آخر تحديث:17:29(بيروت)
الإثنين 02/11/2020
share

الكارثة المتجددة: بحيرة القرعون مستنقع مجارير وطحالب نتنة

لوسي بارسخيان | الإثنين 02/11/2020
شارك المقال :

ليست الطحالب التي طافت على وجه بحيرة القرعون مشهداً استثنائياً في مثل هذه الفترة من السنة، بل يكاد يكون ملازماً للبحيرة طيلة فصول السنة، طالما أن سد القرعون يشكل مستنقعاً لآلاف الأمتار المربعة من كميات "المجارير" المتدفقة في البحيرة، بدءاً من أعلى نقطة لحوض الليطاني وحتى محيطه.

إلا أن الإضافة "النتنة" للمشهد الذي تداوله الناشطون على وسائل التواصل الإجتماعي، هي في تلك الروائح المنبعثة من البحيرة، نتيحة لإنخفاض مستوى كميات مياهها المخزنة، والتي بلغت 65 مليون متر مكعب، في رقم متدن قياسي مقارنة بالمعدلات السابقة.

إهمال مجلس الإنماء والإعمار
يعيد رئيس المصلحة الوطنية لنهر الليطاني، سامي علوية، سبب هذا الانخفاض في مخزون البحيرة، إلى تأخر هطول أمطار هذه السنة من جهة، وإلى استهلاك كمية أكبر من مخزونها المائي في توليد الطاقة الكهرمائية، نتيجة لساعات التقنين الطويلة.

ولكن هذه ليست سوى الواجهة لمشكلة أعمق بكثير، تعيد التذكير بالإهمال غير المبرر للبحيرة من قبل الجهات المعنية، وخصوصاً مجلس الإنماء والإعمار، والذي يؤخر تنفيذ الخطط، أو أقله الالتزام بخريطة الطريق الموضوعة لرفع التلوث عن الليطاني. وهذا ما يجعل الدولة ومؤسساتها المسؤولين الأساسيين عن "التلوث الأكبر" في هذه البحيرة. 

عملياً، تتشكل هذه الطحالب، نتيجة لارتفاع نسبة التلوث الذي تتسبب بها المجارير إثر ترافقها مع درجات حرارة عالية. تعرف هذه الطحالب علميا بـ"السيانوبكتيريا"، وكانت مدار أبحاث أجريت بالتعاون مع الجامعة الأميركية، أفضت في سنة 2018 إلى تجربة لمعالجتها من خلال "منصات عائمة" حصلت مصلحة الليطاني عليها بهبة هولندية، أظهرت قدرة كل واحدة منها على معالجة مشكلة السيانوبكتيريا بمحيط يصل إلى 45 متراً مربعاً.

كان يفترض بهذه التجربة التي بدأت في شرق بحيرة القرعون، أن تعمم على مساحتها، لتخفيف كمية البكتيريا المضرة بنوعية مياهها.. إلا أن اندفاعة البنك الدولي لجدولة ديون جديدة على الدولة اللبنانية، عبر تأمين شراء كمية "منصات" إضافية يتطلبها تجهيز البحيرة (حوالي 12 منصة)، فرملها رفض علوية، خصوصاً أن هذه المنصات التي سترتب ديوناً تصل قيمتها إلى نحو مليون دولار، مرشحة لأن تتحول مجرد عوامات بلا فائدة، طالما أن مشكلة التلوث لم تعالج من جذورها.

إنطلاقاً من هذا الواقع، لم تعر مصلحة الليطاني هذا العام أهمية لتركيب العوامات الموجودة لديها بهبة هولندية، وعددها 11 منصة، كون فائدتها تنعدم، حسب علوية، بظل "قلة ضمير المعنيين في التعاطي بملف القرعون الذي يعتبر ملفاً سيادياً ويمس أمن الناس وحياتهم مباشرة".

يحمل علوية الدولة ومجلس الإنماء والإعمار مسؤولية التلوث الناتج عن الصرف الصحي. كون هذا الملف يقع من ضمن صلاحيات وزارة الطاقة، المجلس، مؤسسات المياه، وبعض البلديات واتحاداتها.

خسائر لا تُحصى
أما "مصلحة الليطاني"، كما يقول، فلا يمكنها أن توقف تلوث دولة، يقف المجتمع الدولي كله عاجزاً أمام فسادها.

ويشير علوية إلى ما بذلته المصلحة من جهود للتخفيف من تلوث البحيرة، وخصوصاً عبر حملتها لرفع الصرف الصناعي عنها. فنجحت بنسبة 70 بالمئة كما يقول، كما أنها أزالت التعديات العقارية عن الحوض الأدنى لليطاني بنسبة 80 بالمئة، وحررت أكثر من مليوني متر مربع من الأراضي والأملاك النهرية بالحوض الأعلى، إلى تنظيف المجاري من النفايات الصلبة بنسبة 20 بالمئة، مع أن المهمة الأخيرة هي من مسؤوليات البلديات.

أما من ناحية الصرف الصحي، فتعتبر مصلحة الليطاني متضررة مثلها مثل كل اللبنانيين الذين حرموا الاستفادة من مياه البحيرة كما يجب.

ولعل الضرر المباشر لهذا التلوث هو في خسارة 300 مليون متر مكعب من المياه الصالحة للري، إلى ملاحقة الأمراض السرطانية للمستخدمين في المصلحة ولمعظم جيران نهر الليطاني والبحيرة، وخسائر بمئات آلاف الدولارات سنوياً، بسبب تضرر منشآت الطاقة الكهرمائية نتيجة للنوعية السيئة للمياه، إلى خسارة مئات آلاف الأطنان من الأسماك والثروة السمكية في بحيرة القرعون. يضاف إليها تلوث التربة بدءاً من الحوض الأعلى لليطاني وحتى محيط منطقة القرعون. وإذا كان أبرز ركنين للأمن الغذائي يقومان على التربة والمياه الصالحين، يتساءل علوية عن أي أمن غذائي يحق للمسؤولين أن يتحدثوا بعد كل ما ذكر..

الطحالب وروائحها الكريهة كانت سبباً أيضاً في انتفاضة للأهالي المحيطين بالبحيرة منذ سنوات، أغلقوا بنتيجتها القناة 900 التي كانت تجر مياه القرعون لتروي أراضيهم وبساتينهم، غير سامحين بإعادة فتح القناة التي كبدت الخزينة ملايين الدولارات، طالما أن التلوث مستمر.

وهذه الطحالب وروائحها أيضاً تتسبب بخسارة كبيرة في الاستثمار السياحي للبحيرة التي صممت أساساً كبحيرة سياحية، نظراً لمساحتها الواسعة والتي توازي ثلثي مساحة مدينة بيروت.

في المقابل يبدو الحديث عن الحلول وكأنه دوران في حلقة مفرغة. وهي لا تحيد عن التذكير بتطبيق القانون 63 وما يتضمنه من خريطة طريق واضحة، لجهة تنفيذ مشاريع محطات الصرف الصحي، والتي يفترض إنتهاؤها سنة 2023.

سياسيون لا يشبعون
إلا أن القصة ليست بهذه السهولة بالنسبة لطبقة سياسية اعتادت الصفقات في معظم مشاريعها. والقرار القضائي الصادر مؤخراً لوقف تنفيذ محطة تكرير إيعات كواحدة من أبرز مشاريع رفع التلوث عن الليطاني يشكل خير دليل على ذلك.

يكشف هذا القرار القضائي، حسب علوية، أن دراسة الأثر البيئي التي قام بتنفيذها مجلس الإنماء والإعمار لمشروع المحطة غير صحيحة، وإلا لما كانت وزارة الصحة أعطت تقريرها الذي استند إليه قاضي الأمور المستعجلة لوقف الأشغال.

ورغم أسفه لوقف المشروع بعد سنوات من انتظاره، يعتبر علوية أن هذا يجب أن يشكل حافزاً للانتقال من ذهنية الملتزم والتنفيعات إلى ذهنية التنمية المستدامة. فيتوقف تفصيل محطات التكرير على حجم المصالح الانتخابية والسياسية وضغوطهما.

"المطلوب أن يشبعوا" ويقدموا مصلحة الناس على الحسابات المصرفية. وما ينطبق على الحوض الأعلى لليطاني يسري أيضاً على الحوض الأدنى. ومن هنا يحذر علوية "أننا لن نسمح بنقل تجربة البقاع إلى الجنوب، ولن نقبل بشبكات صرف صحي أو محطات تصب بالحوض الأدنى لليطاني، وسنكون بالمرصاد لوزارة الطاقة ولمجلس الجنوب إذا ما حاولوا تمرير أي مشروع من هذا النوع".


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها