آخر تحديث:16:53(بيروت)
السبت 17/10/2020
share

عام على الثورة: طرابلس ليست قندهار

جنى الدهيبي | السبت 17/10/2020
شارك المقال :
عام على الثورة: طرابلس ليست قندهار لم يبقَ من انتفاضة تشرين في طرابلس إلا الرسوم الجدارية (الأرشيف)

تحت شعار "رح نرجع بقوة أكثر كرمال يلي راحوا وكرمال يلي باقيين"، انطلقت الجمعة 16 تشرين الأول مسيرة ضمت عشرات الناشطين والناشطات في طرابلس، من أمام سراي المدينة وجابت شوارع عاصمة الشمال، تمهيدًا للتظاهرة التي تشهدها اليوم السبت في الذكرى السنوية الأولى لثورة 17 تشرين الأول 2019.  

تلك الانتفاضة الشعبية، شكلت في عاصمة الشمال حالة استثنائية، فاستقطبت اللبنانيين من مختلف المناطق والطوائف، واستطاعت أن تتحول إلى شبه مزارٍ سياحي للثورة والثوار، وكانت نساؤها وشاباتها في مقدمة التحركات. ورغم كل محاولات شيطنة المدينة بمندسين ومخربين، بقيت طرابلس طوال الأشهر الماضية مارد لبنان الثائر، وكلما خفت نبض الساحات كانت تعيد إحياءها. وعلى مدار انتفاضة 17 تشرين، واكبت "المدن" الحراك الثوري في طرابلس لحظة بلحظة، من تظاهرات ومسيرات إلى حوادث أمنية، ومن قصص نساءٍ ثائرات إلى خيم الحوار عند تخوم "ساحة النور" ومقابلات مع وجوه "الثورة". كل تلك المرحلة بصخبها، خفتت في طرابلس كما مختلف المناطق اللبنانية، بعد أن اشتدّ خناق القمع الأمني وتفاقمت الأزمة الاقتصادية وتفشى وباء "كورونا". وبالطبع، لأن السلطة نجحت باختراق الشارع، الذي لم يستطع بلورة مشروعه بعد انطلاقه عفويًا، في ليلة الغضب على فرض ضريبة الواتساب.  

وكما حال بيروت، لم يبقَ من انتفاضة تشرين في طرابلس سوى ما طُبع من غرافيتي على جدران ساحة النور، وبعض التظاهرات الخجولة التي تنطلق ضدّ السلطة بين وقت وآخر.  

الانتفاضة والساحات  
في الواقع، بدأت انتفاضة طرابلس من صباح 18 تشرين الأول 2019، بمشهد غير معهود أقدم فيه مئات المواطنين رجالاً ونساء على نكّس جميع الأعلام الحزبية، ومزّقوا صور معظم قياداتهم "السنيّة"، التي ترتفع على الجدران والشرفات والأعمدة، وهتفوا للثورة وإسقاط النظام.  

ومن ذروة المشهد الجماهري في طرابلس، كانت الليلة الرابعة من الانتفاضة، في 20 تشرين الأول 2019، إذ شهدت حينها ساحة النور تجمهر أكثر من 100 ألف متظاهر، في مشهدٍ تاريخي، منحها منذ تلك الليلة لقب "عروس الثورة".  

وطرابلس التي كانت على مدار عقود تدافع عن نفسها لاتهامها بالإنعزال والمحافظة والتخلف والإرهاب، استطاعت بعد 17 تشرين أن تكسر الصورة النمطية التي ظلمتها، فأثبتت أنها مدينة ديناميكية وحيّة ومنتفحة ومتعددة، وتتوق بطبيعتها للمواجهة والثورة والتغيير. ومن ساحة "النور" التي يتربع وسطها اسم الجلالة "الله"، كانت طرابلس مدينة رحبة تصدح فيها أقسى الشعارات ضدّ الطبقة السياسية، وفي طليعتهم القيادات السنية، وهي جرأة تُحسب للمدينة خلافاً لمناطق أخرى.  

وعملياً، تخطّى دور ساحة "النور" في تلك المرحلة ككيانٍ جغرافي تعبره السيارات، إلى كيانٍ مدني عزّز مفهوم المواطنة، ومكّون أساسي ساهم في إنتاج الثورة وضمن استمرارها وحدّد فترات تأجيجها أو حتّى خفوتها. والدور نفسه عززته خيم النقاش السياسي قبل أن تقدم القوى الأمنية على إزالتها لفتح الساحة. ومن أبرز مظاهر تحوّل علاقة الناس مع الساحات العامة في طرابلس، هو أنّ ثورتهم امتدت إلى أماكن وشوارع لم تكن متاحة أمامهم، مثل شارع عزمي والميناء وبعض الشوارع الداخلية. حتّى محيط بيوت الزعماء في طرابلس، والتي كان لها "هيبتها" وخصوصيتها في الحراسة والأمن، دخلت أيضاً في حيّز المساحات العامة التي شكّلها الثوار وأسقطوا هيبتها بمحاصرتها والتظاهر أمامها.  

هيمنة العنف
بعد أسابيع من اندلاع انتفاضة 17 تشرين، شهدت طرابلس وجوارها على أحداث أمنية متفرقة، فدخل الأمن والسياسة والمندسون على خطّ التحركات، لتكون أولى الحوادث العنفية، عند اوتستراد البداوي الذي يفصل طرابلس عن المنية، وتحديدًا في ليل 27 تشرين الأول 2019. حينها وقعت أول جولة اشتباكٍ عنيف بين عناصر الجيش اللبناني ومتظاهرين، وشكل هذا الاشتباك الصفعة الأولى التي تلقتها الانتفاضة الشمالية، وذكّرت الحادثة بمرحلة "المحاور" ولغتها القتالية، فغلب صوت الرصاص وقنابل المولوتوف التي أسقطت عشرات الجرحى المدنيين. وتباعًا كما حال بيروت تحولت التظاهرات الشعبية إلى عملية تصادم مع الجيش، كان أشهرها على مدار ثلاث ليالٍ متتالية أواخر نيسان 2020، وكان ثمنها استشهاد الشاب فواز السمان، ومئات الجرحى الذين أصيبوا بالرصاص المطاطي، وصارت تتوالى عمليات اعتقال عدد كبير من المتظاهرين والمتهمين بإثارة الشغب.  

وواحدة من الشعارات التي رفعها المتظاهرون في طرابلس تحضيرًا لإحياء ذكرى 17 تشرين الأول، كانت عن انفجار مرفأ بيروت: "4 آب يوم تحول الفساد واللامسؤولية إلى إجرام بحقّ الناس". وهذا الشعار ليس عابرًا، لأن الانفجار الذي دمّر بيروت، ترك أثرًا بالغًا في طرابلس، احباطًا ويأسًا وخيبة. وبعده، بدأت تتوالى الحوادث الأمنية في كفتون وجبل البداوي ووادي خالد، وزجت طرابلس وجوارها مرة جديدة في مشهد التصادم مع الجيش، لتعود المدينة إلى مربعها الأول بالدفاع عن نفسها أنّها ليست بيئة حاضنة للخلايا الإرهابية.  

فهل تنجح طرابلس بكسر عزلتها من جديد لتعود عاصمة الثورة في لبنان؟  


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها