب يتحدّى كوكباً. ستيني بقلب طفل، ونبض مراهق. دعوه يُكمل ثورته حيث هو. دعوه أملاً وإنقاذاً في وقت المحن. دعوه كما هو، بلا أحكام ولا إسقاطات أخلاقية لا تعنيه أساساً. دعوه يُمتع، دعوه يُبهر. دعوا الناس تنتشي في المدرّج وأمام الشاشات وفي العالم كله. دعوه يداعب كرةً لتشعر مجرّة بأسرها بالنشوة. فبدءاً من الليلة سيُمتع السماء بملائكتها، والجحيم بشياطينه.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها