آخر تحديث:12:34(بيروت)
الثلاثاء 24/11/2020
share

"متعة" عصيان الدولة.. طرابلس نموذجاً

جنى الدهيبي | الثلاثاء 24/11/2020
شارك المقال :
"متعة" عصيان الدولة.. طرابلس نموذجاً "أبسط وسيلة لانتقامنا من هذه الدولة، هو أن لا نستجيب لقراراتها" (علي علّوش)
بعيدًا عن المخاطر الصحية التي تهدد اللبنانيين، إثر الانتشار الواسع لفيروس "كورونا"، والذي سقط ضحيته مئات القتلى وآلاف المصابين، قد يكون هذا الفيروس العالمي اختبارًا جديدًا لعلاقة المواطنين بالدولة اللبنانية ومؤسساتها. ولعلّ أحرج مراحل هذا الاختبار، تتجلى خلال فترة "الإقفال الشامل"، التي يؤكد فيها الناس انعدام ثقتهم بالدولة.

في هذا الوقت، ثمّة من يرمي على اللبنانيين مسؤولية تفشي الوباء نظرًا لعدم إلتزامهم بالإجراءات الوقائية وشروط الإقفال العام. في الشكل، قد يكون الأمر صحيحًا، لكن في المضمون، يبدو أن اللبنانيين بكل بساطة، لا يرغبون بالإكتراث بكل القرارات الصادرة عن دولتهم، حتى لو كانت بهدف حمايتهم صحيًا.

ليس عاديًا أن يكون آخر رقم كشفت عنه المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، حول عدد محاضر الضبط بحق مخالفي قرار التعبئة، منذ بدء الإقفال العام، تجاوز 26 ألفاً. ترفع المديرية شعار "إلتزامك أمانك"، والسؤال الفعلي: لماذا لا يجد المخالفون في الإلتزام أمانًا لهم؟

كسر شروط التعبئة
إذا نظرنا لمحاضر ضبط مخالفي التعبئة، لا نجد أن جميعها سُطّرت بحق من يبحثون عن قوت يومهم، لأن العاطلين عن العمل في الأصل هم الغالبية. أنواع المخالفين كثيرة. منهم من يكسر شروط التعبئة للتنزه في الشوارع أو الذهاب لمقهى يعمل سرًا، ومنهم من يخرج لشراء شيء ولو لم يكن ملحًّا، ومنهم من يتوجه للقاء أقاربه ورفاقه داخل المنازل، ومنهم من ينسى أن حظر التجول يبدأ عند الخامسة مساءً، وبعضهم لا يريد شيئًا غير المخالفة، ولو كلفته محضر ضبط بـ50 ألف ليرة. أمّا الملتزمون أنفسهم بأيام تجول المفرد والمجوز، فقد يكونون مخالفين أيضًا، بعد أن صار دارجًا استبدال السيارات (وفق رقم لوحتها) داخل البيت الواحد أو بين الأصدقاء للتناوب على التنقل.

وفي ترجمة فعلية لانعدام الثقة بين المواطنين والدولة، قد تكون طرابلس نموذجًا حيًا لعصيان أبنائها على قرارات التعبئة، لدرجة أن عناصر القوى الأمنية أنفسهم ملّوا من التجول في بعض أحياء المدينة، فصاروا يغضون النظر عن "مخالفاتها".

خلال الإقفال العام، ثمّة شيء غريب يصيب أبناء الشمال، وتحديدًا في عاصمتهم طرابلس. يندفع الناس بكثرة نحو الشوارع والشاطئ وإلى المحال التجارية والغذائية. وهذه الأيام، تشبه المدينة نفسها في شهر رمضان قبل موعد الإفطار.

في اليومين الأولين للإقفال، كان الإلتزام العام مقبولًا لحدٍّ ما، وسرعان ما انطلقت لاحقًا أساليب الإلتفاف على شروطه، لتصبح المدينة مزدحمةً بالسيارات ومكتظة في الأسواق وداخل محالها التجارية.

يأس الدوريات
في طرابلس، تتجلى فنون الإلتفاف على الإقفال بشتى أشكالها. البعض يفتح نصف بوابة محلّه، ويحرسه أحد عماله في الخارج لإغلاقه فور مرور إحدى الدوريات. والبعض الآخر يغلق محلّه بشكل كامل ويستقبل زبائنه الذين يطرقون عليه الباب للدخول.


وواقع الحال، يبدو أن هذا الإلتفاف ليس حكرًا على الفقراء أو بحجة الفقر فحسب، وإنما يطال مختلف الشرائح ولعدة دوافع. قبل سوق العطارين، يمرّ شاب عشريني على دراجته النارية تجاه رفيقه، ويقول له بصوتٍ عالٍ كمن نال جائزة: "أكلنا ضبط من الصبح"، يجاوبه صديقه ضاحكًا بشكل عفوي: "المهم صحتك بالدني".

وللإشارة، تجاوزت الأرقام الرسمية لأعداد المصابين بالفيروس في طرابلس 4060 إصابة، فيما الأسرّة في المستشفى الحكومي وبعض المستشفيات الخاصة على شفير الامتلاء. وفي السياق، يشير رئيس بلدية طرابلس رياض يمق لـ"المدن"، أن نسبة الإلتزام بالإقفال العام تتراجع يوما بعد آخر، لا سيما في الأسواق والمناطق الشعبية، وأن دوريات الدرك بدأ يتراجع حضورها في المنطقة لضبط المخالفين. وقال: "سعينا عدة مرات كبلدية لتنظيم الحركة داخل سوقي العطارين والخضار، عن طريق ترك مسافات بين البسطات، لكن من دون جدوى، لتعود الفوضى على حالها فور خروجنا من السوق".

الملل والفراغ
داخل إحدى المحلات لبيع الأدوات المنزلية في طرابلس، وكان يغلق نصف بوابته، يشير صاحبه - يتحفظ عن ذكر اسمه - لـ"المدن" أن أيام الإقفال أضحت أشبه بموسمٍ تجاري للبعض، إذ يرتفع إقبال الناس على التسوق، سواء عبر خدمة الديليفري أو عبر الحضور شخصيًا. لكن اللافت خلال فترة التعبئة، وفقه، أن هناك نسبة كبيرة من الناس تدخل المحالات التجارية للتنزه فحسب، من دون شراء شيء أو سؤال عن سلعة. يقول صاحب المحل: "الناس ملّت من حجم الفراغ والعجز الذي نعيشه، ولم تعد تعنينا قرارات الإقفال، نريد فتح محلاتنا حتى لو لم نعمل داخلها، وحتى لو سطروا بحقنا عشرات محاضر الضبط، فأبسط وسيلة لانتقامنا من هذه الدولة، هو أن لا نستجيب لقراراتها مهما تكن أهدافها".


ولدى سؤال أحد زبائنه عن سبب دخوله سرًا إلى المحل لشراء حاجيات غير ضرورية في فترة الإقفال، يجيب باختصار: "وأنا شو خصني بقرار الإقفال؟". هذا الزبون، ربما يمثل آلاف اللبنانيين الذين يعتقدون أن قرارات الدولة لا تعنيهم. ليس لأنهم هواة فوضى أو مخالفة، بل لأن ثقتهم مفقودة بكل ما تصدره السلطات الرسمية. لذا، بدا الإلتفاف على الإقفال ليس تذاكيًا على "كورونا" التي يخشاها الجميع، وإنما تذاكيًا على الدولة نفسها.

ولسوء حظّ هذه السلطة، أن تفشي وباء "كورونا" جاء في مرحلة تراكمت فيها خيبات الناس، منذ ما بعد انتفاضة 17 تشرين الأول 2019، مرورًا بالانهيار الاقتصادي والمالي، وصولًا إلى جريمة انفجار المرفأ وما تبعها من مآسٍ. لذا، يبدو أن قرارات الدولة الداعية للإقفال العام لم تعد موضع احترامٍ لدى شريحة واسعة من اللبنانيين، فصار دافع عصيانها أقوى من هاجس "كورونا" نفسها.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها