آخر تحديث:16:18(بيروت)
الأحد 15/11/2020
share

تجارة العقارات خيانةٌ للنّسب في الضاحية.. والزراعة للسخرية بالجنوب

محمد أبي سمرا | الأحد 15/11/2020
شارك المقال :
تجارة العقارات خيانةٌ للنّسب في الضاحية.. والزراعة للسخرية بالجنوب زامنت هجرات الجنوبيين إلى ساحل المتن الجنوبي ذواء الحياة الزراعية ونهضة الزمن العقاري (المدن)
ولد المدرّس أحمد كزما سنة 1935، إبنًا لعائلة شيعيّة من عائلات السكان "الأصليين" في الشياح عندما كانت بعدُ قرية ساحلية. وفي العام 2005 روى سيرته العائلية في إطار شهادة عن المجتمع الشيعي الريفي أو الزراعي، وزمنه البلدي البطيء، الاكتفائي الأليف، في قرى ساحل المتن الجنوبي، قبل تسارع ذلك الزمن إلى الاندثار أمام هجوم "عمران الهجرات الجماهيري" الفوضوي على تلك القرى، فصارت أحياء الضاحية الجنوبية لمدينة بيروت.

لكن الراوي - بعدما أمضى أكثر من أربعة عقود من عمره مدرّساً ومدير مدرسة في الشياح والغبيري (1953 - 1994) - يبادر إلى تعريف نفسه شغوفًا بأنّه مزارع وابن مزارع وحفيد مزارع.

أصليون وغرباء
وروى كزما أن سعر المتر المربع الواحد من الأرض في الشياح مطالع خمسينات القرن العشرين، كان يراوح ما بين 3 و5 ليرات لبنانية. وارتفع سعره تدريجًا حتى بلغ مئة ليرة، ثم مئتين في منتصف السبعينات. ووصل إلى ألف دولار في نهايات الثمانينات، حينما كان الراوي يقيم مع أسرته مهجّرين في بلدة جنوبية "غرباء" عنها، وساقهم إليها من بيتهم وديارهم في الشياح، هروبهم من أخطار الحرب الدائرة بين ميشال عون وجيشه اللبناني والجيش السوري في بيروت وضواحيها.

ولم يقل الراوي إنهم كانوا غرباء عن تلك البلدة. لكن سكان الشياح "الأصليين" - وسواها من ما كان قرى وبلدات ساحل المتن الجنوبي، وصار أحياء ضاحية بيروت الجنوبية - انقطعت وامّحت تمامًا كل صلة لهم بموطن سابق على توطُّنِهم في قراهم الساحلية. وهذا مصدر تسميتهم سكانًا أصليين، معناها والباعث عليها. ولذلك لم يجدوا ملجأً يلوذون به في جولات الحرب، سوى الرحيل من ديارهم إلى ديارٍ "غريبة"، لا صلة لهم بها، أو انقطعت بها صلتهم. وليس لهم فيها جذور أهلية، نسبيّة وقرابية، أو يبُست تلك الجذور إذا كانت حيّة في زمن مضى. وحالهم هذه على خلاف حال الجنوبيين الوافدين حديثًا من بلداتهم وقراهم والمقيمين في الضواحي. فهؤلاء ظلت صلاتهم وشبكات علاقاتهم، القرابية والنسبيّة والبلدية حية وقوية بمنابتهم وبلداتهم وقراهم التي كانوا قد غادروها، واستأنفوها في سكنهم وإقامتهم في أحياء الضاحية الجنوبية.

لذا استقبل صديق جنوبي للراوي - مدرِّس مثله ومقيم في الشياح التي هُجِّر منها عائدًا إلى بلدته الجنوبية وبيته وأهله فيها، هاربًا مثل الراوي من الحرب - استقبله مع عائلته هناك، واستضافهم وأسكنهم في منزل قريب له مهاجر في الخليج. وهذا يشير إلى أن أواصر "صناعية" - متينة في هذه الحالة - نشأت في الضواحي، وركيزتها علاقات العمل والمهنة، وليس القرابة والنسب والانتماء البلدي المشترك.

أرض العقارات و"خيانة" النسب
والمهاجر الذي أثرى في مهجره الخليجي، وعاد إلى قريته زائرًا، رغب في  شراء قطعة أرض في الشياح، ليشيِّد عليها بناية يستثمر شققها في تجارة البناء الجاهز الرائجة غالبًا ومديدًا لاستثمار أموال الهجرة. فالمهاجرون الشيعة غالبًا ما لم يجدوا ولا ابتكروا سبيلًا للعوائد المالية التي حصّلوها وادّخروها في مهاجرهم، سوى استسهال استثمارها في هبّات تجارة العقارات والبناء الجاهز في بيروت وأحياء ضواحيها، وفي تشييد بيوت وفيلات في بلداتهم وقراهم الجنوبية.

لكن الراوي عزف عن بيع قطعة أرض ورثها عن والده للمهاجر، الذي لم يشأ أن يدفع أكثر من 850 دولارًا في المتر المربع. ولكنه، بعد انخفاض سعر المتر المربع إلى 700 دولار في العام 2005، أسف الراوي نفسه من عدم إقدامه على بيع قطعة أرضه في نهايات الثمانينات. وهو فاته أن يذكر ما الذي منعه عن بيعها، فوق تدني المبلغ المعروض عليه ثمنًا لها: قوة تعلّقه العاطفي أو الوجداني بها، وشعوره في حال تخليه عنها بما يشبه "خيانه" رمزية للنسب وإرث الأهل والأجداد، اللذين تمثلهما الأرض.

زراعة ترفيهية وزمن عقاري
وكان الراوي في "مهجره" الجنوبي الموقت في حروب نهاية الثمانينات، قد حوّل قطعة أرض صغيرة بائرة تحوط منزل المهاجر الذي أقام فيه مع أسرته مهجّرين من الشياح، حديقةً زاهرة بأنواع الخضر. وهو أقدم على ذلك عن مزيج من رغبة ومشاعر متدافعة ومتشابكة: هوايةٌ وغواية مستجدتين مدارهما استعادة علاقته الأليفة والحميمة الثاوية بالطبيعة، وحاجته إلى تسلية وتصريف الوقت الميت في جهد عضلي. وقد يكون لابس هذا كله حنينٌ إلى فتوته وشبابه الغاربين، وإلى زمن الشياح الزراعي القديم الغارب، ورغبةٌ في استعادة خبراتِه الزراعية الهاجعة أو المنسية. والزراعة الجنائنية التي أقدم عليها، يشوبها شيء من الترف والمتعة الترفيهة، بعدما كانت مشوبةً بالتعب وشظف العيش والهجس بقلة عائدها المادي في زمن الشياح الزراعي الراحل.

وفي قطعة الأرض الصغيرة حول منزل المهاجر، زرع الراوي أصنافًا من الخضر، واعتنى وتعلّق بها عن مزاج وهوىً ومتعة شخصية "فنية" في استنباتها ورعايتها ومشاهدتها تنمو في حديقة البيت، قبل قطافها وتناولها طازجة في الأكلات البيتية.

ربما لم يكن هذا رائجًا إلا قليلاً ويُحتضر في عادات أهل البلدة الجنوبية وسواها من أمثالها في الجنوب آنذاك. فأموال مهاجريها، وعدم امتلاك أجيال جديدة من أهلها بيوتًا وأرضًا فيها، بعدما أنجبوا وتكاثروا وأقاموا في بيروت وضواحيها، وأرغمتهم جولات الحرب منذ العام 1975 على عودات إليها وأقامة طويلة متقطعة أو دائمة فيها، والقطيعة شبه الكاملة مع الحياة الزراعية التقليدية أو البدائية السابقة في قرى جبل عامل الشيعي؛ هذه العوامل كلها حوّلت الأملاك كلها تقريبًا هناك، الزراعية البائرة والمشاعات، أملاكًا عقارية للبناء. ولما عاد الجنوبيون من بيروت وضواحيها إلى بلداتهم في جولات الحرب، هبوا للاستيلاء على المشاعات البلدية فيها، مستقوين بأحزابهم الأهلية والحربية في منازعاتهم واقتتالهم على اقتسامها. وهذا ليس لزراعتها طبعًا، بل طمعًا بعائدها العقاري.

وإذا كانت هجرات الجنوبيين إلى ساحل المتن الجنوبي قد زامنت ذواء الحياة الزراعية ونهضة الزمن العقاري وعمران الضواحي الجماهيرية الفوضوي فيه بدءًا من العام 1950، فإن زمنًا عقاريًا اجتاح بلدات الجنوب وقراه، وكانت أموال الهجرة ودبيب الحرب منذ العام  1975 من بواعثه الأساسية.

وهو هبوب ذلك الزمن على البلدة التي أقام فيها الراوي مهجّرًا من الشياح، واستنبت أرضًا بائرة حول المنزل الذي الذي سكن فيه، فجعلها حديقة للخضر البيتية، ما حمل أهالي تلك البلدة على القول له إن الأستاذ يحنّ إلى الزراعة، مضمنين قولهم هذا شيئًا من استهجان تشوبه السخرية.

أما هو فكان مسرورًا فرحًا بهوايته الزراعية. فلم تثبط سخريتهم عزيمته ولا قللت من متعته، فيما هو يزرع الباذنجان والملفوف والقرنبيط، مستعيدًا خبرته القديمة. والبطاطا التي زرعها أثمر الجبّ الواحد منها أربعة رؤوس أو خمسة من النوع الممتاز. وبلغت زنة كل ثمرة ملفوف وقرنبيط أينعت في الحديقة حوالى 12 كيلوغرامًا. ولما استهجن أهل البلدة ما رأوه وأدهشهم، قال بعضهم للأستاذ مازجًا دهشته بشيء من التشاوف والإنكار: "شو جاي تعلّمنا الزراعة أستاذ؟!".

وكانت الأرض التي زرعها الأستاذ بكرًا، فنكشها جيدًا وقلب تربتها، واستعمل زبل الماعز في تسميد مزروعاتها، ثم قام بـ"تعشيب" الأثلام المزروعة: اقتلاع الأعشاب من بين شتولها، ليزداد نماؤها، متذكرًا حكمة جده القديمة التي كان منذ طفولته الزراعية في الشياح، يسمعه يرددها: "إذا المزارع ما حط التسعة، لا يربح العشرة".


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها