آخر تحديث:00:01(بيروت)
السبت 17/10/2020
share

17 تشرين: لنتذكر الذين فقأت السلطة عيونهم

إيمان العبد | السبت 17/10/2020
شارك المقال :
17 تشرين: لنتذكر الذين فقأت السلطة عيونهم عنف مفرط وممنهج صوبته القوى الأمنية ولا تزال على عيون المتظاهرين لتطفئها (المدن)
بدل الدموع دم. هكذا بكى عدد كبير من المتظاهرين الذي أصيبوا في عيونهم برصاص مطاطي أو شظايا قنبلة مسيلة للدموع. فقنص العيون كان الحل الوحيد أمام السلطات لكبح غضب المتظاهرين منذ ثورة 17 تشرين حتى الاحتجاج الأخير في 8 آب المنصرم. عنف مفرط وممنهج صوبته القوى الأمنية ولا تزال على عيون المتظاهرين لتطفئها، مبررة ذلك بمقولة "تهديد الأمن والاستقرار".

عبد الرحمن جابر 18 كانون الثاني
"عينك أزيلت بالكامل". هذا ما قاله الطبيب لعبد الرحمن جابر. وهو أول المصابين بالرصاص المطاطي وأصغرهم سناً. فقد استقبل عامه الـ18 بعين واحدة. أصيب عبد الرحمن وعدد من الشبان الآخرين بالرصاص المطاطي في 18 كانون الثاني 2020. في هذا التاريخ كانت المواجهات محتدمة في بيروت بين القوى الأمنية والمتظاهرين وخصوصاً في محيط مجلس النواب وساحة النجمة.

اعتاد عبد الرحمن منذ 17 تشرين أن يشارك في التحركات في منطقة البقاع، وتحديداً بسعدنايل. ويوم إصابته كان اليوم الثاني له في بيروت فقط، حين نزل من البقاع من دون أن يخبر والدته للمشاركة في التظاهرات القائمة.

يقول عبد الرحمن: "أثناء المواجهات أضعت أصدقائي في الساحة بعد رمي القنابل المسيلة للدموع، وتوجهت بالخطأ نحوعناصر شرطة مكافحة الشغب. كانت تفصلني فقط مسافة 15 إلى 20 متراً عن أحد العناصر، ليرميني بالرصاص المطاطي في عيني.

"لم أندم يوماً على مشاركتي في التظاهرات، حتى لو خسرت عيني. فرغم إصابتي تابعت المشاركة في التظاهرات في البقاع ". ويضيف إبن الثمانية عشر عاماً لـ"المدن": "لا شيئ لدي لأخسره. فبسبب هذا النظام، لم استطع استكمال دراستي نظراً لظروفي المادية. وأصبحت بعيداً عن تحقيق حلمي بأن أصبح مهندس ميكانيك. مستقبلي كان ولا يزال مجهولاً. شاركت وسأشارك مجدداً طالما أنا متواجد في لبنان". فعبد الرحمن بات يسعى للسفر إلى الخارج، بمساعدة أقرباء له في محاولة لتأمين مستقبله.

أيمن دقدوق 19 كانون الثاني
من عبد الرحمن إلى أيمن دقدوق، الشاب الثلاثيني الذي أُصيب في 19 كانون الثاني 2020 أمام مجلس النواب في ساحة النجمة: "كنت أمام مجلس النواب، أساعد فتاة وقعت على الأرض بعد إلقاء قنابل مسيلة للدموع. وعند اقترابي منها، رأيت عنصر من مكافحة الشغب أمامي، فرماني فوراً بالرصاص المطاطي في عيني".

يريني أيمن صورته قبل سنتين تقريباً، عندما كانت تحيطه أعلام الحزب الذي كان ينتمي رسمياً إلى صفوفه، ويعمل معه. ويقول: "الثورة لدي بدأت في 13 تشرين الأول 2019 عندما تركت ورائي انتمائي الحزبي، بعد خمس سنوات من العمل فيه والإنضمام إلى صفوفه. و شاءت الصدف أن تندلع الثورة الحقيقية بعد أيام قليلة".

أجرى أيمن منذ تاريخ إصابته ثلاث عمليات جراحية في عينه. وهو يستعد لعملية أخيرة قريباً قد تعيد النظر إليها بنسبة 10 في المئة فقط. هذه العمليات جميعها كانت على نفقته الشخصية، باستثناء واحدة كانت على نفقة إحدى المبادرات الداعمة لثورة 17 تشرين.

"شاركت في الثورة على أمل مستقبل أفضل لنا كشباب. خسرت الكثير جراء مشاركتي ولكن لم أندم أبداً. نلت حريتي بعد تركي انتمائي الحزبي، والنزول إلى ساحات الثورة، رغم أن هناك نقمة كبيرة علي من محيطي المتحزّب. ولكن إن سنحت لي الفرصة مرة ثانية، سأعاود المشاركة مجدداً بالحماسة نفسها والهتافات عينها". ويضيف قائلاً: "أود أن يمر عليّ يوم في العاصمة لا أسمع فيها عن عائلة تحتاج مساعدة مالية لتأكل فقط".

أيمن وعبد الرحمن يجمعان على نقطة واحدة هي الترتيب للهجرة. فيقول أيمن مكرراً كلمة واحدة يبدو أنه اعتاد عليها: "ما فيش مستقبل واضح". ويتابع: "أصدقائي الذين شاركوا في الثورة، وكان لديهم أمل بالتغيير استطاعوا الخروج من لبنان. وهذا ما أسعى إليه الآن. قررت الرجوع إلى إفريقيا. هناك لدي معارف، وسأعود للعمل مجدداً".

علي صلح 8 آب 2020
من ثورة 17 تشرين إلى الاحتجاج الأخير الذي نفذ في ساحة الشهداء يوم 8 آب 2020، الذي عرف بـ"يوم الحساب"، بعد كارثة انفجار مرفأ بيروت. كان الرصاص المطاطي واستهداف العيون هو السلاح الوحيد الذي تستخدمه السلطات في وجه المتظاهرين.

علي صلح، الشاب الثلاثيني، خسر أيضاً عينه في ذاك اليوم. كان قد اعتاد رائحة المسيل للدموع، بعد مشاركته في كافة تظاهرات 17 تشرين في بيروت، من أمام السرايا إلى ساحة النجمة.

يقول صلح: "اعتبرت أنه من واجبي المشاركة في الصفوف الأمامية. وقد اعتدت المشاركة منذ 2015 بهذه التحركات". ويضيف: "من لديه مبدأ لا يمكن أبداً أن يندم على قرار مشاركته، حتى ولو خسرت عيني. فعند المشاركة في الاحتجاجات كنت أضع في بالي احتمالات عديدة لإصابتي".

بعد إصابته في عينه، خسر علي عمله في شركة للأحذية، كان يعيل به عائلته وطفليه. واضطر للقعود في المنزل، بعد إجراء أربع عمليات جراحية في عينه، تكفلت بتكاليفها مبادرات مساندة للثورة. وهو إلى حد الأن لم يجد عملاً.

أكثر ما يذكره من 17 تشرين: "الوجع كان موحدنا في الساحات. وكلنا صوت واحد في وجه السلطة. لم نرضَ السكوت عن حقنا، حتى لو لم نقدر على التغيير. يكفينا شرف المحاولة". يضيف علي: "كسر حاجز الخوف أهم شيء كسبناه بعد الثورة".

عبدالله الحاج 8 آب أيضاً
في يوم 8 آب نفسه أيضاً، أصيب عبد الله الحاج، الرجل الخمسيني، بعينه وأطفئت. كان أمام مبنى جريدة النهار. نزل من منطقة الفاكهة في بعلبك الهرمل للمشاركة في التظاهرة كما اعتاد في ثورة 17 تشرين.

يقول عبد الله الحاج أنه رأى العنصر في مكافحة الشغب يصوب البارودة نحوه. ولكنه لم يستطع الهروب من الرصاصة المطاطية. فأصابت عينه اليمنى وأطفأتها. يقول عبد الرحمن: "عيني هي أساس عملي. فأنا أعملي كمصور. ولدي استوديو في منطقة الفاكهة. لكن عملي توقف منذ لحظة الإصابة".

يستذكر عبد الله الحاج لحظات إصابته، ونقله إلى المستشفى. فبعد إجراء عملية لوقف النزيف في الشبكة، قال له الطبيب "اضطرينا نشيل عينك" .

يقول عبد الله الحاج: "عيني لا شيئ أمام أرواح الشهداء الذين قتلوا خلال انفجار المرفأ. وفي هذه اللحظة بالذات تذكرت عائلاتهم، الذين شاركت من أجلهم في التظاهرة. لم ألبث في المستشفى كثيراً فجرحى انفجار مرفأ بيروت كانوا يشغلون جميع الأسرة من حولي. وخرجت من المستشفى، وفي داخلي الغضب ذاته والنقمة أقوى على هذه السلطة.. ولا أندم أبداً".


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها