آخر تحديث:16:40(بيروت)
السبت 21/11/2020
share

مأساة سكان الشياح "الأصليين" الشيعة: الاختناق والضمور البيولوجي

محمد أبي سمرا | السبت 21/11/2020
شارك المقال :
مأساة سكان الشياح "الأصليين" الشيعة: الاختناق والضمور البيولوجي أحزمة البؤس جنوب بيروت، نشوء المخيمات الفلسطينية والطفرة العمرانية العشوائية (Getty)
ولد المدرّس أحمد كزما سنة 1935، إبنًا لعائلة شيعيّة من عائلات السكان "الأصليين" في الشياح عندما كانت بعدُ قرية ساحلية. وفي العام 2005 روى سيرته العائلية في إطار شهادة عن المجتمع الشيعي الريفي أو الزراعي، وزمنه البلدي البطيء، الاكتفائي الأليف، في قرى ساحل المتن الجنوبي، قبل تسارع ذلك الزمن إلى الاندثار أمام هجوم "عمران الهجرات الجماهيري" الفوضوي على تلك القرى، فصارت أحياء الضاحية الجنوبية لمدينة بيروت.
لكن الراوي - بعدما أمضى أكثر من أربعة عقود من عمره مدرّساً ومدير مدرسة في الشياح والغبيري (1953 - 1994) - يبادر إلى تعريف نفسه شغوفًا بأنّه مزارع وابن مزارع وحفيد مزارع.

بين الشيعة والمسيحيين
قبل تحوّل ملكيات الأرض رأسمالًا عقاريًا لتجارة الأبنية الجاهزة في الشياح مطلع خمسينات القرن العشرين، كانت عائلات سكانها "الأصليين" الشيعة تعيش آخر أيام حياتها الزراعية الجنائنية في أملاكها، ومقيمة على علاقات اجتماعها البلدي، التقليدي المتوارث: الوحدات العائلية الموسعة، القرابة والمصاهرات في ما بينها، تجاورها السكني، وتوارثها الأرض، هي قواعد ذلك الاجتماع. لكن الزمن الزراعي الجنائني المحدث، وموارده من زراعة الخضر وبعض الأشجار المثمرة في حدائق وبساتين غير بعيدة من البيوت، لم يعمّرا أكثر من عقدي الثلاثينات والأربعينات، اللذين تلاهما سريعًا الزمن العقاري الكاسح، بالتزامن مع تكاثف موجات الوافدين من الجنوب وبعلبك.

وخلافًا لجيرانهم المسيحيين - الذين كان قد وفَّر لهم التعليم، وأعمال تربية دود القز وصناعة الحرير وتجارته، والمهن الحرة، والوظيفة الإدارية في مؤسسات الدولة منذ العشرينات، سُبُلًا لخروجهم من الزمن الزراعي وتقاليده وقيمه، فأقبلوا على الهجرة وبيع أملاكهم - لم يندفع أقرانهم الشيعة في تيار الحراك الاجتماعي والاقتصادي هذا، إلا على نحو ضعيف أو طفيف، ومتأخر زمنًا.

وروى كزما أن المالك-المزارع الشيعي في ساحل المتن الجنوبي عمومًا (في برج البراجنة الأقدم عهدًا من الشياح)، ظل يعيش قنوعًا في ملكه وأرضه وبيته، وعلى إيقاع المواسم الزراعية البطيء، المطمئن وشبه الاكتفائي، حتى نهايات الخمسينات تقريبًا. ومن كان قادرًا على تعليم أولاده من أهالي الشياح، لم يكن ينتبه انتباهًا حادًا إلى أهمية التعليم وقوته في الارتقاء الاجتماعي. فبين أبناء جيل والد الراوي المولود في بدايات القرن العشرين، نَدُر المتعلمون تعليمًا يتجاوز الكتاتيب القديمة والمرحلة الابتدائية. أما في جيله هو، فلم يبلغ التعليم الجامعي سوى قلة نادرة، على خلاف أبناء جيله من المسيحيين الذين كان التعليم بينهم نشطًا ويتوسع، وبابُهم إلى الهجرة والتخلي عن الزراعة والتعلق بالأرض الزراعية وغير الزراعية، وإلى انعتاقهم من استكانة التعويل عليها كرأسمال مادي، اجتماعي ومعنوي، لتغيير نمط حياتهم وحيازة مكانة ومراتب جديدة محدثة، استمدت قيمتها وقوتها من المهن الحرة والأعمال التجارية والوظائف الإدارية والخدمات والحرف. وكان ما وفّر لمسيحييّ الشياح هذا التحول الاجتماعي، أقله منذ العشرينات، هو خروج روابطهم ومثالاتهم الاجتماعية عن الإطار البلدي المحلي، واتصالها واتصالهم الوثيق بشبكات اجتماع الكتلة المسيحية الناهضة في العاصمة بيروت وجبل لبنان ومثالاتها، وبإدارة دولة لبنان "الكبير" الوليدة.

الإبن أمير بين أهله
وروى كزما أن ملكية الأرض وما يلابسها من نمط حياة وأشكال مكانة وقيم مادية ومعنوية، ظلت على حالها، عائلية وبلدية بأعرافها وتقاليدها ومثالاتها المتوارثة في بيئة عائلات السكان "الأصليين" الشيعية في الشياح. وإلى جانب ملكية الأرض وتوارثها، ظل النّسب العائلي والسّمعة الحسنة بين الأهالي مدار تلك القيم. فلا تعريف للشخص بعمله ومهنته ودوره، بل بعائلته ونسبه. وظلت صفة "آدمي" تحتل مكانة مرموقة في نظام القيم المحلية، وفي إعلاء شأن هذا الشخص أو ذاك، وفي تيسير المعاملات بين الأهالي الذين كانوا يرددون في مبادلاتهم عبارات موروثة: الجار قبل الدار. الله يدبّر، الله يبعث، الله يعين. الناس لبعضها. والمُسلِم من سَلِمَ الناس من يده، ومن آمن بالله واليوم الآخر..

وكانت أمثال هذه الأقوال المأثورة السائرة تترد مثل التحيات المتبادلة أو مقرونة بها، بين أهل يسود بينهم تعارف وإلفة وعلاقات عائلية مزمنة يغلّفها تديّن تقليدي عادي. والولد في هذه البيئة، كان يعيش أميرًا بين أهله: الأب والأم والجدة والجد والأحفاد، وسواهم من الأقارب والجيران. والقول المأثور: الولد أمير بين أهله الشيعة في البلدة الساحلية، يشبه عنوان كتاب لجبور الدويهي: "الموت بين الأهل نعاس" في زغرتا - إهدن، واجتماعها الجبلي أو الجردي، العشائري والمسيحي الماروني في شمال لبنان.

لكن العصبية العشائرية لم يكن لها من وجود في بلدات السهل الساحلي التي نشأت كلها أصلًا من اجتماع قدامى مهاجرين انقطعوا عن بيئاتهم السابقة التي وفدوا منها. أما قوام اجتماع وحياة وعلاقات أولئك الوافدين المتوطنين، فكان العائلة الموسعة والجوار. وظلت الطمأنينة إلى ملكية الأرض وتوراثها، محور ذلك الاجتماع في البيئة الشيعية، غير المشرعة على حراك وتطلب ومثالات اجتماعية جديدة أو مغايرة. فالإقامة في الملك العائلي، والوئام العائلي - البلدي، وحسن الجوار بين العائلات، وشعور أبنائها بانتمائهم البديهي أو الطبيعي إلى عائلات البلدة ومجتمعها المحلي، وعدم تجاوز حدود هذا كله حدود البلدة نفسها، كانت عناوين حياة أهالي الشياح الشّيعة. وذلك حينما لم تكن قد نشأت بعدُ بين الشيعة في قرى ساحل المتن الجنوبي وبلداته، أشكال تضامن طائفي حادة وقوية، أوسع من العائلة وعلاقات الجوار العائلي في البلدة، ولا تتطلب الذوبان والامحاء في عصبية أهلية طائفية، تتجاوز حدود بلدات ساحل المتن الجنوبي. وهذا ما أحدثته حركة موسى الصدر الشيعية في أواخر الستينات وفي السبعينات، تمهيدًا للحروب الأهلية الطائفية التي وُلدت في خضمها العصبية الطائفية الشيعية المتماسكة في لبنان مع حركة أمل، ثم طائفة حربية إقليمية مع حزب الله.

أما في الخمسينات فكان نمط الحياة العائلية ونسيجها البلدي التقليدي لا يزال قائمًا في الشياح التي قلّ، بل ندُر فيها المسيحيون، قبل تكاثف موجات الوافدين الجنوبيين والبعلبكيين الشيعة إليها، وهبوب الزمن العقاري والعمران الجماهيري وفوضاه عليها. وقد يكون دبيب تلك الفوضى الداهمة هو ما حمل الراوي على ملاحظة تفصيلية تنطوي على المقارنة بين نمط حياة سكان الشياح "الاصليين" العائلي البلدي، ونمط حياة الوافدين الجدد وقيمهم: لم يكن الطلاق وتعدد الزوجات مألوفين بين عائلات السكان "الأصليين". بل لم يكن لهما من حضور يذكر في بيئتهم، إلا في ما ندر من الحالات: كمثل أن تكون المرأة غير منجبة، أو توفاها الله. وبين أبناء جيله من عائلات الشياح، لا يذكر الراوي حالة طلاق واحدة. أما تعدد الزوجات فكان غريبًا ومرفوضًا رفضًا قاطعًا بين الأهالي.

المأساة الصامتة المزدوجة
أعاد الراوي بداية ظهور نعرات أو حزبيات أو غرضيات سياسية أهلية في مجتمع السكان "الأصليين" في الشياح، إلى مطالع الخمسينات: النعرتين أو الفرضيتين الناصرية والشمعونية المتناوئتين (نسبة الى الرئيسين، المصري والعروبي الوحدوي جمال عبد الناصر، واللبناني كميل شمعون الخائف والمستريب من العروبة الناصرية الجماهيرية الوحدوية). والنعرتان هاتان ارتسمت بعض ملامحهما في الشياح، متزامنةً مع تزايد موجات المهاجرين البعلبكيين والجنوبيين إليها إبان حوادث 1958 وبعدها، وتضاؤل عدد السكان "الأصليين" المسيحيين فيها، ونشوء محلة عين الرمانة شرق طريق صيدا القديمة، كموطن للمهاجرين المسيحيين الجدد من الفئات الشعبية الجبلية.

وقبل نكبة فلسطين في العام 1948، بدأ نزول أوائل البعلبكيين في شاطئ الإوزاعي، حيث أقاموا أكواخًا خشبية على تلاله الرملية التي كانت بعض عائلات بلدات ساحل المتن الجنوبي، ومنها عائلات الشياح، تقيم عليها عرازيل تنزل فيها في فصول الصيف. ثم أدى نزوح الفلسطينيين من ديارهم بعد النكبة، إلى إقامة مخيمات للاجئين الفلسطينيين، بين حارة حريك وبرج البراجنة وفي شاتيلا. وسرعان ما حدثت طفرة من طفرات البناء العشوائي حول هذين المخيمين في ما سُمي لاحقًا الرمل العالي والرمل الواطي وعلى شاطئ الأوزاعي في أثناء حوادث 1958 وبعدها. وكانت هذه المحطات، العلامات الأولى على نشوء ما سيسمى "حزام البؤس الشيعي" حول بيروت في الستينات والسبعينات.

وروى كزما أن هذه التسمية أخافت عائلات السكان "الأصليين" في الشياح وأزعجتهم، فنفروا منها لأنها وصفتهم، بل وصمتهم بالبؤس مع ديارهم، وأشعرتهم بأنهم صاروا كالجنوبيين والبعلبكيين، "عالةً" على لبنان، على خلاف ما كانت عليه حالهم وحقيقة شعورهم. ذلك أن مشكلتهم، بل مأساتهم الفعلية الصامتة والمزدوجة أو المضاعفة الصمت، كانت تكمن في أمر آخر مختلف تمامًا: شعورهم بأن موجات الشيعة الوافدين بكثافة من الجنوب وبعلبك إلى ديارهم، حاصرتهم وخنقتهم. وقد يكون ذلك هو ما حملهم على التفكير بإصابتهم بضمور بيولوجي أعادوه إلى انغلاقهم على اجتماعهم العائلي، وعلى زيجاتهم الداخلية، العائلية والقرابية المتكررة منذ أجيال، بصفتهم سكانًا "أصليين" شيعة. وهذا ما ضاعف شعورهم الداهم بأن موجات المهاجرين الريفيين الجنوبيين والبعلبكيين أخذت تحاصرهم في ديارهم، وتضاعف انكفاءهم، وتصمهم بأنهم من أهل "حزام البؤس".

ومأساة الضمور البيولوجي، أو تخثر النسل - وفقًا للراوي - بدأت تظهر ملامحها واضحة منذ مطلع الثلاثينات. فمنذ  توطن العائلات الشيعية في الشياح، وفي أجيال متعاقبة، تعود أقله إلى جيل جده في أواخر القرن التاسع عشر، وجيل والده في بدايات القرن العشرين، وجيله هو المولود سنة 1935، راحت هذه العائلات تتزاوج في ما بينها: شاب من هذه العائلة يتزوج فتاة من عائلة أخرى. لكن أم الفتاة تكون من عائلة الشاب أو العكس. أو تكون هناك صلة قربى تجمع بين أجداد الزوجين الشابين. وحين يُقدِم شاب على الزواج من فتاة، سرعان ما يُقْدِمُ أخ الفتاة إياها على الزواج من أخت زوجها، تطبيقًا لمبدأ: اعطني أختك وخذ أختي.

وهجسُ الراوي بهذه الظاهرة، وشيوع الأحاديث عنها بين العائلات المحلية خلف أبوابهم المغلقة، حملاه على تتبع آثارها في مصادر "علمية" تفيد أن الزيجات العائلية والقرابية المتكررة في أجيال متعاقبة تؤدي إلى فقدان المواليد 25 في المئة من قوتهم الحيوية البيولوجية، البدنية والذهنية. وتتزايد هذه النسبة في حال استمرار هذه الزيجات، وعدم كسر حلقاتها المقفلة، فيتضاعف تشابه الجينات وتماثلها في الأجنّة، ويصاب النسل بالضمور والفساد البيولوجيين الظاهرين والكامنين في حقبة طويلة الأمد. وكان لهذه الظاهرة الصامتة وجه كارثي أحيانًا، تمثّل في تزايد ولادة أطفال مصابين بتشوهات خِلقية ومعوقات صحية بدنية وعقلية. واستمر ظهور هذه الحالات إلى ما بعد اختلاط السكان "الأصليين" بالوافدين الجنوبيين والبعلبكيين، وكسر حلقة الزيجات الداخلية المقفلة، وإقدام بعض أبناء العائلات المحلية على الزواج من أبناء عائلات الوافدين.

حدث ذلك منذ ستينات القرن العشرين. لكن التشوهات والمعوقات الخلقية والعقلية الناجمة عن الزيجات العائلية والقرابية المقفلة لا تختفي وتزول بين ليلة وضحاها، بل هي تكمن في جيل لتعود إلى الظهور في أجيال أخرى لاحقة. وإذا كان الجهل وثقافة القضاء والقدر أو القضاء الإلهي والديني، حالت دون التنبه إلى هذه المشكلة ومواجهتها في الأجيال السابقة، فإن إقدام الأجيال الجديدة على جبهها بعد اتساع دائرة التعليم وثقافته ودائرة الاختلاط السكاني والاجتماعي في ستينات القرن العشرين، لم يؤدِ إلى امتناع كثرة من أبناء عائلات السكان "الأصليين" في الشياح، عن الزيجات الداخلية في ما بينهم، نتيجة إقامتهم على تقاليدهم القديمة الراسخة التي ضاعف تمسكهم بها شعورُهم بأن الوافدين "الغرباء" يحاصرونهم في ديارهم.

وفيما كان سكان الشياح "الأصليون" سواهم من "أصليي" ضاحية بيروت الجنوبية يعيشون مأساتهم المزدوجة الصامتة، كتب الشاعر محمد العبدلله في مطلع السبعينات قصيدة يقول في مطلعها: "الدم الزراعي مات/رأيتُ دمًا بفصلين/فصل تراجع نحو الحكاية/وفصل يصير إلى ما لا نهاية".

الفصل الذي مات تشهد رواية المدرس أحمد كزما على "تراجعه نحو الحكاية"، أو تحوله إلى حكاية. أما الفصل الآخر، فصل تحوّل الشياح ضاحية مكتظة بالمهاجرين، فيصعب على الراوي وأمثاله رواية وقائعه. وربما هو يخاف من أن يرويه، وتحتاج روايته إلى رواة آخرين كثيرين.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها