آخر تحديث:12:24(بيروت)
الخميس 19/11/2020
share

التلامذة السوريون مشرّدون والمدارس لا تسجّلهم

لوسي بارسخيان | الخميس 19/11/2020
شارك المقال :
التلامذة السوريون مشرّدون والمدارس لا تسجّلهم إذا كان التعليم عن بعد صعباً على التلميذ اللبناني فهو شبه مستحيل على التلامذة السوريين (لوسي بارسخيان)
يجلس رهجات -وهو مواطن سوري ينزل في مخيم للنازحين بمنطقة البقاع- في عيادة طبيب، منتظراً معاينة ابنته المريضة البالغة 18 عاماً. لا يغيب عن بال رهجات مصير أولاده الثلاثة الباقين: تشردهم في الطرق بلا مدرسة ولا تعليم.

وحال أولاد رهجات كحال عشرات ألوف الأطفال السوريين، الذين ينتظرون منذ شهر أيلول فتح باب التسجيل للدوامات المسائية في المدارس الرسمية، التي شهدت موجة نزوح واسعة إليها من المدارس الخاصة، بسبب الضائقة الاقتصادية والمعيشية.

مدارس فارغة ملأها السوريون
بدأ دوام التدريس المسائي للنازحين السوريين الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و17 سنة منذ العام 2015 في لبنان، وجهزت له 147 مدرسة في المناطق اللبنانية.

واختيرت هذه المدارس من بين 900 مدرسة، وباشرت باستقبال التلامذة السوريين حتى في دواماتها الصباحية. ونفخ هؤلاء الروح في أبنية مدرسية كادت تخلو كلياً من التلامذة اللبنانيين.

وسنوياً يزداد عدد التلامذة السوريين. وتقدر بعض الدراسات أنهم يبلغون ثلث اللبنانيين. وارتفع عدد المدارس التي تستقبل التلامذة غير اللبنانيين في دواماتها المسائية إلى 345 مدرسة، 89 منها في منطقة البقاع وبعلبك الهرمل.  

وصدر عن وزارة التربية قرار قضى ببدء أعمال التسجيل وانطلاق العام الدراسي 2020 -2021 في المدارس والثانويات الرسمية، شاملا التلامذة غير اللبنانيين في دواماتهم المسائية. ومددت وزارة التربية مهلة التسجيل حتى 2 تشرين الثاني. ثم مددت مهلة تسجيل التلامذة غير اللبنانيين للفترات المسائية، حتى 28 تشرين الثاني الجاري.

وأقفلها الإغلاق الشامل
لكن رهجات لم يتمكن من تسجيل أي من أولاده في مدرسة رسمية. وحين سمع أن مدرسة أولاده التي امتنعت عن تطبيق قرارات وزارة التربية سابقاً، باشرت بقبول السوريين، أسرع اليها قبل أن "تغلق كورونا البلاد". لكن إدرة المدرسة اكتفت بتسجيل رقم هاتفه، ووعدته بأن تتصل به لاحقاً. كان ذلك قبل دخول لبنان في مرحلة الإغلاق الكلي، فضيّع على السوريين فرصة تسجيل أولادهم في المهلة المحددة حتى 28 تشرين الثاني الجاري.

تجربة رهجات أحبطت جاره، وهو والد أطفال أربعة في مرحلة التدريس الأساسية. وهو يقول إن أكثر من مئتي طفل في المخيم الذي يقيم فيه مشردون حالياً في الطرق، في انتظار وضوح اوضاع المدارس الرسمية التي كانوا من تلامذتها، وتبدو مرتبكة في استئناف دواماتها المسائية.

هكذا تصطدم إمكانات التعليم الرسمي الضعيفة أصلاً، باضطراب استئناف العام الدراسي، بسبب الظروف الصحية الاستثنائية. وتتضاعف المشكلة في استقبال المدارس أولاد النازحين السوريين، ويبدو التخبط سيد الموقف في إدارات المدارس وفي الجهات المانحة.

غياب الجهات المانحة
ويذكر النازحون بحسرة وحنين حيوية مندوبي الجهات المانحة، ولجانها في السنوات السابقة، عندما كانوا "ينغلون" في المخيمات ليرشدوهم إلى أقرب المدارس لتجمعاتهم. بل كانوا يصرون على إلحاق كل طفل بالمدرسة، مهما كانت الظروف.

حالياً، لا مرجعية في المخيمات تمدهم، ولو بمعلومة صحيحة عن الوضع الحقيقي للعام الدراسي. فقرارات وزارة التربية كلام في كلام لا تلتزم به المدارس المعنية. ويلخص مصدر مسؤول سبب هذا الارتباك، بقناعة إدارات المدارس والجهات المانحة بعدم إمكان مساواة التلامذة السوريين بزملائهم اللبنانيين في أنظمة التعليم المدمج. فإذا كان هذا التعليم عن بعد صعباً على تلميذ المدرسة الرسمية اللبناني، فأن فرصه معدومة كلياً لأبناء النازحين السوريين، الذين لا يملك بعضهم جهاز هاتف يمكن أن يتلقى بواسطته الدروس.

كورونا استبعدت السوريين
وتقول المصادر إن  فرصة التعليم الوحيدة المتاحة للتلامذة السوريين هي من خلال النظام الحضوري. وهذا يصطدم بأكثر من عائق. ففي ظل الأزمة الاقتصادية الحادة وتزامنها مع هجرة مدرسية كبيرة من المدارس الخاصة نحو الرسمية، وضعت معظم إدارات المدارس مقاعدها على قائمة لائحة الإنتظار، مانحة الأولوية للتلامذة اللبنانيين في دواماتها الصباحية، مع الحرص على عدم اكتظاظ صفوفهم تطبيقاً لمعايير التباعد الاجتماعي.

لذا خسر عدد كبير من تلاميذ الدوام الصباحي السوريين مقاعدهم. ثم اصطدموا بعدم فتح باب التسجيل عملياً للدوام المسائي، نتيجة لحركة اعتراضية  نفذها الأساتذة المتعاقدون لهذه الدوامات، مطالبين بدفع أجورهم بالدولار، أو أقله رفع قيمتها إلى سعر الصرف الحالي المحدد مصرفياً بـ3900 ليرة. وهم تذرعوا بأن إدارات المدارس التي فتحت صفوفها للنازحين تتقاضى مخصصاتها بالعملة الأجنبية.

لكن هذا الطلب رفض كلياً، وفقاً لمصادر تربوية، لاستحالة الدفع بالعملة الأجنبية في إدارات القطاع الرسمي. وهكذا تراجع الأساتذة عن مطلبهم وفضلوا الاحتفاظ بمداخيلهم المتدنية على خسارتها نهائياً.

ونجم عن هذا الوضع ارتباك في إدارات المدارس التي كانت منهكة بالتحضير لعام دراسي استثنائي تطلب جهداً مضاعفاً. ومع بدء علمية تسجيل التلاميذ السوريين مجدداً، بدأت المؤشرات تدل على توجه للإغلاق العام، فتأجل تسجيلهم إلى ما بعد انتهاء الإغلاق.

اليونيسف وخياراتها
ووفقا لمصادر تربوية ستكون الفرصة متاحة مجدداً لعودة التلاميذ السوريين إلى مقاعدهم، فور انتهاء مرحلة الإغلاق وجلاء الصورة الصحية. لكن تعليم السوريين سيكون حضورياً، مع مراعاة شروط النظافة والتباعد، تناسباً مع أعداد التلامذة الذين يمكن لكل مدرسة أن تستوعبهم.  

وعما إذا كان يمكن لإدارات المدارس رفض استقبال السوريين بحجة الظروف الصحية، يؤكد المصدر أن منظمة اليونيسيف هي التي تقوم باختيار المدارس التي ستتعاون معها لتعليم النازحين. وهي ترتكز على اختيار مدارس قريبة من أماكن الكثافة السكانية للنازحين. وبالتالي لا يحق لأي مدرسة استقبلت التلامذة النازحين سابقاً أن ترفض استقبالهم هذا العام.

لكن عدم الوضوح الذي يشوب علاقة أولياء التلاميذة السوريين بإدارات المدارس، وغياب المعلومات حول رصد الميزانيات من الجهات الدولية لدعم المدارس التي تستضيف النازحين، يشكك النازحون بالنوايا المعلنة حول توفير الدراسة لأولادهم، ما لم تقترن بخطوات عملية، تذلل ذرائع تأخير تسجيل أولادهم في المدارس حتى الآن. 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها