آخر تحديث:16:31(بيروت)
الأربعاء 07/10/2020
share

سيرة امرأة من عشائر الهرمل: الحرب والمخابرات السورية

حسن الساحلي | الأربعاء 07/10/2020
شارك المقال :
سيرة امرأة من عشائر الهرمل: الحرب والمخابرات السورية تعلمت إطلاق النار خلال دورتين قتاليتين، واحدة مع حزب البعث وأخرى مع فتح (Getty)

هذه الشهادة لامرأة من عشائر الهرمل، ينقسم السرد فيها إلى قسمين، الأول يخبر بعضاً من سيرتها بين الهرمل وبيروت، والقسم الثاني يجيب عن سؤال حول علاقتها بالعنف، عبر سرد مجموعة أحداث عايشتها، يربط بينها تأثيرها الحاسم في نظرتها إلى العالم، وتحفيزها لمخاوف من أن يطالها العنف والقتل، هي أو أحد أحبائها. ولدت المرأة في منتصف القرن الماضي، وهي حقبة بدأ فيها نزوح عشائر الهرمل أولاً من السفح الشرقي للسلسلة الغربية، إلى أحياء الهرمل الطرفية، التي تكونت فيها أحياء جديدة يغلب عليها المكوّن العشائري. وثانياً من الهرمل إلى ضاحية بيروت الجنوبية، التي قصدتها العشائر بحثا عن مستقبل مختلف لهم ولأولادهم. وصلت المرأة بيروت في فترة كانت المدينة تتحضر فيها لحرب طاحنة، ستبعثر أحلامها النسوية وطموحاتها السياسية، لتنتهي في النهاية ربّة منزل، كما كثير من نساء جيلها المناضلات، اللواتي لم يجدن مكاناً في العنف اليومي الذي ابتلع الجميع يومها. هنا الجزء الأخير.

عندما أنهيت برنامج التمريض في الاتحاد السوفييتي عرضوا عليّ منحة لإنهاء تخصصي لكني لم أوافق. كانت الحرب في لبنان قد دخلت شهرها الخامس، وأنا كلي حماسة للعودة والمشاركة. بعد أسابيع، بدأت العمل في مستشفى القدس الذي انتقل حديثاً من خطوط التماس بالقرب من غاليري سمعان،  إلى مخيم صبرا. كان المستشفى الوحيد الذي يوافق على استقبال جرحى الحرب، بالإضافة إلى مراكز الإسعافات الأولية التابعة للأحزاب.

عملت لـ12 ساعة يومياً في المستشفى، قبل أن أتطوع ليلاً في أحد مراكز الإسعافات التابعة لمجموعة تقاتل ضمن تحالف الحزب الشيوعي، منظمة العمل، والجبهة الديمقراطية. عرّفتني عليهم زميلة سابقة في المعهد. وجدت نفسي للمرة الأولى في حياتي مع أشخاص يشبهوني بالتفكير، من لبنانيين وفلسطينيين يؤمنون بأفكار ماركس ولينين. جزء كبير منهم كان قد ترك المدرسة والجامعة، من أجل المشاركة بالقتال.

يومها، حملت أدوات التمريض، وانتقلت بين الجبهات من دون أن آبه بالموت، كأن الإنسان المسكون بالخوف الذي كنته قبل سنوات، لم يعد موجوداً. 

حنين إلى الجذور
في أواخر عام 1975 تركت مستشفى القدس بسبب حادثة مزعجة حصلت مع أحد الأطباء المسؤولين. طلب مني أن أترك جريحاً بحالة حرجة لأساعده في مهمة أخرى، لأفاجأ حين فارق الجريح الحياة، بادعائه أمام الإدارة أني أنا من تركه من دون اهتمام. أوضحت لهم أن لا علاقة لي بالموضوع، ثم انهرت بالبكاء. بعد هذه الحادثة، قررت المغادرة. صرت أعمل فقط في مراكز الإسعافات الأولية التابعة للمجموعات اليسارية.

هناك، أصبح عملي مرتبطاً مباشرة بما يحدث في الجبهات من معارك. خلال تلك الفترة، كانت قد انقطعت كلياً علاقتي بحزب البعث، رغم استمرار إخوتي وبعض أفراد عشيرتي بالإنتماء له. مرة واحدة فقط عملت في مركز إسعافات أولية تابع للحزب، بسبب معاناتهم يومها من نقص في الفريق الطبي. كنا سبعة في مركزنا، حين أتت فتاة بعثية تسأل إن كان أحدنا قادراً على المناوبة معها، كي لا تبقى وحدها.

كان الاقتحام يفترض أن يبدأ عند الساعة الرابعة والنصف، لكن بسبب إرهاقي الكبير قررت أن أنام ساعة واحدة فقط قبل حصوله. كان المكان الوحيد المتاح للنوم، بالقرب من مقاتل وضع غطاءً صوفياً كبيراً على الأرض. لم أكن أعرف المقاتل. لكن بسبب إرهاقي الشديد لم أمانع النوم قربه. لم يحصل الاقتحام يومها، ولم يوقظني أحد. استيقظت في الساعة السادسة والنصف، لأجد أن المقاتل غادر ولفني بالغطاء كي لا أبرد. لا أعرف لماذا شعرت بالحزن الشديد يومها. هل لأني كنت وحيدة يومها؟ أم لأنه بعثي وذكرني بأبناء عشيرتي؟

لا مكان للنساء 
رافقني السلاح أينما ذهبت، إن كان خلال مناوبات التمريض، أو المهمات التي اضطررت خلالها للتنقل والتجول من أجل الوصول إلى أحد الجرحى. تعلمت إطلاق النار خلال دورتين قتاليتين قمت بهما قبل الحرب، واحدة مع حزب البعث وأخرى مع فتح.

محاولتي اليتيمة للقتال فعلياً، شكلت لي نوعاً من الصدمة وجعلتني أعيد التفكير بأمور كثيرة. ذهبت يومها مع صديقة تنتمي للجبهة الديمقراطية إلى مركز الأخير في عاليه. بعد طلبنا عدة مرات وإلحاحنا على المسؤول، سمح لنا  بالحراسة ليلاً. لكنه لم يتركنا وحدنا طبعاً، وبقي يتجول من وقت لآخر للإطمئنان علينا.

في اليوم التالي أراد أحد الشباب إيصال الطعام إلى مركز للحزب في إحدى قرى الجبل. قررت الذهاب معه بهدف التعرف على المواقع وكيفية سير الأمور. عند مرورنا على الحواجز، انتبهت كيف يحاول الشاب الإيحاء أن هناك شيئاً بيني وبينه. في اليوم التالي، أخبرني المسؤول الذي كان صديقاً أيضاً، أن كلاماً وصله عني، لكنه حاول تبرير وجودي مع الشاب بالقول إني من نوع الفتيات الثائرات والمتحمسات.

شعرت بالإهانة من دون شك، وفهمت أنه لا يوجد مكان لنا في هذه الحرب. كنت خلال سنوات النشاط السياسي، أرى نفسي شخصاً مؤثراً في المجتمع، يمتلك كياناً منفصلاً وقراراً، أما الآن فانقلبت الأمور وأصبحت مجرد فتاة هوى بعيون المجتمع. بعد هذه الزيارة، أيقنت أيضاً أني عاجزة عن البقاء وحدي في هذه الحرب من دون رجل.

خلال تواجدي في الاتحاد السوفييتي، كنت أتراسل باستمرار مع أستاذ مدرسة من البلدة، ترك حزب البعث قبلي بأعوام. وجدته جذاباً، لكن علاقتنا اقتصرت على الصداقة، رغم تلميحاته في الرسائل للذهاب أبعد من ذلك. بعد عودتي، التقينا عدة مرات، وصارحني بإعجابه. كانت حادثة عالية حاسمة في موافقتي على الارتباط، بعد أن كنت أقول سابقاً إنني لا أحتاج رجلاً في حياتي.

مع دخول الجيش السوري الى لبنان بدأت أحلامنا تتساقط تدريجياً. أول الهزائم، اغتيال كمال جنبلاط، الذي كان شخصية شبه مقدسة بالنسبة لي. أتذكر ذلك اليوم ككابوس مزعج: بيروت تحترق وسكانها يركضون في الشوارع، ويشعلون الدواليب احتجاجاً. تحول النهار إلى ليل بفعل دخان الدواليب الأسود. كنت أتنقل في مركز الإسعافات الأولية كالضائعة، ثم وجدت نفسي بعدها على الأرض، غير قادرة على النهوض. بقيت بعدها مريضةً لأيام، كأن تلك الرصاصة التي قتلته، أصابتني أنا أيضاً.

مرحلة جديدة.. والجيش السوري
تزوجت يومها من دون أي احتفال. كان أستاذ مدرسة من عائلات البلدة الأصلية، لعب دوراً محورياً في تعريف تلاميذ المدارس من أبناء العشائر والعائلات على الحزب. ترك البعث في بداية عام 1973، بسبب معارضته للتسليح وسياسة دفع الأموال التي بدأت تجذب فئات جديدة، غير مؤمنة بالمبادئ التي دخل الجيل الأول من أجلها (توحيد العرب، محاربة الرأسمالية، تثوير الإنتاج الزراعي والصناعي ...).

لكن مع ذلك بقي اسمه على رأس لوائح الملاحقين من النظام السوري في الهرمل، ما اضطره لمغادرة البلدة والبقاء في بيروت. اتفقنا أن لا ننجب أولاداً، لأن الراتب من الدولة كان متوقفاً بسبب الحرب، وليس لدينا القدرة على تأمين حاجياتنا. أعطانا أصدقاؤه شقة في بئر العبد، كانت لعراقي ترك بيروت بسبب الحرب. استطعنا تأمين النقود عبر عمله على تحقيقات صحافية مع جريدة محلية، كانت ترسله بشكل دوري لتغطية الأحداث في الجنوب.  

بعد زواجنا، قررت التوقف عن الدوام الليلي. كانت المعنويات تتضاءل تدريجياً مع توالي الهزائم، ولم أعد قادرة على تحمل رؤية هذا الكم من الشهداء، الذين يسقطون بسبب سوء التنظيم، وقلة التنسيق بين الفصائل المتقاتلة. بقيت أعمل خلال النهار في مستوصف الجبهة الديمقراطية. وهي الوظيفة التي خلصتني من ملاحقة النظام السوري بسبب علاقة الجبهة الجيدة بالنظام، ما أعطاني الأمان الذي كانت تفتقده عائلتي. 

حين دخل السوريون لبنان، كان يعمل إثنان من إخوتي في جريدة تابعة للبعث. أصبحت الجريدة هدفاً للإقتحامات المتتالية، التي انتهت بإحراق الجريدة بالكامل على يد منظمة الصاعقة. يومها هرب أخي من النار إلى الخارج، أما أخي الثاني فلم يكن قد وصل بعد إلى الدوام. اختنق أربعة من الموظفين بسبب اختبائهم في "التتخيتة" (العلّية). المحزن، أن هناك ثغرة تمكن الموظفين من الهرب إلى مركز الحزب القومي المجاور للجريدة، لكن الاخير رفض فتحها مع أنه فعل ذلك في مرات سابقة.

لم تكن الحادثة الوحيدة التي هددت حياة إخوتي. في احدى المرات اعتقل أخي من قبل الجيش السوري واستطعت تخليصه بسرعة بمساعدة مسؤول في الجبهة الديمقراطية. لو لم أتحرك بسرعة، لكان مصيره الموت في سجون النظام كما حصل مع عشرات من أصدقائه. مرة أخرى، قامت حركة أمل باقتحام أحد المستوصفات التابعة للحزب، التي كان داخلها أخي وأختي. استمر أخي بالمقاومة وحده لوقت طويل، قبل أن يتمكن من الدخول إلى أحد البيوت المجاورة والهروب مرتدياً ثياب امرأة.

بعد هذه الحادثة، أيقنّا أن لا مكان لنا في بيروت. لذلك اضطررنا للمغادرة. أحد إخوتي انتقل للعيش في إحدى قرى الجنوب، أما أخي الثاني فقد انتقل إلى العراق بشكل مؤقت، قبل أن يُقتل بعد تطوعه في الجيش العراقي، عند اندلاع الحرب العراقية الإيرانية.

عايشت موت عشرات الأصدقاء الفلسطينيين واللبنانيين، إن كان بالقصف السوري الذي استهدف المخيمات الفلسطينية، أو بالاقتحامات والإعتقالات التي استهدفت جميع المنتمين لليسار. قبل سنوات كنا نطمئن الفلسطينيين أن ما حصل معهم في الأردن لن يتكرر في لبنان، لنفاجأ في النهاية بحصول ما هو أسوأ بكثير، معنا ومعهم.

عودة إلى الصفر
في الهرمل لم يكن الوضع أفضل. قام الجيش السوري بحملة اعتقالات طالت عدداً ضخماً من أبناء عشيرتي، الذين وُضعوا جميعاً في مغارة كبيرة، تعرضوا فيها للتعذيب والتنكيل. أما زوجي فقد تجنب الاعتقال في البداية، بعد وساطة قام بها أحد أقاربه لإعادته إلى الهرمل. لكن في الثمانينات سيعود إلى دائرة الاتهام بعد أن قام أحدهم بكتابة تقرير للمخابرات، يتهمه بمعارضة الوجود السوري في لبنان، ما تسبب بسجنه ثلاثة أسابيع في عنجر.

بعد عودتي إلى الهرمل، بدأت مرحلة جديدة من حياتي، محورها الأولاد والبيت. تخليت عن جميع أحلامي القديمة، وعدت في نظر الناس إبنة عشيرة، خصوصاً عائلة زوجي، التي تُعتبر من عائلات الهرمل المسالمة. استمروا بتذكيري بأصولي، رافضين إخراجي من الصورة النمطية التي كنت أحاول جاهدة الخروج منها. لا أتحدث هنا فقط عن ربطي بعادات العنف والهمجية، بل أيضاً عن النظرة السلبية عند أبناء الهرمل إلى المرأة العشائريةـ التي رأوها أكثر تحرراً اجتماعياً وجنسياً. وهي نظرة ليست صحيحة سوى بشكل جزئي، ربما بسبب الجغرافيا الجبلية ونمط الحياة اللذين يعطيان حرية أكبر في الحركة، ما يساعد المرأة في الالتفاف على السلطة الذكورية.

في الفترة نفسها، اندلعت معارك بين عشيرتنا وعشيرة أخرى من الهرمل، قيل إن المخابرات السورية وقفت وراءها لكسر شوكة عشيرتنا في المنطقة. كنت قد اعتدت الحرب والقصف لسنوات في بيروت، لكن هذه المرة انهارت أعصابي مع الرصاصة الأولى. صرت خائفة حتى من المرور قرب الشباك. وعاد الخوف والقلق ليحتل حيزاً كبيراً من تفكيري. تخيلت أنه في أي لحظة يمكن أن يُقتل زوجي أو أحد إخوتي، ولم أرتح سوى عند مغادرتنا الهرمل إلى بلدة مجاورة ريثما تهدأ الأوضاع.

في بداية الثمانينات فتحنا صيدلية بالشراكة مع أخي وأصدقاء زوجي، وبقيت أعمل داخلها حتى بداية التسعينات. خلال هذه الفترة، لم أعد الإنسانة نفسها التي كنتها سابقاً. ازدادت المشاكل بيني وبين زوجي، ووصلت أحياناً حد الضرب. لكن لم أحرك ساكناً، لأني لم أكن راغبة بترك الأولاد، ولم أكن قادرة على إيجاد وظيفة. كانت الأحزاب قد وضعت فيتو على اسمي بسبب علاقة زوجي السيئة بحركة أمل. اصطدمت بالواقع نفسه حين حاولت العمل في مستشفيات الهرمل، بعد تخلينا عن حصتنا في الصيدلية. 

عندما كبر أولادي وتركوني وحدي في الهرمل مع زوجي، تحسنت علاقتي به. اهتم بي كثيراً حين أصبت باكتئاب حاد، أدخلني المستشفى عدة مرات. لذلك عندما تعطلت كليته، قررت التبرع له بكليتي. مع تقدمنا بالعمر، لم يعد لنا سوى بعضنا البعض. أحيانا يساعدنا الأولاد، ونذهب لقضاء أسابيع معهم في بيروت، قبل أن نعود إلى البلدة لأننا لم نعد نحب تركها كثيراً (انتهى).


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها