آخر تحديث:00:02(بيروت)
السبت 17/10/2020
share

سيرة شابة متمردة.. من الثورة المصرية إلى 17 تشرين

محمد أبي سمرا | السبت 17/10/2020
شارك المقال :
سيرة شابة متمردة.. من الثورة المصرية إلى 17 تشرين لن أكون بعد اليوم ناشطة سياسية (مصطفى جمال الدين)
لا أمتلك بعدُ رواية يمكن روايتها عن انتفاضة 17 تشرين وتتبع فصولها، ولا عن موقعي ووضعي ودوري في خضمها. فروايتها، ككل رواية، تتطلب مسافة ما، زمنية وعاطفية، تفصلني عنها وعني فيها، كي تكون الرواية ممكنة، مقنعة وحقيقية. فأنا لا أزال أعيش تبعات 17 تشرين العاطفية، محاولة أن أودّع غضبي وإحباطي اللذين يمنعانني من قراءتها وفهمها على نحو صحي، كي لا أقول موضوعياً، ويمنعانني أيضاً من النظر إليها نظرة سياسية.

أستطيع الكلام عن مدى غضبي وإحباطي الكبير من ما آلت ووصلت إليه الانتفاضة، ومن ما عشته أنا فيها. لكنني أظن أن ما أريد لروايتي عنها أن تكونه، لا يتحقق إلا بخروجي من الغضب والإحباط هذين، ومن الحال النفسية العاطفية، أو الحِداد الذي يتملكني ويتنازعني حيال الانتفاضة، كي أرويها رواية تتخطاني شخصياً، وتتخطى نزاعي معها ومع ذاتي للخروج منها، وإخراجها مني، لأصير خارجها تماماً.

العائلة والأسرة
أنا من مواليد العام 1983 في بيروت، وبيتنا في محلة الظريف. وفي ذاكرتي مساحات فارغة عن حوادث وفصول حياتي. فذاكرتي مثقّبة، أو تشوبها فجوات وانقطاعات، تترك فيها تلك المساحات الفارغة، الخالية أو المنسية.

أستطيع القول إنني نشأت في بيئة عائلية وأسرية درزية. بيتنا، أو أسرتي النواتية غير مسيّسة، وليس لديها ثقافة سياسية، ولم ينخرط أي من أفرادها في حركة أو حزب سياسيين. سجلُّ نفوسنا في عاليه. والدي أصله من السويداء في سوريا، وأمي من بلدة بتاتر. وعائلتنا الموسعة توالي ولاءً انتخابياً الحزب الاشتراكي الجنبلاطي، أو جنبلاطية. جدي لوالدي يملك منزلاً في عاليه. لكن علاقتي العائلية القروية أو البلدية، تقتصر على بلدة أمي. واختصاراً أقول إن لا سياسة ولا تدين في بيتنا، وأمي وأبي نشأا في بيروت، وتعمل أمي مدرسة في التعليم الثانوي الرسمي. وأبي يعمل ميكانيكي سفن وبواخر، فيسافر كثيراً بسبب طبيعة عمله. لذا هو منذ طفولتي قليل الحضور في حياتي وذاكرتي. وينتمي بيتنا إلى الفئات المتوسطة اللبنانية، عندما كانت هذه الفئات موجودة بعد في لبنان.

"الكرمل" والـ A B C
أمضيت المرحلة الابتدائية من حياتي المدرسية في مدرسة الراهبات الكرمليات - القديس يوسف في فردان ببيروت. ولأن المدرسة انتقلت إلى المشرف، غادرتُها بعد إنهائي المرحلة الابتدائية إلى مدرسة راهبات البيزنسون في وادي أبو جميل. وانتقال مدرسة "الكرمل" من فردان، بعدما اشترى رفيق الحريري عقارياً مبناها وملاعبها الواسعة وأخلاها، حملني على كره رفيق الحريري كراهية طفلية، من دون أن أعي من يكون عندما كنا نسميه بعد "عمو حريري". أي أن كراهيتي له لم تكن سياسية قط، بل طفلية وعاطفية، لأنه "هجّر" مدرستي و"هجّرني" منها، وأرغمني على الانتقال إلى مدرسة أخرى.

لاحقاً، بعدما انخرطتُ في مراهقتي في تظاهرات احتجاجية نهايات التسعينات، التقيت كثرة من أمثالي ومن جيل يكبرني بقليل، فراح بعضهم يتحدث عن تجارب مدرسية يسارية في "الكرمل"، وعن مدرّسين ومدرّسات فيها كانوا منخرطين في أحزاب يسارية. أما أنا فكنت صغيرة بعد على تلك التجارب التي ربما قطعها أو بترها انتقال المدرسة إلى المشرف، بعيداً من بيروت في مطلع التسعينات.

ما أتذكره عن "الكرمل" هو ملاعبها الجميلة بمساحاتها الطبيعية الفسيحة المشجرة وأرضها غير المنبسطة، وبها صخور ووهاد صغيرة وما يشبه مغارة طبيعية. وهذا يذكّر ببيروت القديمة.

وفجأة فقدت مدرستي في نهاية المرحلة الابتدائية، فتحولت عقاراً موقوفاً صار مرآباً للسيارات. لقد أحزنني كثيراً ما حلّ بمدرستي. وعندما شُيّد مجمع ABC مكانها، خشيت وترددت كثيراً قبل دخولي إليه أخيراً، كأنما كنت أخشى أن ينبعث من تحته طيف جثمان مدرستي القديمة التي يغشى ضباب كثيف ذكريات طفولتي فيها. أما عندما تجرأت ودخلت إلى مجمع ABC التجاري، فراحت أصداء صرخات "ثوار 17 تشرين" تتردد في رأسي: "كلن يعني كلن، والحريري واحد منهم".

مراهقة الغضب والتمرد
في مراهقتي بمدرسة "بيزنسون" في وادي أبو جميل، كنت تلميذة مشاغبة، وعلاقاتي المدرسية حسنة، من دون أن أكون مواظبة على الدرس كثيراً. لم أكن مشاغبة فحسب، بل مشاكسة. وسرعان ما وجدتني في التظاهرات الاحتجاجية المناصرة لفلسطين وقضيتها، وسواها من الاحتجاجات المطلبية، السياسية والاجتماعية، المتعلقة بالوضع اللبناني. ولا أذكر أن بيئتي العائلية ولا المدرسية كانا مسوّغ خروجي إلى التظاهرات، واندفاعي في تيارها. كنت متحمسة، غاضبة وناقمة، في مراهقتي. وقد يكون هذا ما دفعني إلى التظاهر، من دون أن يبعث فيّ الحماسة شخص ما، زميل أو زميلة على مقاعد الدراسة، ولا سواهما، أو يدفعني ويرافقني اليها. وغالباً ما أتذكرني وحدي أنزل إلى التظاهرات، أشارك وأتعرف فيها على بعضٍ من أمثالي، لكن من دون أن يؤدي هذا التعارف إلى علاقاتٍ تنظيمية أو سياسية مؤطرة.

واليوم، عندما أتذكر كيف اندفعت إلى التظاهرات ووجدت نفسي فيها، أتساءل: لماذا كنتُ على تلك الحال، وأفكر أن من الأفضل لو كان مسار حياتي مختلفاً، أي عادياً وليس بالضرورة أن يكون أفضل أو أحسن، بل ألطف وأخفّ فحسب. وربما لا يسعني أن أقول إنني نادمة على هذا المسار الذي أفضى بي إلى ما أنا عليه الآن. أما السؤال الوضعي والمنطقي: لماذا ومتى وكيف اندفعت بتلك التلقائية الغاضبة إلى التظاهرات في مراهقتي، ومن دفعني إليها؟ فيكاد جوابي يكون: لا أعلم، وربما لا أحد سواي، لا في بيئتي البيتية ولا المدرسية. وقد تكون تلك المرحلة من حياتي، سقطت من ذاكرتي المشوشة المثقّبة.

طبعاً كنت في المنزل أشاهد نشرات الأخبار التلفزيونية، فأستنتج أن الأمور والأوضاع غير عادية أو ليست سوية في البلاد. واليوم أرى أنني كنت عاطفية في اندفاعي إلى التظاهر، أكثر بكثير من ما كانت السياسة والوعي السياسي يدفعانني إليها. أتذكر وجوهاً وأطيافاً لفتيانٍ وفتيات من عمري في التظاهرات، وأتذكر صوراً غائمة عن مخالطتي إياهم واحتكاكي بهم، لكن ذلك لم يكن ليستمر وينشئ علاقات تدوم ويتخذ أشكالاً منظمة. أتذكر مثلاً أن أحدهم قال لي مرة أنني ماركسية. لكنني لم أكن قد سمعت بماركس، ولا أعلم ماذا ومن يكون.

في السنة الأخيرة من مرحلة دراستي الثانوية في مدرسة مار الياس بطينا في وطى المصيطبة، تزايد خروجي إلى التظاهرات على المنوال نفسه. وأتذكر أنني صرت أميل إلى الأجواء اليسارية، على المعنى العام والعريض.

نسويّة مبكرة
لا، لم أنتمِ إلى أي من المجموعات الحزبية الطالبية المتنوعة في مدرستي الثانوية. وأذكر أنني سخرت من أحدهم حينما قال لي مرة إن من لا يكون شيوعياً لا يفهم، بل حمار. وعلى الرغم من اتساع تجربتي مشاركةً في التحركات والتظاهرات الطلابية، بعدما صرت طالبة فنون مسرحية مدة سنواتٍ أربع في معهد الفنون بالجامعة اللبنانية في منطقة الروشة، لم تتجاوز تلك التجارب والمشاركة الحدود الطلابية، وأذكر منها الاحتجاجات على اجتياح العراق. وحتى الاحتجاجات التي سبقت اغتيال رفيق الحريري سنة 2005، أرى الآن أنني شاركت فيها بلا نضج ولا دراية كافيين. كنت بالطبع متحمسة بقوة لمطلب الانسحاب السوري من لبنان، لكنني كنت شديدة النفور من الأحزاب والجماعات والزعامات الطائفية المشاركة في تلك الاحتجاجات. كما أنني نفرت أيضاً من عنصرية الخطاب اللبناني ضد السوريين، بلا تمييز بين النظام والشعب السوريين.

أذكر أن أمي شاركت في تظاهرات 14 آذار 2005، لكن أخي الأكبر لم يشارك قط في أي نشاط سياسي. وقبل حوادث 7 أيار 2008، لا أذكر أن أمي كانت تتحدث وتحدثني في السياسة، وتعلن مواقف سياسية.

ربما عليّ أن أنتبه اليوم إلى أن عدم حضور الاهتمام السياسي في حياتي البيتية والعائلية، قد تركني أتخبط وحدي ومنفردة في تلك التجارب والميول السياسية العاطفية، بلا دليل ولا مثال ولا تفكر ولا مداولات، تساعدني آنذاك في تعقل تلك التجارب والاختبارات وفهمها، وتساعدني اليوم في تذكرها واستعادتها، لردم تلك الثقوب والمساحات الفارغة في ذاكرتي، أو التي سقطت منها وامّحت تماماً.

ومن المشاهد القليلة التي أتذكرها الآن عن تدخل أمي في إصراري على الخروج إلى التظاهرات، مشهد وقوفها مرة على باب بيتنا لتمنعني من الخروج، فلم أمتنع. وربما عليَّ في هذا السياق استعادة فصول تمردي منذ طفولتي ومراهقتي على بيئتي العائلية وحياتي البيتية في أسرتي النواتية. وقد يكون أشد ما دفعني إلى ذلك التمرد المشاكس، هو نظرة محيطي العائلي والبيتي إلى سلوكي وتصرفاتي كأنثى أو بنتٍ يتوجب عليها الالتزام بمعايير سلوكية وأخلاقية محددة في تصرفاتها، وقد تكون تقليدية ومحافظة. ودفعني تمردي المراهق ذاك إلى خوض معارك شخصية وذاتية مع بيئتي العائلية والبيتية. وقد يكون ذلك في أصل ما حملني على البحث عن مثالات تناسب تمردي المراهق خارج تلك البيئة، فاندفعت إلى التظاهرات في الشوارع بلا دليل ولا مثال، فراراً من ذاك المحيط، ومن مثالاته الأخلاقية والسلوكية التي أراد أن يرغمني على التقيّد بها في مراهقتي.

نفور من التحزّب
لكنني في اندفاعي وفراري إلى التظاهرات الاحتجاجية السياسية، سرعان ما نفرت من الأحزاب والتحزّب والانتماء الحزبي، التي لم تكن تلائمني ولا تشبهني، ولا تستجيب للصورة والمثال اللذين كنت أرغب أن أكون عليهما، وأرجِّح اليوم أنهما لم يكونا سياسيين فهماً وادراكاً، بل اندفاعاً عاطفياً مصدره الغضب والتمرد الذاتيين والشخصيين اللذين قد يكونان تلبساني وتلبستهما، وصادف أنني وجدت تصريفاً لهما في الاحتجاج المسمى سياسياً.

ترددت في تلك الحقبة من حياتي على بعض مقار الأحزاب التي حاولت استقطابي، لكن عبثاً حاولت. ومنها مقر اتحاد الشباب الديمقراطي التابع للحزب الشيوعي. وعندما كنت أسمع البعض يقول عبارة "قطاع الشباب" في هذا الحزب أو ذاك، كنت أحسب أن كلمة قطاع تعني مبنىً أو مقراً. وعندما ذهبت مرات إلى مقر اتحاد الشباب الديمقراطي الشيوعي، نادراً ما صادف أن رأيت شباناً وشابات. وفي التظاهرات التي شاركت فيها، كنت أرى الشيوعيين يتحلقون في مجموعات أو بلوكات، هي من صور انتمائهم الحزبي البيروقراطي المتحجّر، الذي يغيِّب الأفراد والنوازع الفردية، ونفرتُ منه ولا أزال. والشيوعيون لا يختلفون في هذا عن سواهم من الأحزاب كلها في لبنان، يسارية أو غير يسارية.

وقبل 17 تشرين كنت كلما سمعت أحدهم يقول قطاع الشباب، أتساءل بدهشة واستغراب وسخرية: أين هم الشباب، ومن هم هؤلاء الشباب الذين لا أشاهدهم إلا منضوين في مجموعات وبلوكات متراصة، وليسوا أفراداً؟! وقد يكون من إيجابيات 17 تشرين وحسناتها أنها أظهرت بقوة لافتة حضور الشبان والشابات فرادى، وعلى رسلهم وهواهم منتشرين بكثافة في الشوارع والساحات، بلا مجموعات ولا بلوكات متراصّة ينضوون فيها وتقيّدهم.

القاهرة والثورة المصرية
في العام 2008 دعيت لمدة أيام عشر إلى القاهرة لتقديم عمل مسرحي، لكنني مكثت وعشت في القاهرة طوال سنوات خمس أو ست متصلة وبلا انقطاع ولا عودة إلى لبنان، ومن دون تخطيط مسبق. فتنتني القاهرة وسحرتني كمدينة فوضوية لا تهدأ ولا تنام. وشاركت في مجموعاتها الاحتجاجية التي سبقت اندلاع الثورة المصرية في 25 يناير 2011، والتي اندفعتُ بل انجرفت مسحورة في تيارها الصاخب والكبير حتى العام 2013، بلا توقف ولا ملل. لقد صرت وكنت مصرية بالكامل في القاهرة طوال تلك السنوات.

لكن ليس هنا مجال استعادتي تجربتي وحياتي في مصر، واللتين انهيتهما في 2013، وغادرتُ القاهرة، قاهرتي، مصابةً برضةٍ نفسية وعصبية محقتني تماماً، فغيّرت شخصيتي وقلبتها رأساً على عقب، وتركتني شبه مشلولة نفسياً وإرادياً، وبلا ذاكرة، ولا أعرف من أنا بعد عودتي إلى بيروت، فأمضيت نحو سنة أو أكثر في ما يشبه عزلة وسكون غائبة أو مغيّبة غير مدركة من أنا ومن أكون، وأصاب بنوبات رعب، حتى خرجتُ من تلك الحال على غير ما كانت عليه شخصيتي بالكامل، فصرت شخصاً آخر تماماً، هادئة مسترخية، وقررت العزوف عن أي نشاط احتجاجي سياسي أو غير سياسي، لأعيش حياة أخرى عادية، بلا توتر ولا صخب.

وعندما يسألني أحدٌ اليوم: كيف ولماذا مكثتِ في القاهرة تلك السنوات كلها، أنتِ من ذهبت إليها في زيارة عمل تستغرق أياماً عشراً؟! أحارُ جواباً، وأجيب مازحة ساخرة، من دون أن تخلو إجابتي من بعض المعنى والحقيقة. وذلك في قولي: لم يكن مكوثي في القاهرة الفوضوية الساحرة، إلا تأخراً عن موعد عودتي، وعلى الطريقة المصرية، عندما يقول مصري إنه في السكة، جواباً منه على سؤال مصري آخر ينتظر وصوله على موعدٍ ضرباه للقائهما معاً، وتأخر عنه المجيب ساعات أو نهاراً كاملاً.

كم هي جذابة وساحرة الحياة الفوضوية في القاهرة التي أمرضتني، وربما لا أزال أستشفي من مرضي، أنا التي كنت في بيروت والقاهرة لا أتأخر عن موعد، ولا أزال.

تمرين احتجاجي صغير
في 2014 و2015، لا أدري لماذا نزلت إلى الشارع وشاركت كمشاهدة أكثر مني فاعلة ومتحمسة، في الاحتجاجات المطلبية ضد تراكم النفايات في بيروت ولبنان، تحت شعار "طلعت ريحتكم" وفي سواها من الاحتجاجات الكثيرة. كنت آنذاك شخصاً آخر في مشاركتي تلك، وفقدت شجاعتي وإقدامي وحماستي السابقة، وتصالحت مع الشخص الجديد الهادئ المسترخي الذي صرته، ويريد أن يعيش حياته بخفة وسلام، بلا توتر ولا صخب ولا صدامات ولا صدمات.

وكنت قد استنتجت آنذاك، أو ظننت أنني طوال حياتي السابقة كنت أرغم نفسي إرغاماً أو أطالبني بأن أكون قوية ومشاكسة ومتمردة بلا هوادة ولا ضعف، حتى تلبستني تلك الشخصية وتلبستها، وفقدتها بعد عودتي من القاهرة إلى بيروت، وقبلت ورضيت بأن أفقدها وأحيا حياة أخرى هادئة ومسالمة وخفيفة في بيروت.

نداء 17 تشرين
كنت على هذه الحال في بيتي، عندما راحت تصلني على مواقع التواصل دعوات إلى التظاهر في 17 تشرين 2019، فكتبت على صفحتي في فيسبوك ما معناه: الحرب الأهلية مرت وطويت صفحتها كأن شيئاً لم يحدث. ثورات في بلدان عربية عبرت كذلك ولم تفضِ إلى شيء، ومنها الثورة المصرية التي عشتها طولاً وعرضاً، وشغفت بها، لكنها دمرتني. وفي لبنان لسنا في حاجة إلى اكتشاف شيء جديد: الفساد والنهب مشرعان على الغارب. لا نحتاج إلى الكشف عنه وفضحه، وصارت أخباره تبعث الضجر والسأم.

وأنا من كنت ممتلئة بقرفي من البلد، واستنزفت طاقتي كلها على الغضب والتمرد، وأعيش هادئة مسترخية، وسارحة في تأملاتي، قررت ألا أخرج إلى التظاهر، لا في تلك المناسبة ولا في سواها. لكنني في جلوسي وحدي على الكنبة، رحت أشاهد على شاشة التلفزيون أمامي ما يحدث في الشوارع: هنا يقطعون طريق. هناك يشعلون الدواليب. وهنالك تظاهرات... وراحت التحركات تتسع وتكبر، طالعة من غضب فوضوي عميق لم أعهده في لبنان. وسرعان ما فاجأني تحرك شبان ضاحية بيروت الجنوبية في المشرفية وعلى طريق المطار.

وراحت الموجة تكبر في ليلة 17 تشرين، فيما كنت مسمّرة وحدي أمام شاشة التلفزيون. وجيب أو شعلة ما استيقظا في جسمي المسترخي، فلم أعد قادرة على الجلوس في مكاني على الكنبة، فارتديت ثياب الخروج، واتصلت بصديق، فجاء واصطحبني في جولة على دراجته النارية في شوارع بيروت. واستمرت الجولة حتى الفجر. رأيت أن انفجار الغضب مختلف تماماً في عمقه ونوعه عما أعرفه وعشته في لبنان. ليس الناشطون والناشطات المحترفون أمثالي من هم في الشوارع، بل الناس، الناس العاديون. وتراءت لي المشاهد التي عشتها في الثورة المصرية. وعندما عدت إلى بيتي دبّت في جسمي نوبة من التوتر الذي كنت أحسب أنه خبا تماماً فيّ، وتركني أعيش في هدوء وسلام، واختفى مع شخصيتي السابقة التي كنت عليها. وحاولت أن أنام فجراً، فلم أستطع، فتناولت قرصين من المهدئات كي أنام.

ارتماء في الشارع
في الصباح رميت نفسي في الشوارع الانتفاضة، بعدما كتبت على جهاز اللابتوب طلب استقالتي من عملي في الصليب الأحمر، الذي يشترط على العاملين فيه عدم مشاركتهم في الاحتجاجات والنزاعات. وسرعان ما وجدتني في 18 تشرين أقطع شارع القنطاري مع مجموعة من المحتجين أعرف بعضهم. ولما اتصلت بي مديرتي في العمل، قلت لها إنني كتبت استقالتي وسأرسلها بعد قليل. فوجئتْ واستغربت، وطلبت مني التريث قائلة إنها موجة قد تستمر أياماً وتنتهي، فلم أكترث بقولها، أنا من استيقظت شخصيتي القديمة المجازفة ورمتني في الشارع، واستولى علي حدس شبه يقيني بأن ما يحدث هذه المرة، إما يهوي بنا إلى سابع أرض، وإما يخلصنا من ما نحن فيه.

سريعاً تشكلت مجموعة القنطاري التي انضويت فيها، وداومنا على قطع الطرق مندفعين بحماسة لا تضاهى على التظاهر وقطع الطرق يومياً في القنطاري، فذاع صيتنا بين المجموعات من أمثالنا، فراحت تنسق معنا وتستعين بنا كلما احتاجت إلى مساعدة في قطع الطرق، نحن من اكتسبنا طريقة أخطبوطية في الحركة والتنقل والعمل السريع.

بعد أسابيع من الاندفاع إلى هذه الأعمال، بدأنا نفكر في المسائل السياسية، نحن مجموعة القنطاري: ماذا نريد، ما هو مشروعنا، هل نشكل تنظيماً، حزباً سياسياً؟ سريعاً اتفقنا على استبعاد فكرة التنظيم والحزب، وقررنا أننا مجموعة تنسق وتشبّك مع المجموعات الأخرى. وأنا المنضوية في تلك المجموعة التي توزعت لجاناً كنت أيضاً أقوم منفردة بنشاطات واتصالات واجتماعات يومية محمومة مع مجموعات أخرى كثيرة. وبعد اسقاط حكومة سعد الحريري، انخفضت وتائر التحركات والنشاطات والتظاهرات، كأنما الانتفاضة حققت غايتها ومبتغاها في إدراك الناس العاديين الذين جعلوا الاحتجاجات والتظاهرات استثنائية. وفي ذاك المنعطف بدأ الانفصال بين خطاب الناشطين على اختلافهم وبين الشارع والناس العاديين أو العفويين.

الناس والمجموعات
حتى الآن لم أَخلصُ من ما عشته وخبرته طوال انتفاضة 17 تشرين، إلى درس محدد وأفكار محددة عنها وعني فيها. أفكر أن الناس انفجر غضبهم في 17 تشرين، كما لم ينفجر سابقاً، فهبوا عفوياً إلى التظاهر في الشوارع والساحات. لكن المجموعات الناشطة على اختلافها وتنافرها فكرتْ وامتلأت يقيناً قاطعاً بأن ما انفجر في ذاك النهار والأيام التي تلته، كان نتيجة أكيدة لتراكم تحركاتها ونشاطاتها السابقة، فراح كل منها يغني على ليلاه، وكل منهم يعتبر أنه باعث الانتفاضة أو الحركة، أساسها وصاحبها.

أنا نفرت من فكرة التراكم هذه التي لا أنفي وجودها. لكن ما انفجر هو تراكم غضب الناس العاديين والعفويين غير المؤطرين، وليس نشاط المجموعات وما راكمته تحركاتها، هما ما دفع غضب الناس إلى الانفجار الذي جعل 17 تشرين استثناء. تدل على ذلك أعداد الناس الهائلة في الشوارع والساحات في الأيام الأولى، وحتى اسقاط الحكومة. أما المجموعات فلم تكن أكثر من بقع مجهرية في بحر الناس المتلاطم، أولئك الذين انفجر غضبهم، فاجتمعوا واحتشدوا تلقائياً، من دون أن تكون دعوات المجموعات هي الأساس أو المحرض في اندفاع الناس إلى الشوارع والساحات، ليقولوا إنهم غاضبون، وممتلئين غضباً من السياسيين والزعماء، ويطالبونهم بما يريدون منهم. وهي مطالب معيشية واقتصادية وخدماتية: كهرباء وماء وتعليم واستشفاء وعمل.. صحيح أنهم راحوا يقولون لهم: نهبتونا، جوعتونا، أفقرتونا، وقتلتونا... لكن هذا كله لا يعني أنهم يريدون تنحي الزعماء والسياسيين وإسقاطهم، وإسقاط النظام، على ما راحت تلهج وتردد مجموعات الناشطين.

نزل الناس إلى الشوارع، على الرغم من انتماءاتهم الطائفية والمناطقية وولاءاتهم لزعمائهم السياسيين، لا لإسقاطهم، بل لمطالبتهم بتحسين أوضاعهم. لكن المجموعات، بدل أن تبني على غضب الناس هذا وحدوده، ودفعه خطوة إلى الأمام، قفزت سريعاً إلى إسقاط الزعماء والنظام، مستندة إلى فكرة التراكم الخاصة بها والمتمحورة على نشاطاتها وتحركاتها السابقة، معتبرة أنها هي التي فجرت غضب الناس، وعليها الآن قطف ثمار ذلك التراكم المزعوم أو المتوهم.

لكن فكرة التراكم هذه والبناء عليها والانطلاق منها، راحت تلعب دوراً أساسياً في تفكيك الانتفاضة وتفكيك المجموعات نفسها، المفككة أصلاً وفصلاً. والناس بدورهم لم يكونوا حشوداً منظمة متراصة ولديهم برنامجاً محدداً وواضحاً ومعداً مسبقاً بمطالبهم، واحتشدوا على أساسه في الشوارع، على ما توهمت المجموعات وزعمت بناء على فكرة التراكم إياها.

المجموعات عارية من الناس
قبل مدة من ظهور حسن نصرالله وتبليغه جمهورَه بالخروج من الشوارع والساحات، وبعد دعوته هذه وهجمات مجموعات ما يسمى "الثنائي الشيعي" على المتظاهرين، كانت تحدث دائماً مشاكل موضعية بين متظاهرين، كلما علت أصوات مجموعات وجماعات منهم ضد هذا الزعيم أو ذاك. وهذه من طبيعة المجتمع اللبناني وجماعاته ومناكفاتها.

ولو كان صحيحاً أن مئات الألوف الذين تظاهروا في الأسبوع والأسبوعين الأولين من الانتفاضة، إنما تظاهروا مجمعين على إسقاط زعمائهم الطائفيين، على ما راحت المجموعات الناشطة المحترفة تردد وتزعم، لكان الزعماء ونظامهم الطوائفي سقطا فعلاً. وحتى المنضوين في المجموعات لم يكن خروجهم على ولاءاتهم وانتماءاتهم الطائفية والمناطقية والأهلية، ناجزاً مكتملاً، بل هم يقولون ذلك، وأحياناً ما تختفي تحت قولهم هذا، اعتبارات وحسابات كثيرة، متفاوتة ومتناقضة.

وبعد ما خفتَ غضب الناس، وقد يكونون تعبوا وأحبطوا، ظلت المجموعات عارية في الشوارع والساحات. وأنا هنا أتكلم عن بيروت باعتبارها مرآة المجتمع اللبناني. وسرعان ما تبدلت شعارات المجموعات من إسقاط الزعماء والنظام، إلى شعارات تفصيلية: انتخابات مبكرة، قضاء مستقل، استعادة الأموال المنهوبة، تشكيل حكومة مستقلين وتكنوقراط... وهذا من دون أن تتساءل المجموعات نفسها إلى من تتقدم بمطالبها هذه. وضمناً هي كانت تتقدم بها إلى الزعماء الذين تدعو إلى اسقاطهم مع نظامهم أو منظومتهم. كأن المجموعات الناشطة التي تلبّس الناس شعاراتها، وراحوا يرددونها على نحو آلي أو ميكانيكي، كانت تقول: هيا أيها الزعماء شكلوا لنا حكومة تكنوقرطية مستقلة عنكم، وتولوا أنتم إدارة وزراء هذه الحكومة في الخفاء عنا. وهذا ما حدث فعلاً مع تشكيل حكومة حسان دياب.

على المقعد وحيدة وبسلام
أنا من نفرت من هذا كله ورأيت أنه هراء كامل، بقيت حاضرة في الشارع، ولم أنسحب منه، على الرغم من غضبي ويأسي وسأمي وتخبطي. وها أنا الآن أقول إن انتفاضة 17 تشرين فاجأتني، وأعادتني أو رمتني مجدداً في الشارع، وقوضت خطتي بعد شفائي من تجربتي في الثورة المصرية. وشيئاً فشيئاً رحت أنسحب محبطة، إلى أن اكتمل انسحابي، ليس من 17 تشرين فحسب، بل من أي نشاط سياسي.

أريد أن أعيش واتسلى واقرأ وأشاهد برامج تلفزيونية. لا، لن أكون بعد اليوم ناشطة سياسية. وإذا أراد هذا النظام السياسي أن يقتلني، فليقتلني وأنا جالسة مسترخية بسلام على مقعد في بيتي.. وكان أن حدث انفجار مرفأ بيروت، وكنت فعلاً جالسة بسلام على ذلك المقعد.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها