آخر تحديث:13:02(بيروت)
الخميس 26/11/2020
share

الإحباط والحزن والتوتر والغضب.. مؤشرات قياسية يسجلها اللبنانيون

نادر فوز | الخميس 26/11/2020
شارك المقال :
الإحباط والحزن والتوتر والغضب.. مؤشرات قياسية يسجلها اللبنانيون مؤشرات الراحة والسعاد يمكن معاينتها في الشوارع، في وجوه العابرين أو الجالسين في سيّاراتهم (Getty)
بيروت في موجة تصحّر إنساني، اجتماعي وبشري. لا يُرَدّ ذلك إلى كورونا وحده. لا شكّ أنّ الإقفال الشامل فعل فعله في المدينة وبين القاطنين فيها. لكن حتى قبل الإقفال، وعلى الأرجح بعده، فقدت العاصمة حيويتها الاجتماعية. أنباء يومية تتوالى على نمط إقفال مطعم في الحمرا، ومقهى في بدارو، وحانة في الأشرفية، في حين أنّ سائر المعالم الأخرى انقطع النفس عنها قبل مدّة. حتى في الحجر، لم تعد الاتصالات الثنائية أو الجماعية تطول. دقائق وتنتهي، فلا شيء لقوله، سوى تشارك تجارب يومية محبطة، مراكمتها، تكرارها وإضفاء المزيد من الإحباط عليها.

قوارير مياه
في التفرّس بحركة من يجوبون الشوارع، تلخيص لما يجري بشكل عام. أجساد تمشي بثقل، عيون فارغة أسفلها مغطّى بكمّامة، أكياس هزيلة يملؤها الهواء بعد التبضّع في الدكاكين المحليّة. وفي الأخيرة أيضاً، غزت قوارير المياه وغالوناتها المساحة. فرغت رفوف، وحلّت مكانها صناديق مياه، كذريعة أن المحل دكان بقالة يحق له أن يفتح في أيام الإغلاق. حتى المكتبات، نفضت عن رفوفها القرطاسية من أقلام ودفاتر واستبدلتها بعبوات شراب أو مياه. ففي المياه عادةً، دلالة على الحياة. وفي كل هذه الدكاكين والمحال، من يحاول أن يشير إلى الحياة فيها، ولو أنه يسعى أيضاً إلى التحايل على قرارات التعبئة العامة. مع إجراءات الإقفال، ومن دونها أيضاً، كانت صناديق المياه ستملأ الدكاكين والمكتبات.

غادر بابا نويل
في الشارع، محل لبيع الألعاب يقوم عمال بتفريغه من البضائع. يحملون علب وكراتين ويخرجون بها، فيفرغون حمولاتهم المتلاحقة في سيارة وشاحنة صغيرة. قبل شهر من موسم الأعياد وحضور بابا نويل، الذي لم يعد مرتبطاً بجماعات أو أفراد دينيين، أقفل المحل نهائياً واسمه "هدية" مكتوب بلغة أجنبية غير دقيقة. كانت أسعاره معقولة جداً ومناسبة لجميع الطبقات الاجتماعية. فيه المسدّسات البلاستيكية ودوائرها الكبسونية، وفيه أكياس جند وسيارات ودمى، وفيه أيضاً دراجات هوائية صغيرة. غادر بابا نويل هذا الشارع، ولن يعود إليه في الوقت المحدّد. ولن يعود إليه في وقت قريب. قد يحزن أطفال الحيّ الظريف، وحالهم ليست أفضل ممن يفوقوهم سناً، وممن توقفوا عن انتظار بابا نويل منذ سنوات.

مؤشرات إنسانية
مؤشّرات الحزن، الغضب، الخوف، التوتّر، وغيرها من المؤشرات الإنسانية في لبنان تضرب أرقاماً قياسية. هذا ما تبشّر به مؤسسة "غالوب" في تقريرها السنوي حول المشاعر والتجارب السلبية في البلدان. لم تعدّ المؤسسة بعد إحصاءات العام الجاري، لكنها تتوقع تحطيم اللبنانيين للأرقام القياسية في هذا المجال. ووفق إحصاءات العامين الماضيين، ارتفع مؤشر القلق من 40 إلى 65%، وتضاعف مؤشر الحزن من 19% إلى 40، والغضب من 23% إلى %43، والتوتر من 46% إلى 61%. كما تراجعت المؤشرات أيضاً، بنسب مماثلة بين أرقام 2018 و2019. مؤشرات الراحة والسعادة. يمكن معاينتها في الشوارع، في وجوه العابرين أو الجالسين في سيّاراتهم.

كان كل هذا التراجع في المؤشرات الإيجابية وتصاعد المؤشرات السلبية قبل عام من اليوم. قبل حجز ودائع الناس في المصارف، قبل انقطاع الأدوية، بما فيها المهدّئات وأدوية الأعصاب. قبل انهيار الليرة اللبنانية. قبل الارتفاع الجنوني لأسعار السلع الغذائية ودعم حبّة الكاجو. قبل أنباء التبشير بانقطاع الدعم عن المحروقات. قبل فض ساحات الاحتجاج. قبل زرع الخردق في رؤوس المحتجّين وأجسادهم، أو خنقهم بالقنابل الدخانية وسحلهم في الشوارع. قبل فيروس كورونا ومآسيه المختلفة. قبل جريمة 4 آب. قبل أن يطلّ أمين عامٍ ليدعو الناس لحزم حقائبهم للتوجّه شرقاً. قبل أن يخرج رئيس على اللبنانيين ليدعوهم إلى الهجرة أو إلى انتظار جهنّم آت. وليس في الجحيم من وحدات تكفي لقياس الإحباط والحزن والتوتّر والغضب.  


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها