آخر تحديث:00:01(بيروت)
الجمعة 30/10/2020
share

المستشفيات الخاصة والسياسات الحكومية أخطر من كورونا

وليد حسين | الجمعة 30/10/2020
شارك المقال :
المستشفيات الخاصة والسياسات الحكومية أخطر من كورونا الجهد الحكومي ينصب على سياسة الإقفال إرضاءً للمستشفيات الخاصة (علي علّوش)
روت لي صديقة أن أختها الشابة أصيبت مؤخراً بكورونا. ورغم اجتياز الصديقة تجربة إصابتها بسلام، لم تستطع أن تبدد خوف أختها من الفيروس. فحال الرعب التي أصابت أختها جعلتها تضطرب وتشعر بضيق تنفس شديد. لذا ظنت الصديقة أن أعراض أختها خطرة، فاتصلت تباعاً بمستشفيات أربع جامعية كبيرة في بيروت، فرفضت واحدة تلو أخرى استقبال أختها بذريعة عدم وجود أسرة شاغرة. فاضطرت إلى نقلتها إلى طوارئ مستشفى الحريري الحكومي. وبعد معاينتها تبين أن أعراضها طفيفة جداً، وأدى رعبها إلى اضطرابها عصبياً ومعوياً أشعراها بضيق التنفس الحاد.

وسمعت من أكثر من صديق عن حالات مشابهة. وراح بعضهم يجول على مستشفيات العاصمة لإدخال والده أو أمه بلا جدوى. فالمستشفيات الخاصة، كما بات معلوماً، تتصارع مع وزارة الصحة حول مستحقاتها، وارتفاع سعر صرف الدولار، يدفعها إلى تفضيل الزبائن الذين يدفعون نقداً للاستشفاء من كورونا.

تهويل مزدوج
بداية لا بد من الإشارة إلى أن لبنان الرسمي لا يتعامل مع كورونا انطلاقاً من خطورته أو عدمها. فالمسؤولون يهولون من مخاطره لأهداف سياسية تتعلق بانكشاف النظام الصحي، القائم في لبنان على الاستشفاء الخاص الذي يرفض المساهمة بدور أساسي في مواجهة الوباء، تبعاً لقدراته العالية، مقارنة بالمستشفيات الحكومية الضعيفة. والعكس هو ما يحصل حالياً.

يلجأ المسؤولون إلى التهويل بالأعداد، بينما يحتاج التعامل مع الأوبئة ومعرفة مدى خطورتها إلى حساب النسب لا العدد. وعندما يتعلق الأمر بعدد أسرة العناية الفائقة، يبرزون نسبة إشغالها المرتفعة، وليس أعدادها. وعندما يتعلق الأمر بانتشار الوباء يلجأون إلى أعداد المصابين المرتفعة لا إلى النسب، وكيفية توزعها. أي بالمحصلة تهويل في كلا الحالتين.

وبمعزل عن أن الخبراء يعتبرون كورونا من الفيروسات الأقل خطورة بين فيروسات الأنفلونزا، ومخاطره تقتصر على سرعة انتشاره، وأعراضه الخطيرة على المسنين وذوي الأمراض المزمنة، فإن التهويل والارتباك الحاصلين حالياً مردهما إلى غياب مقاربة واستراتيجية صحية لكيفية مواجهة الأوبئة.  

كورونا السياسية
بل أكثر من ذلك، يمكن القول إن مقاربة كورونا الحكومية سياسية أكثر منها صحية. وذلك تماشياً مع ما اعتاد عليه اللبنانيون: دفع أعلى الفواتير الصحية، لقاء أدنى الخدمات الطبية، واللجوء إلى الاستشفاء الخاص بسبب تردي الاستشفاء العام.

بمعنى آخر، تجاري المقاربة الحكومية رغبة القطاع الاستشفائي الخاص وحاجاته، لأنه لا يساهم إلا بجزء بسيط في تحمل أعباء كورونا، مخصصاً لمصابيها عدداً شديد الضآلة من أسرته، حفاظاً منه على سمعته التي يجب أن تبقى خالية من الوباء، ولا يخسر زبائنه المعتادين.  

ينصب اهتمام المسؤولين على تداعيات كورونا على النظام الاستشفائي الحكومي، فيما يعتمد اللبنانيون صحياً على المستشفيات الخاصة منذ عشرات السنين. وقد جرى التهويل لبنانياً بالوصول إلى النموذج الإيطالي أو الإسباني، من دون مراجعة المعطيات العلمية المتوفرة. وذلك لغض النظر عن المشكلة الحقيقية: المستشفيات الحكومية وُضِعت وحدها - على الرغم من أنها منسية ومهملة وبائسة - في مقدمة مواجهة تحديات الوباء، بينما القطاع الخاص المتقدم والمجهز خصصت بعض مستشفياته بعض الأسرة، لاستقبال المصابين الذين يدفعون نقداً، في ظل تأخر الدولة عن دفع المستحقات.  

تبرئة القطاع الخاص
الوباء خطر لناحية سرعة انتشاره وتشكيله مخاطر على المسنين والذين يعانون من أمراض مزمنة. لكن الأرقام التي توزع عن انتشار الوباء - سواء لناحية نسب الوفيات أو نسب المصابين بأعراض بالغة، أو لناحية عدد الذين يدخلون المستشفيات ويحتاجون للعناية المركزة - تفتقد لأية مؤشرات خطرة. فرغم ارتفاع عدد الإصابات اليومية، وهذا أمر طبيعي لهذا النوع من الأوبئة، فعدد المرضى في العناية الفائقة ما زال أكثر من عادي، ويقتصر على نحو 240 مريضاً، ونسبتهم من مجمل الإصابات النشطة حالياً هي نحو 0.6 في المئة.

الوفيات بين كبار السن
أما عدد الوفيات فما زال نحو 600 منذ اندلاع الأزمة، ونسبتهم هي 0.8 في المئة، بينما المعدل العالمي هو 2.6. وتفيد الأرقام أن الوفيات تنحصر في فئات المسنين. فعدد الوفيات بين من تتجاوز أعمارهم الثمانين سنة، هي 179. تليهم الفئة العمرية بين السبعين والثمانين سنة، وعددهم 169. ثم من تتراوح أعمارهم بين ستين وسبعين سنة، وعددهم 124. ومجموع المتوفين من هذه الفئات العمرية هو 472 من أصل 600. وهذا علماً أن هذه الفئات العمرية هي الأقل تعرضاً للإصابة، ونسبتهم لا تتجاوز 17 في المئة.

في المقابل الفئات الشابة هي الأكثر عرضة للإصابة، ونسبة المصابين من الذين يتراوح أعمارهم بين عشرين وثلاثين عاماً هي الأعلى بين كل الفئات العمرية، وتصل إلى 27 في المئة. وهذه معطيات جيدة وتؤشر إلى أن لبنان ما زال بعيداً عن مخاطر كورونا الذي عاشتها دول أوروبية سابقاً، ولن يصل إلى هذا السيناريو بسبب توزع الأعمار في الهرم السكاني. 

نهجان في التعامل مع كورونا
وبعيداً من التخبط والتهويل الحاصلين، ثمة تضارب بين طرفين أو نهجين في تناول وباء كورونا وكيفية إدارته. البعض يعتبر أن مخطط الإقفال الجزئي يؤتي بنتائج، ويريد الاستمرار بفتح البلد وعدم المس بالنشاط الاقتصادي، خصوصاً في ظل الأزمة الاقتصادية. وهذا ما تطالب به الهيئات الاقتصادية ونقابات القطاعات السياحية. ويجد هذا الرأي مناصرين في الحكومة، مثل مستشارة الرئيس حسان دياب بيترا خوري، التي أكدت أن مؤشرات الإقفال الجزئي بدأت تظهر.

والبعض الآخر عينه على النظام الاستشفائي غير القادر على تحمل ارتفاع عدد الإصابات بسبب ضعف القدرة الاستيعابية للمستشفيات الحكومية. وبالتالي يفضل إقفال البلد، مثل وزير الصحة حمد حسن. والهدف هو الحد من عدد المصابين الذين تستدعي حالتهم الدخول إلى العناية الفائقة. وذلك في انتظار شفاء المصابين الحاليين الذين يتلقون العلاج في العناية الفائقة في المستشفيات الحكومية. وقد أكد حسن هذا الخيار مشيراً إلى أنه رفع لرئيس الحكومة حسان دياب التوصية العلمية لإقفال مناطق على نطاق أوسع، أي ضم محافظات بكاملها، إلى الخانة الحمراء، كي يكون الإقفال فعلياً.

بمعنى آخر الجهد الحكومي ينصب على إقفال البلد أو المحافظات، إرضاءً للمستشفيات الخاصة، بدلاً من الزام هذه المستشفيات القيام بدورها الطبيعي والمعتاد، طالما أنها الملاذ الوحيد لمعظم اللبنانيين منذ عشرات السنوات.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها